عقدة “غياب العضو الذكري” ونظريات أخرى عن تغييب المرأة في السياسة

عقدة “غياب العضو الذكري” ونظريات أخرى عن تغييب المرأة في السياسة – ستيفاني غانم

منذ أيام الإغريق والرومان، عمل المجتمع والدين على إقصاء المرأة باعتبارها أقل ذكاءً وقدرةً على حسن الإدارة من الرجل. وهي نظرة رسّخها الدين المسيحي بمبدأ “الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضاً رأس الكنيسة”، والقرآن الكريم بآية تقول: “الرجال قوَامون على النساء بما فضَل الله بعضهم على بعض”.

أعفت الأديان المرأة من “أعباء” القيادة العليا، ومسؤولياتها وتبعاتها، في تصريف شؤون الحياة وأوكلها إلى الرجل. فالمرأة هي التي “تغوي وتوقع الرجل في الخطيئة، وهي الهشة الرقيقة”. هل فعلاً أنوثة المرأة تتعارض ومفهوم السلطة التي تتطلبها الحياة السياسية، وأين يأتي دورها هنا في فرض وجودها عوضاً عن استعطاف مقعد من هنا ودور من هناك من ذكور السلطات أكانت التنفيذية أو التشريعية؟

بيّن أحدث إحصاء للبنك الدولي عن نسبة المقاعد التي تشغلها النساء في  البرلمانات الوطنية عام 2016، أن نسبة تمثيل المرأة حالياً في العالم هو 23% فقط، بعدما كان 13% عام 1990. تصدرت نسبة التمثيل دولة رواندا بـ64% من النساء في البرلمان، وهي النسبة الأكثر ارتفاعاً بين بقية الدول. تلتها بوليفيا بـ53%، ثم السويد وسيشيل بـ44%. أما الدولة الأقل تمثيلاً للمرأة عالمياً فكما هو متوقع دولتان عربيتان، قطر واليمن بنسبة 0%. بينما النسبة الأكثر ارتفاعاً لتمثيل المرأة في العالم العربي، الذي لا يتعدى إجمال تمثيل المرأة فيه الـ18%، فكان من نصيب العراق، لتتصدر القائمة بـ27%. فكيف تكون المرأة نصف المجتمع إذاً؟ وما هي لعنة الآلهة تلك التي وقعت عليها منذ بداية الأزمنة، حتى أنها ما زالت تلعب هذا الدور الثانوي في السياسة؟

Women-in-Politics-Infographنسب مشاركة المرأة السياسية في العالم العربي عام 2015

الأنوثة والسلطة لا تتعارضان

قصة شغف المرأة بالسلطة في التاريخ الحديث يعود إلى عام 1919 مع نانسي أستور، الشابة البريطانية من أصل أمريكي، التي كانت أول سيدة احتلت منصباً برلمانياً في بريطانيا. كانت تعمل في المجال السياسي كعضو في حزب المحافظين آنذاك، ومن أشهر أقاويلها “على المرأة السعي لجعل العالم أكثر أماناً للرجل، لأن الرجل جعله شديد الخطورة عليها”. كما اعتبرت أن “الخطر الأكبر في هذه الحياة هم الأشخاص الذين يريدون تغيير كل شيء أو لا شيء”.

لعلَ حديثها هذا أكثر صحة اليوم، مما كان عليه في الفترة الماضية، خصوصاً في ما يعني دور المرأة، الذي يتطور يوماً بعد يوم. فهي التي أصبحت تعمل وتقرر وترفض وتثور. يذكر أن المرأة في العالم الغربي تحتل مناصب أساسية وتقرر مصير شعوب، فهل ننسى دور أنجيلا مركيل في الأزمة السورية، وقبلها غولدا مائير رئيسة الحكومة في إسرائيل، ودورها في حرب 1948 بين العرب وإسرائيل؟ هل كان ينقص هؤلاء النساء بعض الأنوثة ليتمكنّ من الوصول إلى مراكز سلطة؟ أم أنهن تمكن من إثبات الذات وتناسين الفروق الاجتماعية بين الجنسين، فبرعن في مجالات العمل ووصلن من خلال كفاءاتهن، لا بحصص يتم تحديدها مسبقاً لإرضاء الضمير المؤنث السالم.




 أما المرأة العربية، فهي أقل تمثيلاً في البرلمانات العربية. وحتى في حال مُثَلت، كان ذلك خجولاً جداً ولا يذكر لا لناحية الدور ولا الأداء والفعاليَة. وإن خرقت الصورة بعض النساء أمثال الإماراتية أمل القبيس، أول امرأة تتولى رئاسة برلمان عربي عام 2015، بعد السيدة راوية عطية، أول إمرأة عربية تكسب عضوية البرلمان في بلادها، بعدما فازت بعضوية مجلس الأمة في مصر في انتخابات سنة 1957. بالنظر إلى عدد من النساء الأعضاء في البرلمانات العربية، لا نسمع كثيراً عن امرأة غردت خارج السرب، لا في قضايا حقوق الإنسان والطفل عموماً، ولا في قضية المرأة خصوصاً. فإما أنهن يعجزن عن إحداث أي فرق، بسبب غياب المساحة الكافية للتحرك، والقدرة على الحسم، أو أنهن على العكس، يتماشين مع توجهات حكومات ما زالت تشرع جريمة الشرف وتزويج القاصرات، وعدم جواز إعطاء المرأة جنسية لأولادها، وغيرها من القوانين المجحفة بحق المرأة. وقد جلس بعضهن مثلاً، يصفقن لوزير لبناني اتهم المرأة بإغراء المغتصب وطالبها بالسترة…

 هل تتحمل المرأة جزءاً من المسؤولية؟

تقول ميشيل بشولي، رئيسة شيلي: “أن تتولى امرأة مركز زعامة، فذلك يغيرها هي. أن تتولى عدة سيدات هذا المركز، فذلك يغير السياسة والسياسات”. كشفت دراسة قامت بها جامعة يال بالتعاون مع البنك الدولي، هدفها فهم الأسباب الكامنة خلف الواقع الذي يحرم المرأة التمثيل الصحيح والعادل، أن المعدل العالمي العام للتمثيل هو امرأة واحدة لكل 5 رجال. وجاءت النتائج بعيداً عن اللوم وإلقاء الذنب على الرجل، بل اعتبرت أن واحداً من أسباب تراجع دور المرأة في المجال السياسي، أنها غالباً تنسب نجاحها إلى شخص آخر أو تعمل في الظل، أو ضمن فريق عمل له خطة جاهزة. وهذا مختلف عن الرجل، الذي ينسب لنفسه إنجازاته، حتى ولو عمل ضمن فريق.

لا يتوقف دور المرأة على السعي لكسب مركز في البرلمان، بل يجب أن يبدأ من الجذور. من إلغاء التفرقة بين الجنسين، والمطالبة بإعطائها فرص عمل، توازياً مع الرجل، وهذا لا يمكن أن يحصل إذا بقيت تعتبر أنه يتحمل وحده الأعباء المادية والاجتماعية، بينما يقتصر دورها على تربية الأولاد.

وفي دراسة أخرى قام بها مركز الإحصاء العالمي تركز على سؤال الشعب الأميركي “ماذا يمنع المرأة من تولي مناصب سياسية متقدمة؟”، كانت النسبة الأكبر (433%) لأنها لا تتنازل عن مبادئها بسهولة عكس الرجل. بينما أجاب 23% بأن مسؤولية البيت وتربية الأولاد لا تساعداها. أثبتت الدراسة أيضاً أن المرأة أكثر صدقاً في التعامل، وأكثر قدرة على التفاوض في مجال العمل، لكن تنقصها الجرأة وأخذ قرارات خطيرة. وذلك يعود ربما لطبيعتها البشرية العاطفية، والتربية التي أسهمت في ترسيخ هذا الطبع، وجعلتها بحاجة إلى حماية من الرجل، الأب، الأخ، الزوج، الابن.

المرأة وعقدة “التجويف”

يفسر العالم النفسي التحليلي فرويد غياب المرأة في السلطة ومراكز القرار بحاجة المجتمع إلى صورة “الأب”، الذي هو مركز القرار والمرجعية، وهو منبع الرغبات والمقرر في العائلة. السلطة تنتج الرغبة في فرض الذات والقرار والسيطرة، وكلها من سمات الرجل المتمتع بالعضو الذكري، رمز السلطة والامتلاء. أن تكون رجلاً إذاً أنت كامل ومؤهل للسلطة والميراث والحفاظ على النسل ورابط الدم. رغبة قديمة ترجع إلى بداية تكوين الإنسان وتأسيس التسلسل الاجتماعي، توارثتها المجتمعات وبقيت مترسخة بذهن المرأة العربية خصوصاً، بأنها ناقصة ودون الرجل. وكأن تركيبتها البيولوجية غير مكتملة بغياب العضو الذكري المرادف للسلطة.

وأكمل فرويد أن خلف شغف المرأة للسلطة رغبة في الامتلاء والتشبه بالرجل، لكنها تبقى منقوصة ومتمثلة بخطوات مترددة وبطيئة، لأنها تخشى الفشل وبالتالي العقاب. عقاب المجتمع والدين والأهل. كان ذلك عهد فرويد، عهداً ذكورياً كانت فيه المرأة شبه غائبة عن الحياة العملية، وكان دورها مقتصراً على تربية الأولاد. لكن اليوم ومع تغير تلك المقاييس، أصبحت مسؤوليتها أكبر تجاه نفسها ومجتمعها، ولم يعد غيابها مبرراً ببطش الرجل وسلطته في مجتمع لا يعطي أحداً الحق مجاناً. هي المسؤولة عن كسر تلك المفاهيم النمطية، التي كانت تغزو تفكيرها وتلعب دوراً أكثر فعالية، دوراً مؤسساتياً فاعلاً غير محمي برجل، بل مستقل وواضح، يهدف إلى إيصالها لمواقع متقدمة في السلطة لكفاءتها وقوتها، وليس كما هو الحال اليوم، بالترجي.

المصدر: رصيف 22

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك