البيت الأبيض وسياسة القط والفأر !

البيت الأبيض وسياسة القط والفأر – بقلم: محمد فخري جلبي

يزداد القطب الشمالي دفئا مقارنة ببقية المناطق على سطح الأرض ، هذا ماتوصلت إليه آخر دراسات علماء المناخ .
ولعل مايثير الاهتمام بأن كل شيء على كوكبنا قابل للتغيير والتحول ، فمن علاقتنا الإنسانية وردات فعلنا تجاه الأخرين إلى علاقة الدول مع بعضها . ولكل قاعدة أستثناء ، والبيت الأبيض كسر قاعدة التغيير والتحول ليرفع شعار الثبات بالنسبة لسياسته الخارجية مع دول العالم !!
فعلى صعيد المجتمع الأسلامي يواظب البيت الأبيض على ممارسة سياسة التهميش والأقصاء وأستنزاف دول العالم الأسلامي ، ودفع عربة العلاقات المتبادلة إلى حظيرة الرعب المصطنع من خلال أنشاء منظمات أرهابية أو دول (مشاكسة) ليشكل فيما بعد البيت الأبيض الملجأ الوحيد على سطح الأرض بالنسبة لتلك الدول الضعيفة التي تشعر بالخطر من قبل تلك الجماعات المتطرفة أو الدول العدائية على حدودها .

ودون أدنى شك فأن لسياسة الولايات المتحدة مع العالم الأسلامي أذرع عديدة ومتنوعة ، ومن أهمها تفعيل ظاهرة “الإسلاموفوبيا” بالولايات المتحدة الأميركية والغرب بصورة عامة ، حيث تم وصف المسلمين “الملتزمين” بـ”الإرهابيين” خصوصا بعد الأحداث التي شهدها العالم في ربع القرن الأخير .
كما تطرقت دراسة صادرة عن معهد بروكينغز Brookings Institution بالعاصمة الأمريكية واشنطن بمناسبة مرور عدة سنوات على حوادث 11 سبتمبر لتقييم تأثيرات هجمات 11 سبتمبر على العلاقات الأمريكية مع العالم الإسلامي. وتبدأ الدراسة التي قام بها الخبير بيتر سينغر Peter Singer بالتأكيد على أن تلك الهجمات وتداعياتها أدت من ناحية إلى توتر العلاقة بين الدين والدولة على مستوى السياسات الدولية، وتدهور العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي بشكل لم يحدث في تاريخ تلك العلاقات . ورغم أنه من البديهي أن تواجه أية دولة عظمى موجات من الكراهية من جانب بعض الشعوب أو الدول إلا أن موجة الكراهية الإسلامية من قبل الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد سبتمبر تتسم بالعمق والأتساع .

ومن ناحية أخرى تسعى الولايات المتحدة عبر نشر أدعاءات منسخلة عن الواقع لتعطيل سبل التوازن بين الأجندة الأقليمية والعالمية لغالبية أزمات العالم من أجل خلق أجواء من التخبط بين تلك الدول ، لتقوم ( الولايات المتحدة ) في نهاية المطاف بطرح مجموعات خيارات من شأنها تحقيق المصالح والأهداف المرسومة بعناية من قبل ساسة الدولة العميقة في بلاد العم سام .

وعلى سبيل المثال لنلقي الضوء على سياسة البيت الأبيض تجاه الكرملين في الأوقات السابقة والراهنة ، والتي تتسم بمنحيين لاثالث لهما !! سياسة اللين والبطء في أتخاذ القرارات في عهد أوباما ، وسياسة الحزم والتشدد في عهد دونالد ترامب ( حيث ترتفع مؤشرات الصدام بين الدولتين من خلال النافذة الكورية الشمالية والقاعدة الروسية الأمامية في دمشق ) .
وبينما يراهن البعض على تفشي حالة صراع داخلي في كواليس البيت الأبيض تجاه علاقة ترامب وأتباعه بالأستخبارات الروسية ، يتوجه أعتى المحللين السياسيين إلى وصف العلاقات الراهنة بالخطرة بين الجانبين !! من خلال فوز ترامب الغير متوقع برئاسة الولايات المتحدة ، كمن يقوم بأعادة تنصيب دعائم الحرب الباردة بين الدولتين !! على عكس فوز هيلاري كلينتون في حينها والذي من شأنه قيام ساسة الكرملين بأعادة النظر بعلاقاتها بالولايات المتحدة وكبح جماح قواتها العسكرية في سوريا وقواتها الدبلوماسية في مجلس الأمن ، وبصورة أدق فأن فوز دونالد ترامب هو بمثابة فخ
تم وضعه تحت أقدام الدب الروسي ليزداد شراسة ليجد نفسه في زواية اللامفر من الأنصياع لأوامر الولايات المتحدة .
وتجدر الأشارة هنا بقيام وسائل إعلام روسية الجمعة بترجيح كفة الأعتداء والعمل التخريبي المتعمد في حادثة أصطدام السفينة الحربية “ليمان” بسفينة تجارية ترفع علم دولة توغو قرب مضيق البسفور في تركيا ، كما وأعلن مصدر في حركة الملاحة الروسية أن السفينة نفذت مهمات عدة بالقرب من سواحل سوريا، وكانت تعيق كثيرا تصرفات السفن الحربية الأميركية في المنطقة .
فالروس هنا يلعبون دور القط بالنسبة للدول الأوروبية عبر التوسع خارج حدودها ، بالأضافة لدول الخليج من خلال دعم الأسد وحلفائه الإيرانيبن في المنطقة ، وكما أراد لذلك قادة الدولة العميقة في بلاد العم سام . لتقوم تلك الدول بمبايعة البيت الأبيض على السمع والطاعة مقابل ترويض الدب الروسي الهائج ، ( وهنا يتضح لنا أسباب ضعف سياسة أوباما وحالة الصمت المريب ولاسيما إزاء قيام الجيش الأحمر بضم شبه جزيرة القرم والتدخل في الحرب السورية من أوسع الأبواب ) .

هذا ومع أستمرار لسياسة الأكاذيب التي يمارسها البيت الأبيض مع دول العالم ، ينبغي التذكير بفضيحة تواجد حاملة الطائرات الأمريكية (كارل فينسون ) في أستراليا بينما صرح متحدث البيت الأبيض في توجهها صوب كوريا الشمالية . وفي هذه الحالة أيضا يشكل (كم جونغ اون ) زعيم كوريا الشمالية القط الشرس لأخافة دول اليابان وكوريا الجنوبية ، ومن ناحية اخرى عبارة عن ورقة ضغط تجاه التنين الصيني الغاضب من سياسة الولايات المتحدة في المياه الصينية المتنازع عليها مع دول الجوار ، بالأضافة إلى عقدة تايوان المحمية الأمريكية في القارة الآسيوية .
وفي هذا الصدد قال ترمب، في مقابلة مع رويترز بالمكتب البيضاوي قبل أن يكمل 100 يوم على توليه الرئاسة ، هناك أحتمال أن ينتهي بنا الأمر إلى صراع كبير جداً مع كوريا الشمالية. بالطبع”، إلا أنه أشار إلى أنه يريد حل الأزمة التي واجهها رؤساء عدة للولايات المتحدة سلمياً !!
ولكي نزيل الشك حول سياسة الولايات المتحدة في الملف الكوري ، فلقد رفضت سيول، الجمعة، تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب، جاء فيها أن على كوريا الجنوبية دفع ثمن الدرع الصاروخية الأميركية البالغة قيمتها مليار دولار التي ينشرها الحليفان في هذا البلد للتصدي لتهديدات كوريا الشمالية .

لذلك فأن الولايات المتحدة تنتهج سياسة أثقال الوعود دون تنفيذها في سبيل ملىء خزانتها المتصدعة بأعباء الديون الخارجية !! وبالأنتقال إلى منطقة الشرق الأوسط يتضح لنا بأن تواجد إيران في المنطقة يخدم سياسة القط والفأر الأمريكية ، هذا أن أفترضنا موافقة إيران على ممارسة هذا الدور ، أو قيامها بالدور دون علمها بذلك !!!
حيث لحقت جميع دول الشرق الأوسط بركب السعودية لتشكيل جبهة موحدة ضد التمدد الإيراني في المنطقة مع مباركة البيت الأبيض المخادعة لتلك الجبهة العربية .
ولتسليط الضوء على جوهر العلاقلات الأمريكية مع العالم الأسلامي وعلى رأسها السعودية يجدر بنا الأحاطة بتطلعات البيت الأبيض تجاه المملكة العربية السعودية .




ففي الأوقات السابقة في عهد أوباما وعقب صدور قانون ( جاستا ) من قبل الكونغرس الأمريكي وحالة القلق المتزايد من قبل قادة دول الخليج بأحتمال توجه عربة السياسة الأمريكية بعيدا عن الرياض ولصالح طهران ، جاء ترامب ليقلب الموازيين ويصحح المسار ( هكذا تبين للمحللين في تلك الفترة ) . وبالأخص عقب لقاء ترامب مع ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لتطلق المملكة العربية السعودية وحلفائها أحدى وعشرين طلقة مدفعية ترحيبا بتنصيب ترامب رئيسا للولايات المتحدة ، لما يعول عليه في إلغاء الأتفاق النووي مع إيران وتطبيق لغة العقاب بدل لغة النقاش والحوار مع إيران .
وضمن سياق محور العلاقات السعودية الأمريكية فلقد تحدث أحد كبار مستشاري الأمير في بيان عن فحوى لقاء ولي ولي العهد السعودي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قائلا: “محمد بن سلمان، ناقش مع ترامب قضية منع دخول بعض مواطني الدول الست للولايات المتحدة الأمريكية. وهو متابع للموضوع من البداية وإن المملكة لا ترى في هذا الإجراء أي استهداف للدول الإسلامية أو الدين، بل هو قرار سيادي لمنع دخول الإرهابيين إلى أمريكا”. وأضاف: “بين ترامب أحترامه الكبير للدين الإسلامي، باعتباره أحد الديانات السماوية التي جاءت بمبادئ إنسانية عظيمة، تم اختطافها من قبل الجماعات المتطرفة !!! وأكد أن ترامب وولي ولي العهد “تطابقت وجهات نظرهما بشكل تام حول خطورة التحركات الإيرانية التوسعية في المنطقة .
ومن المعروف للقاصي والداني بتبادل السعوديون النفط مع الولايات المتحدة وعلى مدى عقود من أجل ضمانات أميركية للأمن. لكن قاعدة “النفط مقابل الأمن” تغيرت مع الزيادة الكبيرة في إنتاج الطاقة في الولايات المتحدة ، ومن أجل حقيقة ضعف سلاح النفط السعودي تخطط السعودية لتمويل أستثمارات ضخمة في شركات التكنولوجيا الأمريكية. وقد التزمت المملكة بـ 45 مليار دولار في صندوق أستثمار بقيمة 100 مليار دولار . فربما يسعى الأمير محمد بن سلمان لتطمينات من قبل الولايات المتحدة عبر تلك الأستثمارات .
ودعما للرؤية التي طرحناها من خلال هذا المقال عن سياسة القط والفأر الأمريكية المتبعة مع دول العالم ، فلقد أنتقد الرئيس الأمريكي مؤخرا موقف السعودية من بلاده متهما أياها بغير المنصفة تجاه الولايات المتحدة !!! وتعتبر هذه التصريحات مفاجئة في ظل أنتعاش العلاقات بين البلدين . وصرح ترامب بأن الولايات المتحدة خسرت أموالا كثيرة من أجل الدفاع عن المملكة السعودية .

وأخيرا وليس آخرا في مسلسل علاقات البيت الأبيض وتدخلها الفج في عمق سياسات دول العالم عبر النظر من نافذة مصالحها البعيدة ، تلوح في الأفق في الوقت الراهن أشارات عديدة تنذر بألغاء عقد الصداقة المبرم بين أردوغان وبوتين عبر تدخل الجانب الأمريكي في عمق تلك العلاقات لما يخدم مصالحها في المنطقة ويضعف الجانب الروسي !!
ولعل حادثة غرق سفينة الأستطلاع الروسية (ليمان ) تشكل بداية النهاية بالنسبة لتلك العلاقات .
فقد صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الجمعة، أنه يعتزم أن يفتح مع نظيره الأميركي دونالد ترمب “صفحة جديدة” في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة التي يزورها في منتصف أيار/مايو ، وشدد أردوغان على أنه سيناقش مع ترامب “موضوعين مهمين”، هما الدعم الأميركي للقوات الكردية في سوريا، وإيواء الولايات المتحدة للداعية فتح الله غولن، خصم أردوغان اللدود .
وأضاف أردوغان : ” نرى مؤشرات من الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أنه سيكون أكثر حسما في إنهاء إرهاب الدولة في سوريا !!
في حين تمارس الولايات المتحدة أساليب الضغط المتنوعة على تركيا لإجبارها على دخول الحظيرة الأمريكية من خلال دعم قوات الحماية الكردية عبر أتفاق مسبق بين الجانبيبن ، وضمن سياق العلاقات التركية الكردية المتأزمة برعاية واشنطن ، قالت الناطقة الرسمية بأسم الوحدات الكردية #نسرين_عبدالله ، إن الوحدات ستنسحب من الرقة في حال لم تتحرك #واشنطن وتقوم برد فعل ملموس تجاه الضربات التركية المتواصلة، واصفةً إياها بأنها “غير مقبولة بحسب القانون الدولي”.

ويجدر التنويه في نهاية المقال بأن سياسة الولايات المتحدة مع دول العالم عمقت وجذرت حالة الشقاق بين الدول كافة ، والموضوع خطير و يستحق الأضاءة عبر المرور على بعض نقاط سياسات البيت الأبيض مع دول العالم وكما تطرقنا لها ضمن المقال .
فإلى متى يواصل شرطي العالم ممارسة الأكاذيب والخداع مع بقية الدول ، وأستمرار رضوخ تلك الدول لبلاد العم سام ؟؟
التاريخ كفيل بالأجابة عن هذا السؤال الشائك و المعقد ، في حال قيام تلك الدول بأعادة النظر بضرورة تنصيب رجل أمن مرتشي وفاسد ليرسي دعائم الأمن الدولي !!!!!!

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك