اغتيال عقيدة.. لماذا يقوم البعض بقتل المختلفين معهم ؟!

اغتيال عقيدة.. لماذا يقوم البعض بقتل المختلفين معهم ؟!

كل الذين درسوا القانون يعلمون أن محل جريمة القتل هو الإنسان الحي والذي يتحدد بلحظة ميلاده وحتى لحظة وفاته. فما قبل لحظة الميلاد يسمي جنيناً وما بعد لحظة الوفاة يسمى جثماناً.
لكنى سأخرج عن هذا النهج وربما ليس خروجاً حقيقياً لكنه أقرب إلي المجاز فبكل تأكيد يظل الإنسان هو محل جريمة القتل لكن لو تأملنا قليلاً بشأن بعض الجرائم التى تُرتكب لغرضٍ غير جنائي سنجد أن محل القتل فيها ربما كان شيئاً آخر بحيث يتواري الإنسان نفسه كجسدٍ وروح خلفه .

نتأمل مثلاً الجريمة السياسية لنسأل أنفسنا هل كان غرض القاتل هو أزهاق روح أم إزهاق رأي أو فكر أو نهج؟
بالتأكيد كان قصده هو أن يزهق رأي أو فكر أو نهج.
ونتأمل الجريمة العقائدية لنسأل أنفسنا ماذا كان غرض القاتل…هل كان مجرد إزهاق روح أم إزهاق عقيدة قد يكون منبعها دين سماوي أو غيره.
بالتأكيد ستكون الإجابة هي الأخيرة.
إذن هناك من جرائم القتل ما يكون محلها فكرة أو رأي أو نهج أو عقيدة.

هل تفسرون عندما يتجه قاتل صوب بيت عبادة أياً كان ثم يفجر نفسه قاصداً مصليين آمنيين لا جريرة ارتكبوها سوي أنهم اختلوا بأنفسهم مساحة من الوقت يعبدون الله الخالق الأعظم ، لا يهم بأى كتاب فيقتلون علي هذا النحو..!!
هل نستطيع هنا أن نختزل تلك الجريمة في مجرد مادة مؤثمة بقانون العقوبات..هل نستطيع أن نعالجها بطريقة أكادمية مثلما نقول لطلاب الحقوق أنها جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد مكتملة الأركان من نص وركن مادي وركن معنوي يتمثل في قصد خاص هو إزهاق الروح..؟!!

أنا أعلم مثل غيري من دارسى القانون أن الباعث ليس من أركان الجريمة لكننا هل يمكن أن ننحي الباعث هنا عما وقع وهل يجوز أن نكتفي بالقول أن الذي أُزهق هنا هو فقط الإنسان الحي ..؟!
أظنه لا..وأظن أنه من المنصف أن نقول ويغير خجل أن الجريمة هنا كان محلها العقيدة نفسها وليس جسد من يحملها أو قلب من يعتنقها.

بماذا نُفسر أن يُقدم صاحب دين أو مذهب أو طائفة أو ملة أو ما شابه ذلك علي قتل من يختلف معه في الدين او المذهب او الطائفة او الملة إلا أن يكون ما أقدم عليه جريمة عقائدية ركنها الأساسى الذي لم تتضمنه كتب الشراح هو هذا الاختلاف الذي قدره الله لعباده بينما يعده بعض منهم مسوغاً شرعياً للقتل..!!

وإذا كان لكل جريمة آداتها التى تتقق غالباً مع ركنها المادي وطبيعتها فجريمة مثل هذه والتى اخترت لها هذا المسمى “الجريمة العقائدية” لا يمكن أن نختزل الآداة التى اُستخدمت في ارتكابها في عبوة ناسفة أو في سلاح ناري أو في حزام ناسف. فتلك هي اللحظة الأخيرة التى تسبقها لكن في الحقيقة هناك فترات زمنية ربما امتدت إلي عقود كانت هي الآداة الحقيقية في ارتكابها.فهذا الحزام الناسف الذي يرتديه القاتل حول جسده هو الحلقة الأخيرة بكل تأكيد في حلقات تغييب الوعي والعقل كله.




المرحلة التى تسبق هذا هى البوتقة الفاسدة التى تنصهر بها كل الأفكار التى سرعان ما تتحول إلي قنابل موقوتة تنتظر لحظة الانفجار بمجرد ضفة أصبع من أصابع اليد.
هي النص المكذوب والمهجور
هي الفهم الخاطئ المضلل لنص صحيح لكنهم يخرجونه من محتواه الإنسانى إلي محتوي آخر شيطاني.
هي الجنة الموعودة وأنهار الخمر والعسل التى يضللون بها هؤلاء وإلا بماذا نُفسر كل هذا الثبات عند الإقدام علي عمل أقل ما يمكن وصفه أنه عدوان علي الحياة كلها..كل الحياة
أوليس الله عز وجل وصف هذا في كتابه بقوله ” من أجل ذلك كتبنا علي بنى إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً”
أنظروا في لفظ “الناس” إنه لفظ عام غير مقيد بديانة أو طائفة أو ملة إنه يشمل أيضاً غير المؤمنين،فكل هؤلاء دماؤهم معصومة وليست مباحة أو مهدرة علي الإطلاق.

كل بقعة علي وجه الأرض يُعبد فيها الله هي بُقعة مقدسة..كل نفسِ علي وجه الأرض تَذكر الله هي نفس ذكية..كل روح تهيم بالأرض هي روح مصانة حتى ولو كانت بلا إيمان..
كل نص يحرض علي القتل بناء علي اختلاف العقيدة هو لفظ فاسد ليس من عند الله..كل فكر يبرر القتل بناء علي العقيدة هو أكثر صور الإجرام بشاعة وكل قول غير هذا هو قول شيطانى أثيم.

الله عز وجل لن يزيده في ملكه وملكوته إيماننا ولن ينتقص منه ضلالنا هو الذي خلقنا هكذا بسنة الاختلاف وبتنوع العقائد والمذاهب ..هو الذي يرعانا جميعا من آمن ومن غير آمن.
إنه من دواعي الخجل من انفسنا أن الله سبحانه يَعدل حتى مع الذين لا يؤمنون به بينما نحن نصبّنا من أنفسنا أوصياء علي العقول وعلي ما تجنه الصدور ثم أصدرنا أحكاماً بالقتل علي من يختلفون عقائدياً معنا فقتلنا الناس جميعاً وقد كنا جديرون بأن نُحي الناس جميعاً.

ـــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك