كيف أرسى عمر بن الخطاب مبادئ التنظيم القضائي

كيف أرسى عمر بن الخطاب مبادئ التنظيم القضائي

كتاب العدل..!

السابعة والستون.

في القرن الثامن عشر اكتشفت أوربا قاعدة جديدة أُعتبرت في هذه الحقبة فتحاً جديداً في تنظيم الدولة التى كانت في طريقها إلي بناء حديث يقوم علي رعاية حقوق المواطنين.
في كتاب روح الشرائع للعلامة الفرنسى “مونتسكو ” تحدث للمرة الأولى في التاريخ المعاصر عن فصل ولاية الحُكم عن الإدارة أي فصل السلطتين القضائية والتنفيذية بحيث لم يعد شخص القاضى هو ذاته شخص الحاكم .
والحقيقة أن هذه القاعدة التى نادي بها هذا الفقيه رغم أنها وُلدت في القرن الثامن عشر إلا أنها لم تبدو كحقيقة واضحة إلا في أوائل القرن التاسع عشر وتحديداً بعد الثورة الفرنسية التى تبناها ميثاق الحقوق الصادر عنها هى وغيرها من القواعد.

هذا كان في مرحلة متقدمة من التاريخ الأوربي وأُريد أن أنوه بداءةً أننى في هذه الحلقات لا أنتهج نهجاً تحليلياً أو وصفياً أو حتى مقارن لكنها هى الرؤية المعاصرة التى أري فيها أن هناك رجل قد جاء من بعيد ليقدم لنا دليلاً علي أن الفكر البشري في مراحل تطور مستمرة وأنه لايرتبط بمرحلة زمنية معينة بل يرتبط في المقام الأول بالقدرة علي الإبداع والابتكار والإيمان بأن العقل البشري خُلق من أجل هذا.

انتشر الإسلام في عهد عمر ولم تعد الدولة كالسابق مكة والمدينة ولم يعد العرب هؤلاء القبائل التى كانت تتنافس الزعامة قبل الرسالة بل اتسعت مساحة الدولة لتشمل مناطق كانت تخضع لسيطرة حضارات أخري تختلف في الكثير عن الهوية العربية والإسلامية وأقصد هنا المناطق التى كانت تخضع لحكم الفرس والروم مثل العراق ودمشق وغيرها.
هنا كان رأي إمير المؤمنين أن يفصل الولايات عن بعضها وأن يجعل سلطة القضاء مستقلون حتى يتفرغ الوالي لإدارة شئون ولايته بينما يتفرغ القاضى لولاية القضاء.




وفي الحقيقة أنه حتى في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم يبدو أن الفكرة قد بدت ظاهرة وإن كانت علي استحياء عندما بعث الرسول معاذاً إلي اليمن وهي رواية شهيرة نأخذ منها أن معاذاً ربما كان أول قاض في الدولة الإسلامية يُوفد من المدينة إلي ولاية أخري من إجل تولي القضاء يؤكد ذلك الحديث الذي دار بينه وبين رسول الله عندما سأله “بم تقضى يامعاذ؟” فقال الرجل بكتاب الله،فإن لم يجد فبسنة رسول الله،فإن لم يجد يجتهد برأيه ولا يألو فأقره رسول الله.
واللافت هنا أن الرسول يقر قاض علي أنه يجتهد برأيه إن لم يجد في كتاب الله أو سنته بينما يُغلق البعض هذا الباب ويعدونه خروجاً علي الشريعة ونحن تجاوزنا هذا الحوار بأربعة عشر قرناً من الزمان.

لكن الفاروق عمر قام بأكثر من هذا وكان واضحا ً أن الرجل في سباق مع التطور المذهل الذى أخذ بدولته بحيث حدا بها إلي أن ترث امبراطوريتين عظيمتين مثل فارس والروم فقام بتطوير مؤسسة القضاء وما يتعلق بها من طرق اختيار القضاة والسلطات الممنوحة لهم واستقلالهم عن الحاكم أياً كان ورغم ذلك فلم يكن هذا التنظيم الذي استحدثه ليمنعه من أن يتصدر للفصل أحياناً في بعض القضايا ولعل هذا الأمر يمكن أن نجد له صدي في بعض نصوص الدساتير الحديثة التى أعطت الحاكم امكانية أن يفصل بين السلطات حين يثور نزاع بينها. ربما كان الشبه قريباً وهو مجرد استنباط لكن الخطوة الحقيقية نحو التنظيم القضائي كانت هنا عند دولة عمر بن الخطاب.
ومن القضاة الذين قصر هم عمر علي القضاء وحده :عبد الله بن مسعود فقد ولاه قضاء الكوفة وسلمان بن ربيعة فقد ولاه علي قضاء البصرة وقيس بن أبى العاص القرشى فقد ولاه عمر علي قضاء مصر.

لكن الدستور الحقيقي المنظم لشئون القضاء يبدو أنه وُلد بين سطور رسالة عمر بن الخطاب إلي عبد الله بن قيس وهو ابو موسى الأشعري التى ظلت موضع اهتمام بالغ ليس فقط للدارسين بل لكل مطلع علي وثيقة تؤسس في الحقيقة للنظام القضائي هنا في عصر عمر بن الخطاب والتى تصلح بلا أدى شك أن تكون دستوراً قويماً ثابتاً راسخاً في غير جمود .
في تلك الرسالة سنجد أنها تضمنت العديد من القواعد القضائية الحديثة التى تنبهت إليها البشرية في وقت متأخر يقول أمير المؤمنين إلي القاضى الذي يتهيأ لولاية القضاء..
” فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أُدلي إليك،فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له،آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة علي من ادعي واليمين علي من أنكر،والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً او حرّم حلالاً، لايمنعك قضاء قضيته بالأمس،فراجعت فيه عقْلَكَ،وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلي الحق،فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التّمادي في الباطل ،الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة ثم اعْرف الأشباه والامثال، فقس الأمور عند ذلك واعْمد إلي قربها إلي الله وأشبهها بالحق واجعل لمن ادعي حقًّا غائباً او بينة امداً ينتهي اليه،فإن حضر ببينته أخذت له بحقه وإلا استْحللت عليه القضية،فإنه أنفي للشك . المسلمون عدول بعضهم علي بعض إلا مجلوداً في حدِّ أو مُجرّباً عليه شهادة زور، أو ظنياً في ولاء أو نسب،فإن الله تولي منكم السرائر ودرأ بالبينات والإيمان وإياك والغلق والضجر والتأذي للخصوم،والتنكر عند الخصومات فإن القضاء في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذُّجر، فمن صحت نيته وأقبل علي نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس،ومن تخلِّق للناس بما يعمل الله أنه ليس من نفسه شانه الله فما ظنك بثواب الله عز وجل في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام”

فى تلك الرسالة لا يجب أبداً ان نعدها سرداً تاريخياً أو نثراً ادبياً أو لوحة تُعلق فوق جدران المحاكم.
نريد أن نفندها ونستخرج منها مواد دستورية حقيقية تحكم التنظيم القضائي ولا ننظر أبداً إليها باعتبارها كلمات مقدسة بل نعدها أنها مرحلة تطور وُلدت مبكراً جدا علي يد رجل سبق فكره حتى المعاصرة وربما كان هذا هو سر عبقريته.
وللحديث بقية.

ــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك