معلومات ربما لا تعرفها عن فرقة الإمامية الاثنا عشرية

معلومات ربما لا تعرفها عن فرقة الإمامية الاثنا عشرية – عادل العوا، يوسف الأمير علي

الإمامية الاثنا عشرية هي الفرقة الكبرى والرئيسة من فرق الشيعة[ر] الباقية إلى اليوم. والفرق الشيعية الأساسية ثلاث هي: الاثنا عشرية والإسماعيلية[ر] والزيدية[ر]. والشيعة هم الذين شايعوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأتباعه الذين والوه وقالوا بإمامته في زمان النبيّ وبعده، ثم باستمرار الإمامة في ذريته.

أما الإمامية فهم الشيعة القائلون بوجوب الإمامة، شأن السواد الأعظم من فرق المسلمين القائلة بوجوب الإمامة وإن اختلفوا في شروطها، وينفرد الشيعة بالقول بعصمة الأئمة وعقيدة الوصيّة والنصّ، أي وجوب النصّ على الإمام المقبل من قبل الإمام القائم. ويقول الإماميون كافة بسلسلة أئمة، ويختلفون في ترتيب تسلسل الأئمة وفي عددهم. فقد وقف بعضهم عند عدد معيّن لا يتجاوز الإمام السادس أو السابع بعد علي ثم يجيء بعد ذلك أئمة مستورون. ووقفت الاثنا عشرية عند الإمام الثاني عشر وأولهم الإمام علي. وتابع آخرون من إسماعيلية وغيرهم تسلسل الأئمة بلا حد معيّن. وقد أقرّ الإماميون الإمامة بمعناها الديني والروحي، ولم يوجبوا الخروج خلافاً للزيدية والخوارج والمعتزلة، واختاروا مصطلح الإمامية لاعتقادهم أن التكليف يوجب وجود مكلف يخلف الرسولr بعد انقطاع الوحي.

والاثنا عشرية فرقة شيعية متصلة الوجود في التاريخ الإسلامي منذ مشايعتها الإمام علياً، وهي موفورة العدة والنشاط، ويمثّلون في انتشارهم الجغرافي نحو تسعة أعشار أهل إيران وشطراً كبيراً من أهل العراق ، وبعضاً من أهل سائر البلاد العربية والإسلامية، فضلاً عن أقليّات منتشرة في أرجاء العالم المختلفة. وأول الأئمة علي بن أبي طالب. وقد ذكر النوبختي وهو مُصنِّف بارز من مصنّفي الاثني عشرية في القرن الثالث الهجري، أن الشيعة فرقة علي في زمان النبي وبعده. وأنهم معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته. والإمامية عموماً يقولون بإمامة علي بعد النبي «نصّاً ظاهراً ويقيناً صادقاً». ومن الثابت أنهم انطلقوا من خبر «غدير خمّ» في السنة العاشرة للهجرة. وبيان الخبر أن الرسولe نزل في موقع غدير خمّ حين قفل راجعاً من حجة الوداع تلك السنة، وخطب الناس، فنعى نفسه إلى الأمة، ووصّى بأهل بيته، وقال الحديث المنسوب إليه: «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه». (مسند الكوفيين). وأضافوا أن سبب نزول الرسولe في ذلك المكان مع عدم صلاحه للنزول على غير توقّع، هو نزول الوحي عليه بنصب علي بن أبي طالب، خليفة في الأمة بعده، وربطوا واقعة غدير خمّ وما جرى فيها بالآية الكريمة التي نزلت قبلها مباشرة وهي )يا أيُّها الرسولُ بلِّغْ ما أُنزِل إليكَ من ربِّك، وإن لم تفعل فما بلَّغتَ رسالتَه، والله يَعْصِمُك من الناس، إن الله لا يَهدي القومَ الكافرين( (المائدة 67). وقالوا إنها تعني استخلاف علي والنصّ بالإمامة عليه بإمرة المؤمنين. وينكر معظم أهل السنة صحة حديث غدير خمّ.

يبالغ معظم الإماميين في إجلال آل البيت، ويعتقدون أنهم ينفردون بالعناية بـالعترة النبوية. وأضافوا ذكر آل الرسول، أو آل بيت علي حيثما وجدت صلاة على النبي في الأدعية والابتهالات، وبات التشيّع متميزاً بالحرص على إبراز دور آل البيت. وهكذا يقول الإماميّون إن إمامة علي بن أبي طالب إنما تمت عن طريق النصّ والوصيّة. وتتصل بهذا عقيدة الولاية المنبثقة عن قول الرسولr في خمّ: «من كنت مولاه فعليّ مولاه». وهي تعني الإخلاص للأئمة. وفي حديث آخر يعتمده الشيعة يقول الرسولr: «أنا مدينة الحكمة (أو العلم) وعليٌّ بابها» (سنن الترمذي).

آمن الإمامية جميعاً بحق علي في الخلافة والإمامة، أي في رئاسة الدولة الإسلامية زمنياً وروحياً. وقد انتقل هذا الحق عند الإمامية الاثني عشرية من بعده حكماً إلى أعقابه وفق ترتيبهم الخاص للأئمة، فكان عددهم اثني عشر إماماً.

ولما احتُضِرَ علي على أثر اعتداء الخارجي ابن ملجم عليه سنة 40هـ، دفع إلى ابنه الحسن قبل موته الكتب والسلاح بحضور آل البيت. وأمره أن يدفعها حين يوافيه الموت إلى أخيه الحسين، والحسين يدفعها إلى ابنه علي بن الحسين ثم تنتقل إلى الأبناء بالتعاقب.

وهكذا يكون الإمام الثاني هو الحسن بن علي الذي امتدت إمامته سنتين وتسعة أشهر، وقد آثر الصلح مع معاوية لما رأى أصحابه ينكلون عن القتال، ورغبة منه في حقن الدماء، فتخلّى عن الخلافة سنة 41هـ بمقتضى شروط، منها أن يصير خليفة بعد معاوية. وأقام في المدينة إلى أن مات سنة 49هـ. ويقال إنه مات مسموماً. وقد فسّر الشيعة نزول الحسن عن حقه الموروث، إضافة إلى ما سبق، بأنه سلوك من باب «التقية» أملته تلك الأحوال. ولما تولى الخلافة يزيد بن معاوية، رفض الإمام الثالث الحسين بن علي مبايعته، واستجاب لدعوة أهل الكوفة له، وكان في جمع قليل مع أهله، فاعترضته القوات الأموية التي وجهها عبيد الله بن زياد بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص في موقع كربلاء وحدثت مواجهة دامية في العاشر من المحرم سنة 61هـ، أسفرت عن استشهاد الحسين ومعظم من كانوا معه، وصارت هذه الحادثة ذكرى فاجعة تتجدّد على مرّ الأيام. وكان للحسين ابن أكبر، اسمه علي قتل دون أبيه في كربلاء، وابن أصغر هو علي بن الحسين الملقّب فيما بعد زين العابدين، وكان أحد خمسة نجوا من القتل، وإليه انتقلت الإمامة شرعاً مع ادّعاء الكيسانية[ر] القائلين بالغيبة والرجعة وعقيدة الرّجاء، وأن الإمامة بعد الحسين تؤول إلى عمه محمد بن الحنفية الذي ثار لاحقاً وعرفت شيعته بالكيسانية، ولما توفي أنكرت الكيسانية وفاته وزعمت أنه متغيب بجبل رضوى. كما ثار سليمان بن صرد على رأس جماعة «التوّابين» المطالبين بثأرِ الحسين وخَلْعِ مروان بن الحكم الأموي فقُتِل وأخفقت ثورته. أما زين العابدين فقد عاش تقيّاً راغباً عن تسلّم الرئاسة الزمنية أو العلنية وتوفي سنة 95هـ. وخلفه في الإمامة ابنه محمد بن علي الملقّب بالباقر لتبحّره في العلم، وإليه ينسب إيضاح الفرق بين مفهومات الرسول والنبيّ والإمام وإقرار عصمة الأئمة بوجه خاص. وقد تجنّب الباقر الثورة، إلا أن أخاه زيد بن علي ثار في الكوفة وقُتل. وتوفي الباقر سنة 114هـ وخلفه ابنه جعفر بن محمد وهو الإمام السادس الملقّب بالصادق، وعاش خمساً وستين سنة، وكان أطول الأئمة عمراً. وعنه تروى الأحاديث الشيعية الرئيسية. وقد تجنّب العمل السياسي علناً، وربما كان ذلك تقيّة. ونال شهرة عريضة علماً وخُلُقاً، وأخذ عنه أئمة كبار مثل أبي حنيفة ومالك بن أنس، وزكّاه الشهرستاني: «بأنه ذو علم غزير في الدّين والأدب، كامل في الحكمة، وزهدٍ بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات». وإليه يرجع تأكيد مبادئ أساسية في الإمامة، منها: أن الإمامة تكون بالنصّ، وهي حق خاص يُنعِم به الله على شخص مُختار من أهل البيت، ويقوم هذا الشخص قبل وفاته ، وبهداية إلهية، بنقل الإمامة إلى خلفه بنصّ واضح جليّ. وأسبقية النصّ تعود إلى عليّ وهو من يعتقد الشيعة بأنه قد عُيِّن بالنصّ وصيّاً للنبي وخليفة له. وفي الإمام تجتمع كل سلطات الإمام الشرعي والوحيد، سواء أكان يحكم الأمة في زمانه أم لا. ولم يعد ضرورياً بموجب هذه القاعدة أن يثور الإمام على النّظام القائم لكي يصبح الحاكم الفعلي. وهذا يعني التفريق بين مؤسستي الإمامة والخلافة، وإمكان وجود إمام غير حاكم ليس مُلْزَماً بالقبض على سلطة الخلافة إذا كانت الأحوال لا تسمح بذلك.

ومنها أن الإمامة تقوم على قاعدة من العلم والمعرفة الدينية الخاصة. والإمام هو صاحب الحق في ضوء هذا العلم الذي يأتي بفضل إلهام إلهي، ويُنقل بالنصّ من الإمام السابق. وهو المصدر المأذون الخالص المعرفة بشأن تحديد أمور الخير والشرّ للمسلمين والسير بهم على الطريق المستقيم. وسيكتسب الإمام بذلك الوظائف ذات الأهميّة الكليّة التي تهيئ الهداية الروحية لمن يواليه، وتشرح المعنى الباطني للقرآن الكريم وأوامر الدين وأهميتها.

ومنها تهذيب مبدأ التقيّة. ومنها قصر القداسة على سلسلته الخاصة من الأئمة (الحسينيين) من أهل البيت تخصيصاً. والسبب هو أن الحسين ورث الإمامة عن أخيه الحسن الذي لم تدّع ذريته إمامية النصّ البتة. وقد آلت الإمامة بعد الصادق إلى ابنه موسى ابن جعفر وكان له ستة إخوة وتسع أخوات، وكان إسماعيل بن جعفر هو الأخ الأكبر المعيّن للإمامة. وقد اختُلِف في مسألة وفاته، وقيل إنه توفي في حياة أبيه، غير أن قسماً من الشيعة أنكروا موته وقالوا: «إنه لم يمت حقيقة بل حجبه الله إلى الوقت الذي يشاء فيه ظهوره» وعرف هؤلاء باسم «الإسماعيلية الواقفية» بيد أن فريقاً رئيسياً قالوا إن إسماعيل توارى ثم مات. وانتقلت الإمامة بعد موته إلى ابنه محمد ابن إسماعيل بالنصّ. وهم الذين عرفوا بالإسماعيلية أو «السبعية» لكون إسماعيل سابع الأئمة وأقاموا الخلافة الفاطمية لاحقاً.

وقد عارض هذا الفريق فكرة انتقال الإمامة بعد جعفر إلى ابنه الأصغر موسى الكاظم بناء على أن الإمامة تنتقل بالنصّ من الأب إلى الابن، والنصّ ثابت من جعفر لابنه إسماعيل بما يشبه الإجماع ، ولا يوجد نصّ ثابت مؤكّد آخر لموسى، ولا يجوز للإمام الرجوع، ولا يجوز للإمامة أن تنتقل من الإمام إلى أخيه. ولكن قسماً آخر من الشيعة وهم الإمامية الاثنا عشرية بالمعنى الدقيق نسبوا أشياء مختلفة إلى إسماعيل لتسويغ رأيهم في انتقال الإمامة إلى موسى الابن الرابع من أبناء جعفر، ولقّبوه بالكاظم لكظمه الغيظ. ودُعِيَ العبد الصالح لاهتمامه بالعبادة أكثر من السياسة، وتوفي سنة 183هـ. وخلف علي الملقّب بالرضا أباه الكاظم. وكان الخليفة المأمون يحاول التقرّب من الشيعة عامة، إما لدواع سياسية، وإما لأنه كان شيعياً على رأي بعض الإمامييّن. وقد أظهر عطفاً شديداً على بيت الإمام الرضا وزوّج هذا الإمام ابنته أم حبيب، وعهد إليه بولاية عهده. ولكن علي الرضا مات، وقيل إنه مات مسموماً، وصلّى المأمون عليه، ودُفِنَ في طوس سنة 203هـ/818م. واستمر حدب المأمون على آل الرضا وزوّج ابنته أم الفضل الإمام التاسع محمد ابن علي الملقّب بالجواد أو التقي. وذُكِرَ أن هذه الزوجة الناشز دسَّت السمّ لزوجها فمات سنة 220هـ/835م في خلافة المعتصم ودفن في مشهد الكاظميين في بغداد إلى جوار جدّه موسى الكاظم. ولم يجاوز الإمام العاشر علي ابن محمد الملقّب بالهادي أو النقيّ السنة السابعة من عمره يوم وفاة أبيه الجواد. ولما كبر ارتاب الخليفة بنشاطه وفرض عليه الإقامة في سامراء، واستمرّت هذه الإقامة الجبرية عشرين سنة. وتوفي الإمام علي الهادي سنة 254هـ/868م. وخلفه ابنه الحسن الملقّب بالعسكري والصامت والرفيق، وكان هدفاً لمضايقة الخليفة المهتدي، ومات في سامراء سنة 260هـ/874م. وقيل إنه مات مسموماً. أما الإمام الثاني عشر والأخير فهو أبو القاسم محمد بن الحسن وأشهر ألقابه المهدي أو صاحب الزمان. وقد ولد في سامراء سنة 255هـ أو 256هـ أيام الخليفة المعتمد وكان عمره عند غيبته ست سنوات أو سبعاً أو تسعاً، وقيل إن له غيبتين غيبة صغرى وغيبة كبرى، ويروي بعض الأتباع أنه كان يظهر للمؤمنين بعد الصلاة في «الغيبة الصغرى” وتمتد من مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته بوفاة السفراء أربعاً وسبعين سنة حتى سنة 329هـ/940م. وقد ناب عنه في هذه المدة وكلاء أربعة سمّوا بالسفراء، أولهم أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عمرو العمري ثم ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري، ثم أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي. وأخيراً أبو الحسن علي بن محمد السمّري، ولما سُئِل السفير الأخير أبو الحسن أن يوصي الأمر قال: «لله أمر هو بالغه». فبدأت بذلك «الغيبة الكبرى» للمهدي الذي لا يظهر إلا في نهاية الوقت فيملأ الأرض عدلاً. ويكفي الاقتصار على ذكر بعض من الألقاب والنعوت الكثيرة التي تطلق عليه ومنها: القائم المنتظر والحجّة، والخلف الصالح، وخاتم الأئمة، وخليفة الله، ووصيّ الأوصياء، وحافظ أسرار رب العالمين، ونور الله الذي لا يطفأ، والصاحب، وصاحب الدار، والحضرة، والناحية المقدّسة، والغريم (للتقيّة)، والغائب المنتظر، وأشهرها: المهدي صاحب الزمان.

أسس العقيدة وخصائص الإمام

يذكر بعضهم أن القول بتفضيل علي قول قديم قال به كثير من الصحابة والتابعين، ويروى عن «النظّام» قوله: «علي بن أبي طالب محنة على المتكلم، إن وفّاه حقه غلا، وإن بخسه حقه أساء. والمنزلة الوسطى دقيقة الوزن، صعبة المرتقى إلا على الحاذق الديّن”. وقد لُقِّب بأمير المؤمنين، وتود الإمامية لو أن اللّقب اقتصر عليه. وليس غريباً في نظر الإمامية أن يصعب على الإنسان أن يحيط بجميع صفات عليّ ومناقبه، ففيه اجتمعت «محاسن الأضداد» فكان جديراً بالإمامة، بل إنه الينبوع الذي استخلصَ منه الفكر الشيعي مفهوم «الإمام ـ الأنموذج» وخصاله على كرّ الأيام. ومن هنا نَمَتْ عقيدة الإيمان بالإمامة متجسدة في الأئمة الأحد عشر من سلالته. وقد أَوْلَت الإمامية من بين فضائله التاريخية، عناية خاصة لبعض الأحداث منها أنه «ربّي في حجر رسول اللهr»، وأنه «سبق إلى الإسلام ولم يسجد لصنم قط»، وأنه «كان سابقاً في استجابته للدعوة»، وأنه «بات في فراش النبي ليلة الغار»، و«أن النبيّ أقامه مقامه يوم الهجرة»، وأنه «كان شجاعاً في نصرة الإسلام والجهاد»، وأنه «كان عالماً فقيهاً بليغاً وخشناً في سياسة الملك».

والإيمان بالإمام، في الواقع، هو الأصل الذي تميّز به الإماميون من سائر المسلمين. وهو الركن الإضافي الذي يبيّن «أن الإمامة حق خاص يُنْعِم به الله على شخص مُختار من أهل البيت»، ويقوم هذا الشخص قبل وفاته، وبهداية إلهية، بنقل الإمامة إلى خَلَفه بمقتضى نصّ واضح جليّ. فكما أن الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنبوّة بالمعجزة التي هي بمنزلة النصّ من الله، فهو يختار للإمامة من يشاء، ويأمر نبيّه بالنصّ عليه، وينصبه إماماً للناس من بعده للقيام بالوظائف التي يجب على النبيّ القيام بها، سوى أن الإمام لا يُوحى إليه مثل النبيّ وإنما يتلقى الأحكام منه مع تسديد إلهي. فالنبيُّ مُبلِّغ عن الله والإمام مبلّغ عن النبيّ، والإمامة وهي متسلسلة في اثني عشر، كل سابق ينص على اللاحق، ويُشْتَرط أن يكون معصوماً كالنبي، من الخطأ والخطيئة، وإلا زالت الثقة به. فهو إذن دون النبيّ، وأفضل أهل زمانه.

والاثنا عشرية يبرؤون من الغلاة ويقولون: إن من أخرج أحداً من أهل البيت أو غيرهم عن درجة العبودية لله، أو أثبت له نبوّة، أو مشاركة فيها، أو شيئاً من صفات الألوهة، فهو خارج عن ربقة الإسلام. والإمامة لطف من الله واجب فيها وجوبه في النبوّة، والله لا يفعل إلا الأصلح لعباده. وهذا الأصلح جليّ، فإنه إذا انتظم الناس في جماعة وجب توافر من يقوم بمنع الفساد ويدفع إلى الطاعة والعبادة والمروءة وحفظ الشريعة.

والإمام مُشرّع مجتهد إذا استجدّ شيء ويذهب بعضهم أنه يعلمه من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله فيه.




ومن خصائص الأئمة أن عندهم كُتُبَ «اسم الله الأعظم»، و«الجامعة» وهي في رأيهم من مؤلفات عليّ، و«الجفر» الذي فيه علم النبيين والوصييّن، و«مصحف فاطمة». وقد أشار محسن الأمين إليه في حديث الصادق: «إن هذا المصحف ما فيه حرف من القرآن ولكنه إملاء رسول اللهr وخط عليّ».

ويختص الإمام الثاني عشر محمد المهدي، إضافة إلى العصمة الواجبة لجميع الأئمة، بالغيبة. وهي اثنتان صغرى وكبرى، كما ذكر آنفاً، وبالثانية يرتبط مصير العالم ومسيرة التاريخ. وتستلزم الغيبة خصلتين مكمّلتين هما المهدي والرجعة. فالإمام الثاني عشر (المهدي) الغائب المنتظر، سيرجع إلى الدنيا ويملأ الأرض عدلاً كما مُلِئت جوراً، ويصحب رجعته رجوع النبيّ وعليّ والحسن والحسين وباقي الأئمة وخصومهم الذين يطلقون عليهم لفظ الغاصبين الراشدين الثلاثة ومعاوية ويزيد. ويعود الحق إلى نصابه، ويُنهي النصر شتات العلويين، ويُهزَم أعداء الله.

ولئن كانت الإمرة تقتضي الطاعة، إن الإيمان بالأئمة يوجب إطاعتهم والتسليم لهم والانقياد لأمرهم، ورجاء شفاعتهم، والسهر على رفاتهم بالعناية بأضرحتهم وزيارة قبورهم والتبرّع المتجدّد لصونها. لقد ناضل عدد من الأئمة لاسترداد ما اغتُصِب من حق الإمامة في الملك والخلافة، وآثر آخرون النضال المكتوم في السرّ والخفاء والمداراة وفق مبدأ «التقية» عند تقدير توازن القوى والإعداد للثورة، واختيار الموعد الملائم لإعلانها. وهذا المبدأ يرقى إلى منزلة الواجب الديني، ويفرض على الشيعيّ إذا اقتضت الحال، أن يتكلم ويعمل بغير ما يعتقد ويُؤمن. وروى «الكلّيني» عن الإمام جعفر قوله: «تسعة أعشار الدّين التقيّة»، وقيل «لا إيمان لمن لا تقية له». وهذا الطراز من الاعتقاد ييسّر تفسير كل ظاهرة لا تتّسق والمبادئ العلنية للسلوك، كسكوت عليّ على الثلاثة الراشدين، ومصالحة الحسن معاوية. والتقية تعضد أسلوب التأويل والقول بالرمزية. فتأويل جملة «ما أُنزل إليك» من الآية الكريمة القائلة: )يَا أَيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزلَ إليكَ مِنْ رَبِّكَ( (المائدة 67) يفيد معنى خلافة علي. ويقول الأمين العاملي: «ولعل من قلة الإنصاف الظن بأن التقيّة خاصة بالشيعة فقط، فهي واقعة من كل أحد عند الخوف، وليس فيها مَغْمَز فقد دلّ عليها العقل، وورد بها الشرع وأخذها الشيعة عن أئمة أهل البيت».

إذاً، العصمة، والغيبة، والرجعة، والمهديّة، والتقيّة نقاط أساسية في عقيدة الإمامية الاثني عشرية، التي جعلتها أصولاً تضاف إلى الأصول الإسلامية المشتركة بين المسلمين. وينفرد الإماميون في أصول الفقه بالامتناع عن القياس والاقتصار على رواية الحديث من طريق أهل البيت، وإبقاء باب الاجتهاد مفتوحاً أبداً. في حين إن اعتقادهم في أركان الدّين كالصلاة والصوم توافق بوجه الإجمال اعتقاد سائر المسلمين فيها. وهم يرون في مجال الزكاة أن يكون خمس الغنائم حقاً فرضه الله لآل محمد، عوض الصدقة التي حرّمها عليهم تكريماً لهم وصوناً لمنزلتهم الرفيعة.

أما الحجّ فإنه من أعظم دعائم الإسلام في نظرهم. ولا خلاف يُذكر بين الإمامية وأهل السنّة في مجال المعاملات والعلاقات الاجتماعية إلا ما يُعرف بزواج المتعة الذي يقرّه الإماميون الاثنا عشريون ويرون أن مشروعيته الصحيحة تسدّ المواخير وتوصد أبواب الزنى. في حين أن الإماميين الإسماعيليين يرفضونه ويعدّونه في حكم الزنى.

لمحة تاريخية

تفسر الإمامية السبب في انتشار التشيع في جميع البلدان بأنه «مذهب الفطرة فهو ينتشر بأقل دعاية، بل ومن دون دعاية». وهو يقلّ أو ينعدم في بعض البلدان لدى اشتداد الخوف، والمجازاة عليه بالقتل وما دونه. بيد أن التشيّع الإمامي لم يقتصر على الذيوع العقائدي وإنما ناضل ثوار إماميون للفوز بالخلافة الإمامة على الصعيد السياسي الشرعي العلني. وقد لَقِي هؤلاء من أمرهم عنتاً، وانتهى تألّبهم مع سائر العلويين إلى زعزعة الحكم الأموي ثم قلبه في المشرق. ولكن العباسيين كانوا أكثر تشدّداً على العلويين واضطهاداً وظلماً لهم من الأمويين. وقد لزم الأئمة المتعاقبون الانصراف للتقوى والزهد في الحكم، ولو كان تقيّة. على أن الخليفة المأمون حاول امتصاص الخلاف السياسي مع الإمامية الاثني عشرية فعهد بولاية عهده إلى الإمام علي الرضا وعطف على ابنه محمد بن علي. ولكن الاضطهاد العباسي ما لبث أن أدى إلى احتجاز محمد بن علي الرضا وابنه الحسن العسكري في سامراء. وقد نما المسعى الشيعي السياسي في إدارة شؤون الدولة الإسلامية واقعياً في ظل نشاط الأئمة التوجيهي. وأفاد من نفوذ عربي لدى الحمدانيين[ر] في الشام والجزيرة، ونفوذ فارسي عندما ظهر البويهيون[ر].

وما كاد معز الدولة البويهي يدخل بغداد حتى خلع المستكفي وسمل عينيه، وكان ذلك أول انتقام شيعي مهين، وقد همّ معزّ الدولة بتنصيب خليفـة علوي لكنه أحجم، إمّا لأنه حرص على إبقاء سمة الخلافة العباسية ليسهل عليه حكم أتباعها السنّة، وإمّا لأنه رأى مصلحته في الحكم تتحقق في ظل خليفة عباسي ضعيف مسلوب السلطة ولا يواليه، ولا تتحقق في ظل خليفة علوي أو فاطمي يفرض عليه سلطة حقيقية ويُلزمه بالولاء، أو للأمرين معاً. ويروى أن معز الدولة هو الذي أمر بإقامة النّواح والتعازي في عاشوراء إحياء لذكرى مقتل الحسين مما أوقع الفتن المتوالية بين عامة السنّة والشيعة. وهو نفسه عمل سنة 351هـ على كتابة لعن الصحابة في المساجد فمحاها الناس في الليل، وأوجب احتفال الشيعة بعيد الغدير في الثامن عشر من ذي الحجة وإظهار البهجة والسرور. ولما قامت الدولة الفاطمية[ر] في مصر سنة 358هـ ثم في الشام قويت شوكة الشيعة. ولكن الإماميين الإسماعيليين أصحاب الدولة الفاطمية، والإماميين الاثني عشريين العاملين تحت لواء البويهيين، تنافسوا للفوز بالهيمنة العلوية الشاملة. ويمكن تفسير تقرّب البويهيين من القرامطة بعض الوقت في سياق هذا التنافس. وما إن اضمحلّ نفوذ البويهيين بعد قرن ونيف من السيطرة (320-447هـ). حتى تلاه تفوق السلاجقة[ر] السنيّين بزعامة طغرل بك. فاضطر زعماء الشيعة إلى التستّر. وخَلَع الخليفة القائم على هذا الزعيم الجديد لقب «ملك الشرق والغرب» وفي هذه الحقبة اندلعت الحروب الصليبية[ر]. ثم جاءت الموجة المغولية الجارفة التي أعقبتها ميول شيعية جليّة في إيران والعراق، فدالت حكومة الأسرة الإيلخانية وقامت دولة الصفويين[ر] بين سنتي 907-11488هـ. وكان أصحابها من خلّص الشيعة وشعارهم «لاإله إلا الله ـ عليّ وليّ الله». فقد ناهض إسماعيل الصفوي مذهب السنّة وجعل التشيّع الاثني عشري المذهب الرسمي في إيران.

وظل هذا المذهب سائداً في تلك البلاد حتى بعد استيلاء نادر شاه مؤسس أسرة أفغار على العرش. وبعدها تولّت الأسرة الزندية ثم تلتها الأسرة القاجارية إلى أن خَلَع رضا باشا بهلوي آخر ممثّلي هذه الأسرة أحمد شاه. وما برح التشيّع الإمامي الاثنا عشري راجحاً وممثلاً في نشاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية حتى اليوم.

الثقافة عند الإمامية الاثني عشرية

أَلِف الباحثون في الثقافة الإمامية الاثني عشرية استشفاف مراحل شتى كانت أولاها عهد الأئمة حتى بدء الغيبة الكبرى سنة 329هـ. وقد سادها بوجه خاص جمع الأحاديث المروية عن الأئمة. ومن أشهر علماء هذه المرحلة الفقيه محمد بن يعقوب الكلّيني (ت328هـ)[ر]. والمرحلة الثانية تمتد إلى وفاة الفيلسوف نصير الدين الطوسي (ت673هـ) وهي مرحلة المجموعات التي برع بها أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي أو الشيخ الصدوق (ت381هـ)، والشيخ المفيد (ت413هـ) وأبو جعفر محمد بن حسن الطوسي (ت460هـ) وقطب الدين سعيد الراوندي (ت573هـ). والسيدان الشريف الرضي[ر] (ت406هـ) والشريف المرتضى علم الهدى (ت436هـ). والعلامة حسن يوسف المعروف بالحلّي (ت726هـ). أما المرحلة الثالثة فتتصف بعمق لقاء التشيّع بالتصوّف، وفيها ازدهرت «مدرسة أصفهان” وتمتد حتى النهوض الصفوي. ومن أشهر النابغين فيها قطب الدّين الرازي (ت766هـ) وصفي الدّين البغدادي (ت792هـ) ورجب البرسي (ت813هـ) وشاه نعمة الله وليّ (ت 834هـ) ونور الدين الكركي العاملي الملقّب بالعلائي (ت940هـ) وأحمد بن محمد المشهور بالمحقق الأردبيلي (ت993هـ). وتلي ذلك المرحلة الأخيرة الممتدة من العهد الصفوي إلى اليوم، ومن أشهر أعلامها بهاء الدين العاملي (ت1031هـ). ومحمد باقر المعروف بمير داما (ت1111هـ) وهو صاحب «بحار الأنوار» و«حق اليقين» و«حياة القلوب» و«تحفة الزائرين». بيد أن من المؤلفين الإماميين الاثني عشريين من يحرص على النهج الاتباعي في رسم مراحل الحياة الثقافية الشيعية كآل كاشف الغطاء فيتحدث عن طبقات الشيعة وأولاها طبقة أعيان الصحابة، وهم ثلاث مئة رجل من العظماء وكلهم من شيعة علي. ثم طبقتا التابعين وتابعيهم وهم مؤسسو علوم الإسلام. وقد أجاد محسن الأمين في ذكر أكابر مثقفي الإمامية في موسوعته الشهيرة «أعيان الشيعة» وأبان ما أسداه أئمة أهل البيت للديّن الإسلامي أولاً، وثنّى بذكر علماء الشيعة وشعرائهم وأدبائهم وكتّابهم ومُصنِّفيهم في فنون الإسلام في كل عصر وزمان وبذا يرى أنه لم يخلُ فن، أو علم أو أدب أو فلسفة من نوابغ أسهموا في ازدهار الثقافة العربية الإسلامية إلى اليوم.

ويبقى للنشاط الذهني الإمامي خصال الثقافة العربية الإسلامية كافة، من تعمّق فقهي وكلامي في مجال الدّين، وروعة وإبداع في دنيا الفنون والآداب، ومشاركة في نشاطي الفلسفة الرئيسيين وهما: النشاط العقلي بل المعتزلي، والنشاط العاطفي أو الصوفي.

تضم الإمامية اليوم، أو الشيعة عامة زهاء عشر المسلمين. ولكن أتباعها ليسوا بالأقل تطلُّعاً للإسهام الحضاري في الرقي الإنساني، مروراً بالتعايش المثمر بين فرق الإسلام كافة. وقد بدت في الآونة الأخيرة، وفي مرات كثيرة، قرائن تؤيد هذا الإمكان على صعيد تطور أسس الإمامية ذاتها. فالإمام آل كاشف الغطاء يدعو إلى «الوئام ورفع الشحناء والخصام بين فرق الإسلام ولاسيما في هذه العصور». والشيخ محمد رضا المظفّر يُعلن أن ليس من المهم «من حديث الإمامة في هذه العصور إثبات أنهم الخلفاء الشرعيون وأهل السلطة الإلهية، فإن ذلك مضى في ذمة التاريخ، وليس في إثباته ما يعيد دورة الزمن من جديد، أو يعيد الحقوق المسلوبة إلى أهلها» و«لا يجوز التأخر عن أداء الواجبات لمجرد انتظار المصلح المهدي، والمبشّر الهادي» ثم إن «الرجعة ليست من الأصول التي يجب الاعتقاد بها، والنظر فيها، وإنما الاعتقاد بها من الأمور الغيبية التي أخبر آل البيت عنها ولا يمتنع وقوعها». ويسأل الإمام محسن الأمين الله أن يلهم المسلمين «ما فيه الائتلاف والاتحاد ولاسيما في هذه الأعصار العصيبة عليهم». ولا يرجو من هذا «التحبُّب إلا لمّ الشّعث وإصلاح ذات البينّ».

أما محمد جواد مغنية فإنه يحرص على تقارب السنّة والشّيعة أكبر الحرص، ويرى أنهم جميعاً يقولون بالعصمة قولهم بالخلافة وبفكرة المهدي المنتظر، وفكرة الاثني عشرية من حيث المبدأ، ولا يختلفون إلا بالتطبيق، وما الفارق الأساسي بينهم سوى مبدأ النصّ على خلافة عليّ.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك