دفاعاً عن الكتاب … الاكتفاء بمحتوى الانترنت محض تسطيح ثقافي

دفاعاً عن الكتاب … الاكتفاء بمحتوى الانترنت محض تسطيح ثقافي

و لهذا السبب لن تموت الكتب أبدا ، هذا مستحيل . إنه الوقت الوحيد حيث نذهب حقا إلى داخل عقل أحد الغرباء ، و نجد فيه أن إنسانيتنا المشتركة هي من يفعل ذلك ، لذا فالكتاب لا ينتمي فقط للكاتب ، بل ينتمي للقارئ أيضا ، ثم يصير بعدها للإثنين معا أن يجعلاه على ما هو عليه .
_بول أوستر .

كان ممسكا بجواله و يبدو عليه اﻹهتمام بمتابعة أمر ما قبل بعد ان يعتدل في جلسته و بثقة مفتعلة يتوجه إلي بسؤال قائلا : هل قرأت للمفكر العظيم فلان بن فلان …. ؟ شعرت بشئ من الخجل قبل الرد ، و انا الذي لم يسعفني الحظ سوى بقراءة كتاب واحد للكاتب الذي ذكره ، و لكن قلت في نفسي سأذكره بلا تردد ، و أجبت: نعم … قرأت له عمل واحد . و قبل أن أذكر عنوان العمل ، رد علي منفعلا :لا يا أخي هذا كاتب عظييييم لا بد لك من قراءة معظم أعماله ، انظر ماذا يقول ؟ ثم شرع يقرأ لي احد أقواله المأثورة التي كتبت على الصور المتبادلة على إنستغرام ، و دهشت حقا حينما تمادى في الحديث عنه ، إذ أدركت انه لم يكن يعلم شئ عن المؤلف سوى هذه الكلمات التي وجدها بالصدفة على صورة بإنستغرام ، فضحكت في سري ضحكة تشوبها الحسرة و القلق من ذاك الداء المستشري كإنتشار النار على الهشيم ، ” داء التسطيح الثقافي ” عبر وسائل التواصل اﻹجتماعي ، أيعقل أن نحكم على كاتب ما أو مفكر ما و على أعماله فقط عبر إقتباس على صور إنستغرام أو تويتر ؟ إن صاحبي لم يكن وحده ضحية هذا الكسل الفكري ، بل هو واحد من الكثيرين من محبي الثقافة الذين رأو في منصات التواصل اﻹجتماعي و الانترنت عموما سدا لحاجتهم المعرفية ، فهجرو الكتاب ، و ما دري هؤلاء أنهم نحو التنميط الفكري يساقون ، و إلى التسطيح الثقافي ينتشلون .




أذكر قبيل أيام و في ذات الصدد قد طرح احد اﻷصدقاء منشورا على فيسبوك يتساءل فيه إن كان المحتوى على الانترنت يغني عن قراءة الكتب ؟ و يبدو أن صاحبي نفسه قد سقط ضحية هذا الداء ، و لما تسلل إليه القلق حدثته نفسه بمحاورة اﻷصدقاء المهتمون بالشأن و كان واضحا في تحديد جمهوره إذ كتب قبل الطرح قائلا : ” للقراء فقط ” ، و جاءت ردود المشاركين متباينة من مؤيد و غير مؤيد ، و أثارتني الدهشه مرة أخرى من بعض الردود ، فمثلا كتب أحدهم قائلا: أنا أتابع بعض اﻷساتذه على تويتر و فيسبوك و أعتقد أن من يتابعهم سيغنونه عن قراءة أي كتاب. إنتهى ! و هذا نموزج آخر نال منه الغرور بأن يتبجح بأن من يتابعهم يغنون عن قراءة الكثير من الكتب ، و لا أدري أي منشور او تغريدة هذه التي تعادل كتابا .

ولكن إعلم عزيزي القارئ أنه عندما تقرأ كتابا فذاك يعني أن تستيقظ من سباتك و تحيا و تحوي إهتماما أكبر بمن يجاورك.و مهما كانت درجة إنتقاؤك للصفحات المتميزة التي تتابعها فإنها لن تغنيك أبدا عن قراءة الكتب إن لم تحثك على الإنكباب على القراءة أكثر . …. كتب الناقد الفرنسي ” رولاند بارت ” كتابا أسماه ” موت المؤلف ” ، حيث كان تعبيرا عن إنحسار العلاقة بين المؤلف و النص أو عملية تحرير النص من سلطة المؤلف وخضوعه للقارئ . و لكن وسط هذا التكاسل الفكري الذي يجتاح القارئ يمكننا القول أننا بصدد عزاء جديد و هو ” موت القارئ ” .

 أما الكتاب فهو حي و باق على مر الزمان و إن كان العنوان يوحي عن حالة دفاع عنه ، إلا ان ذلك لا يعني تماثل الكتاب في دور الضحية ؛ بل أن المجني عليه و الجاني في ذات الحين هو ” القارئ” .

ــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك