معلومات حول “أرسطو” وشرح مبسط لفلسفته

معلومات حول “أرسطو” وشرح مبسط لفلسفته – غسان فنياس

فيلسوف يوناني ترك أثراً عميقاً في الفكر اليوناني ومن بعده في الفكر المسيحي والفكر العربي الإِسلامي والفكر الحديث. وكان أشهر تلامذة أفلاطون.

ولد أرسطو Aristotle (أرسطوطاليس كما كان يسميه العرب) عام 385 أو 384ق.م بمدينة اسطاغيرا في مقدونية, وكان أبوه طبيب الملك أمينتاس الثانيAmintas II ومن أسرة أطباء. وفي عام 367 أو 3666 ق.م جاء أرسطو إِلى أثينة ودخل أكاديميتها, وبقي فيها حتى وفاة مؤسسها أفلاطون, بعد أن قضى فيها عشرين سنة. ثم غادرها ورحل إِلى طروادة, ومنها انتقل إِلى ميتلين, في جزيرة لسبوس, وأقام فيها إِلى أن، استدعاه, عام 342 ق.م, فيليبس المقدوني (ابن أمينتاس الثاني) ليعهد إِليه بتربية ولده الاسكندر. وعندما تولى الاسكندر العرش, عام 334 ق.م, رجع أرسطو إِلى أثينة, وأسس فيها مدرسته بالقرب من معبد أبولون اللوقيوني, ومن هنا سميت هذه المدرسة باسم «اللوقيون». وبعد وفاة الاسكندر, عام 323 ق.م, ثار الأثينيون على أرسطو, واتهموه بالولاء للعرش المقدوني, وبالإِلحاد في الدين, ولهذا رأى أرسطو من الحكمة ألا يجعل الأثينيين يرتكبون الجريمة نفسها التي ارتكبوها مع سقراط, فغادر أثينة, وسافر إِلى مدينة خلقيس حيث توفي.

    ولأرسطو مؤلفات كثيرة ومتنوعة, ولكن لم يصلنا منها إِلا 47 مؤلفاً يمكن جعلها, من حيث الموضوع, في الأقسام التالية: الكتب المنطقية, وتشمل: المقولات, والعبارة, والتحليلات الأولى, والتحليلات الثانية, والجدل, والمغالطات السفسطائية.

    والكتب الطبيعية, وهي: السماع الطبيعي, وفي السماء, وفي الكون والفساد, والآثار العلوية أو الظواهر الجوية, وفي النفس, والطبيعيات الصغرى, وخمسة كتب في التاريخ الطبيعي هي: تاريخ الحيوان, وأعضاء الحيوان, وتكوين الحيوان, ومشي الحيوان, وحركة الحيوان.

    والكتب الميتافيزيقية, أو كتاب ما بعد الطبيعة: وصل إِلينا هذا الكتاب مؤلفاً على صورة مقالات عددها أربع عشرة مقالة مسماة بالأحرف اليونانية. ولهذا أطلق العرب على هذا الكتاب «كتاب الحروف». والاسم الأصلي الذي كان يطلقه أرسطو نفسه على هذه الكتاب هو «الفلسفة الأولى». أما التسمية باسم «ما بعد الطبيعة» فقد وردت في تعليقة لأندرونيقوس الروديسي على شرح ميتافيزيقة ثاوقرسطس. وليس من شك في أن الأصل في هذه التسمية يعود إِلى أسباب خارجية, وهي أن ترتيب هذه المجموعة قد جاء بعد الطبيعيات.

    والكتب الأخلاقية والكتب السياسية, وتشمل: الأخلاق النيقوماخية (الأخلاق كتبها إِلى ابنه نيقوماخوس), والأخلاق الكبرى, وكتاب السياسة, ودستور الأثينيين.

    والكتب الشعرية, وهي: في الشعر, وفي الخطابة.

    ويمكن تصنيف هذه المؤلفات وفق أقسام العلوم الثلاثة الكبرى التي قال بها أرسطو إِلى مايلي:

    العلوم الشعرية: وتدرس نتاج العقل, لأن العقل يصنعها من مواد وجدت من قبل, سواء أكانت شعرية أم خطابية.

    والعلوم العملية: وتدرس مختلف صور النشاط البشري الأخلاقي أو السياسي أو الاقتصادي.

    والعلوم النظرية: وهي أسمى العلوم, لأنها تبتغي المعرفة المجردة. وتشمل العلوم الطبيعية, والعلوم الرياضية والميتافيزيقية.

    أسلوب أرسطو ومنهجه

    يتميز أرسطو من أفلاطون في تفكيره المنطقي القائم على التحليل , وانطلاقه من الواقع المادي الملموس. هذا التفكير المنطقي التحليلي ظاهر جداً في منهجه, بل طبع بطابعه الخاص مجمل أفكاره, وفيها المسائل اللغوية, مع أن نزعته العلمية حاولت قدر الإِمكان, أن تخفف من حدته, بإِضافة التجربة والملاحظة إِلى التحليل. أما نزعته الواقعية, فيمكن ملاحظتها حتى في الفلسفة الأولى, إِذ انطلق من العالم الطبيعي, مميزاً علله التي تتحكم فيه, ومن ثم ارتقى نحو العالم غير المادي لدراسة المبادئ المطلقة للوجود.

    ومع أن لكل علم من العلوم موضوعه وأسلوبه الخاصين به, فإِن عند أرسطو أسلوباً عاماً للبحث يبين نوع تفكيره وسعة معارفه, ويبدو ذلك في قوله في كتابه «ما بعد الطبيعة»: «البحث عن الحقيقة عسير جداً, من جهة, وسهل, من جهة أخرى. وما يبرهن على ذلك أن لا أحد يدرك الحقيقة إِدراكاً كاملاً, ولا أحد يجهلها جهلاً كاملاً. فكل فيلسوف يجد ما يقوله في الطبيعة, وكل قول من هذه الأقوال, إِذا نظرنا إِليه على انفراد هو لا شيء, أو هو شيء زهيد جداً, بالنسبة إِلى الحقيقة, غير أن مجموع الأقوال يأتي بنتائج مثمرة. فمن العدل إِذن ألا نشكر الذين نتفق وإِياهم في الأفكار وحسب, بل الذين يختلفون عنّا في الآراء. لقد أسهم هؤلاء في البحث عن الحقيقة, لكونهم أنموا فينا القدرة على التفكير».

    ولما كانت الحقيقة صعبة الإِدراك, اتّبع أرسطو منهجاً من أربع مراحل يوضحها في الكتاب نفسه. ويقوم المنهج, في مرحلته الأولى, على تعيين موضوع البحث, ليتمكن, بالتالي, من تعيين الدليل الذي يلائمه, لأن «البعض لا يقبل إِلا لغة الرياضيات, والبعض لا يريد إِلا أمثلة, والبعض يريد الاستشهاد بالشعر, والبعض يحتم في كل بحث برهاناً محكماً», في حين يعدّ غيره هذا الإِحكام «إِسرافاً» ولكن يجب «أن يبدأ بتعرف مقتضيات كل نوع من العلم… فلا تقتضى الدقة الرياضية في كل موضوع, وإِنما فقط في الكلام على المجردات, ولذلك فالمنهج الرياضي لا يصلح للعلم الطبيعي, لأن الطبيعة تحتوي على المادة». ويقوم, في مرحلته الثانية, على سرد الآراء المضادة لآرائنا, وتمحيصها, بقصد الوقوف على شتى الآراء في الفروع جميعها. فالذي «يسمع الحجج المتعارضة جميعاً يكون موقفه أفضل للحكم». ويقوم, في مرحلته الثالثة, على «فحص الصعوبات, لأن الباحث من دون هذا الفحص, يشبه مسافراً يجهل الوجهة التي ينبغي له أن يتجه إِليها… فهدف البحث لا يظهر إِلا لمن عرف قبلاً الصعوبات».

    وأما مرحلته الرابعة, فإِنه يقوم على النظر في المسائل نفسها والفحص عن حلولها مستعيناً بالنتائج المستخلصة في المراحل السابقة. ويعرض أرسطو, في نهاية الفصل الأول من المقالة الثالثة, أربع عشرة مسألة يؤلف مجموعها مفردات موضوع كتاب ما بعد الطبيعة.

    ومع أن هذه المسائل صعبة ومعقدة, كما يصفها أرسطو نفسه, فإِنه يدرسها ويجيب عنها بأن يعرض, كلما بحث في مسألة منها, الآراء المهمة فيها, ويناقشها. وكثيراً ما نراه يعرض الصعوبات بصورة قضية ونقيضها, ويناقش كل واحدة منها. غير أن هذا العرض يعبّر غالباً عن موقف أرسطو العقائدي الذي يعدّ كل الفلسفات السابقة إِما ناقصة مقارنةً إِلى فلسفته التي عدّها خاتمة الفلسفات, وإِما انحرافاً عنها. وهذا كله يأتي بحثاً عن الحقيقة.

    اعتقد أرسطو, بادئ ذي بدء, أن الحقيقة يمكن تحديدها بالعلاقة البسيطة بين الأفكار. بيد أنه لم يتأخر, بعد استقلاله عن أفلاطون, في العدول عن هذه المفهوم المثالي, إِذ لم تبق الحقيقة, في نظره, قائمة على مجرد توافق الفكر مع نفسه, بل على توافقه مع الأشياء والموجودات الخارجية, أي مع العالم الحسي. وبهذا أخرج أرسطو الحقيقة من إِطار المنطق وأدخلها في إِطار الميتافيزيقة. فالوجود العقلي يفترض, إِذن, وجوداً واقعياً.

    المنطق

    يعد أرسطو واضع المنطق الصوري. وهو, وإِن لم يدخله ضمن إِطار العلوم النظرية, أو لم يعدّه علماً مستقلاً بذاته, فإِنه استعمله فقط أداة للبرهنة في بقية العلوم, لأن موضوعه, بنظره, ليس وجودياً, وإِنما هو عقلي. فالمنطق يدرس صور الفكر البشري بغض النظر عن مضامينها الواقعية. وهكذا فإِن المنطق علم يوجه العقل نحو الحقيقة, ويسمح له, من خلال عملياته المختلفة (التصور البسيط, والحكم والتصديق, والمحاكمة والاستدلال), بإِدراكها, من دون أن يقع في الخطأ أو في الضلال. فالمنطق يدرس, إِذن,عمليات العقل الثلاث, من حيث الصحة والفساد. ولهذا أتت كتب أرسطو المنطقية موزعة إِلى ثلاثة أقسام: كتاب المقولات, الذي يدرس الأمور المتصورة تصوراً ساذجاً, وكتاب العبارة, الذي يدرس القضايا المركبة, وكتاب التحليلات الأولى, الذي يدرس الاستدلال من حيث صورته. أما الاستدلال, من حيث مادته, فإِنه إِما استدلال برهاني قائم على مقدمات كلية يقينية, وإِما استدلال جدلي مركب من مقدمات ظنية احتمالية, وإِما استدلال سفسطائي مؤلف من مقدمات كاذبة تحتوي على النتيجة احتواء ظاهرياً لا حقيقياً. ولهذه الأنواع الثلاثة من الاستدلالات,خصص أرسطو ثلاثة كتب منطقية: التحليلات الثانية أو البرهان, والجدل, والأغاليط.

    وإِذا كانت العملية الأولى تسمح للعقل بإِدراك ذات الشيء وماهيته, على طريق استحضار صورته في الذهن من دون إِثبات أو نفي, فإِن العملية الثانية توحّد وتجزئ على طريق الإِيجاب والسلب: فعلى طريق الإِيجاب يُنسب المحمول إِلى الموضوع, وعلى طريق السلب يُنفى المحمول عن الموضوع. أما العملية الثالثة, فهي العملية المنظمة تنظيماً منطقياً, والتي تمكّن العقل من الانتقال بين الأشياء من معلوم إِلى مجهول. فالعملية الأولى تقع في مستوى الماهية, والثانية في مستوى الوجود لإِثباته أو نفيه, والثالثة في مستوى عقلي محض للاستدلال على مبادئ وجود الأشياء المجهولة انطلاقاً من الأشياء المعلومة.

    كان أرسطو أول من أدرك بدقة إِمكان تكوين قياس صحيح, لا انطلاقاً من ذات واقعية فقط كما فعل سقراط, وإِنما كذلك انطلاقاً من ذات تصورية؛ وأول من حدّد, تماماً, علم توافق الفكر مع نفسه, فأعلن أنه عند افتراض قضيتين, فإِن القضية الثالثة ستنجم حتماً عنهما وفق ضرورة, ليست واقعية, وإِنما منطقية. وهكذا ميّز أرسطو بين مجال الفكر أو المنطق ومجال الواقع أو علم الوجود الميتافيزيقي, معترفاً في الوقت نفسه بالعلاقة الوطيدة بينهما. ومع أنه بذل قصارى جهده, ولاسيما في التحليلات الأولى وفي العبارة, لصوغ قوانين المنطق الصوري, فإِنه لم يتوصل إِلى التخلص من الاعتبارات الأنطولوجية, ولم يدرس قوانين القضايا المنطقية بوجه منفصل عن قوانين الوجود. وعلى كل حال, فإِن التفريق الواضح,الذي أقامه أرسطو بين الذهني والواقعي, يسمح لنا أن ندرس عنده المنطق الصوري بوجه مستقل عن العلم والميتافيزيقة. فالمنطق الصوري يدرس, إِذن, صورة القياس نفسها وعناصره المتمثلة بالمقولات.

    المقولات:

    إِن المقولات هي أجناس للموجود, بل هي الأنواع والأصناف الأساسية للوجود, ومن ثم الأنواع الأساس لمفاهيمنا عن طريقة وجود الأشياء. فهي مختلفة عن الوجود نفسه وعن محمولاته الاستعلائية, كالوحدة والحقيقة والجمال. وهي أيضاً مغايرة للألفاظ الكلية الخمسة (الجنس, والنوع, والفصل النوعي, والخاص, والعرض) الموجود أصلاً في التصور والمرتبطة ارتباطاً عملياً في الواقع. فهذه الكليات لا تملك, إِذن وجوداً مستقلاً بكل ما تحتويه كلمة وجود من معانٍ. والمقولات مختلفة كذلك عن الكلمات, لكون المقولات, بعكس الكلمات, مفاهيم يمكن حملها على موضوعات من دون أن تقوّمها.

    وباختصار يمكن القول: إِن المقولات هي التحديدات الواقعية للموجودات وهي تشمل الأنواع العشرة التالية: الجواهر (الجواهر الأولى, مثل سقراط, والجواهر الثانية كالأنواع مثل إِنسان, والأجناس مثل حيوان), والكمية (مثل ثلاثة أشبار), والكيفية (مثل أبيض), والمضاف (مثل أكبر وأصغر), والمكان (مثل السوق), والزمان (مثل أمس), والوضع (مثل جالس), والملك (لابس الثوب), والفعل (يقطع أو القطع), والانفعال (مقطوع).

    التصورات البسيطة الساذجة:

    ميز أرسطو التصور من التحديد ( أو الحدّ), وذكر أنواع التصورات والفرق بين التضاد والتناقض.

    معنى التصور وعلاقته بالتحديد:

    إِن التصور, في معناه المنطقي والأنطولوجي, عنصر بسيط, ومتحد مع طبيعة الموجودات البسيطة غير المنقسمة. وهو يقوم على ذات الشيء التي هي أساس كل تحديد. والتحديد يقتصر على ذات الشيء المقوّمة له, وبوجه نوعي على هويته التي تقوّم وجوده, وتجعل منه حقيقة واقعية متميزة, ووحدة كلية غير منقسمة. وهذه هي التصورات المحضة كالأجناس والأنواع. بيد أن هناك, تحت هذه التصورات المحضة المقوّمة لماهيات الموجودات, تصورات أخرى أقرب من الأولى إِلى الفكر المنطقي وأهم منها, لأنها تقوم على وحدة الشيء المحدّد. وهذه هي العلل الصورية والمحركة والغائية.




    وهكذا فإِن التحديد (الحدّ) بشموله لذات الشيء أو لصورته, يشمل, على نحو غير مباشر, مادته, لأن المادة إِمكانية بالقوة تتحقق بالفعل عند اتحادها بالصورة, ولأن التحديد لا يقع, في مستوى المادة والصورة, وإِنما فقط في مستوى الماهية. وهذا يعني أن التحديد يشمل المادة والصورة على طريق العلاقة الضرورية القائمة بينهما. أي على طريق العلة الغائية التي توحّد بينهما.

    فالتصور الأرسطي, الذي يقوم أساساً على النوع أو على الصورة, ينجم من اتحاد الجنس مع الفصل النوعي. والجنس, الذي علاقته بالفصل النوعي كعلاقة المادة بالصورة, قاعدة التصور الأولى, لأنه العنصر الجوهري المشترك بين عدة أنواع. أما الفصل النوعي, فإِنه يشمل, في الأعيان, الفصول التي هي أدنى, وأخيراً المادة المقوّمة له.

    العلاقة بين أنواع التصورات:

    لقد كشف أرسطو النقاب عن الخطأ الذي أوصل الإِيليين ومن سار معهم من ميغاريين وفيثاغوريين إِلى طريق مسدود. وهذا الخطأ يقوم, برأيه, على اعتقادهم أن الموجود وحده قابل للتصور, أما العدم فلا يمكن تصوره. وهكذا فإِن التصور متطابق, عندهم, مع الموجود. وللإِفلات من هذا الخطأ, قام أرسطو بإِحلال مذهب الواحد – المتعدد, أو الواحد – الموجود, الذي قال به أفلاطون في كتابه «بارمنيدس», محل الموجود – الواحد مطلقاً, الذي قال به الإِيليون وأتباعهم. كما أنه ميّز في «المقولات» (الفصلان 10 و11) وفي «ما بعد الطبيعة» (المقالة العاشرة) بين التصورات محدداً الفرق بين التناقض والتضاد, أو بوجه عام, بين العدم والغيرية.

    ميّز أرسطو أربعة أنواع من تقابل التصورات وهي: الإِضافة كالضعف والنصف, والتضاد مثل الشر والخير أو الأسود والأبيض, والعدم والملكة كالعمى والبصر, والإِيجاب والسلب المقومان للتناقض, مثل هو جالس وهو غير جالس.

    يبيّن أرسطو, بوضوح, ارتباط هذه الأنواع الأربعة وتسلسلها. فالتقابل الأكثر إِطلاقاً يبدو في الشكل الرابع لعدم وجود حدّ متوسط بين طرفي التقابل, ويليه الشكل الثالث الذي هو تحديد لسابقه ونوع منه, ثم الشكل الثاني الذي هو دائماً عدم الوجود: فالشر هو دائماً عدم وجود الخير, لكن العكس غير صحيح. ويأتي في المرتبة الأخيرة الشكل الأول الذي يحتوي على أقل ما يمكن من السلب, لأن تقابل الطرفين فيه يقوّم طبيعتهما بحيث لا يوجدان إِلا معاً.

    التضاد والتناقض:

    أدرك أرسطو بوضوح الفرق الأساسي بين التناقض والتضاد, وتوصل, في هذا الموضوع, إِلى الحقيقة النهائية. ولما كانت الحقيقة والخطأ صفتين من صفات الأحكام, فإِن التناقض يمّيز بينهما, لأنه الشكل الوحيد الذي يمكن تحديده بالحكم. فإِذا كان أحد الطرفين حقيقياً, فسيكون الطرف الآخر خاطئاً, والعكس صحيح. أما في الأشكال الثلاثة الأولى, فإِنه ليس من الضروري أن يكون أحد الطرفين حقيقياً عندما يكون الطرف الآخر خاطئاً, وإِن اتخذت هذه الأشكال صفة الأحكام.

    وبيّن أرسطو, بتأثير من أفلاطون, أن أخطاء الفلاسفة الذين سبقوه وتناقضاتهم تعود جميعها إِلى عجزهم عن تمييز المفاهيم المختلفة لـ «الموجود» من التعدد الذي يتضمنه تصوّر الموجود نفسه, فيقول: علينا إِذن أن نفرق بين الموضوع والمحمول, وكذلك بين كون الموضوع شيئاً ما وبين وجوده, وإِلا فسنقع حتماً في شك لا نخرج منه إِلا باتباع إِحدى الوسيلتين التاليتين: إِما أن نؤكد مع الإِيليين أن الموجود وحده موجود, وأن كل الموجودات لا تؤلف سوى موجود واحد ثابت غير متبدل, وإِما أن نقبل بوجود العدم.

    ومع أن أفلاطون قد سلك الطريق الصحيح, بتأكيده وجود العدم, فإِنه لم يميّز بدقة, كما فعل أرسطو, التصورات المتضادة التي تقبل بوجود موجودات متوسطة من التصورات المتناقضة التي ترفض وجودها, ولم يبيّن, كما أكد أرسطو, أن الموجود يقال وفق مفاهيم مختلفة (المقولات العشر), يُدرك من خلالها أن الشيء الواحد يمكن أن يكون, بذاته, واحداً ومتعدداً معاً, وأن يكون بخواصه, شيئاً آخر غير ذاته. لكن هذه «الغيرية» في نظر أرسطو, ليست, كما اعتقد أفلاطون, هي نفسها العدم. وإِذا كان أفلاطون قد قال بالوجود والعدم, بصفتهما طرفين متضادين, مستبعداً وجود موجودات أخرى متوسطة بينهما, فإِن أرسطو قد تجاوز معلمه مؤكداً أن طبيعة العدم بمفردها لا تكفي للإِحاطة بتنوع المعقولات ولا لإِدراك المفاهيم المختلفة للموجود؛ ولذا قال بالوجود والعدم وموجودات أخرى متوسطة بينهما, هي الجواهر الثانية, كالأجناس والأنواع, من دون أن يعني وجودها أنها مختلطة مع الجواهر الأولى موضوع الميتافيزيقة فهذه الجواهر جميعها موجودة, لكن وجودها يقال وفق مستويات مختلفة.

    وهكذا فإِن أرسطو قد تجاوز أفلاطون بأن أعطى التعابير مفاهيم محددة, مميزاً الموجودات العرضية من الموجودات الجوهرية والمحمولات من الموضوعات. كما أنه أعطى فعل الوجود مفهومين يختلف أحدهما عن الثاني: مفهوماً جوهرياً ذاتياً يدل على وجود الشيء أو نفيه, ومفهوماً رابطياً يربط المحمول بالموضوع. إِن التفريق بين هذين المفهومين يسمح بإِسناد محمول إِلى موضوع, واستنتاج شيء من شيء آخر, من دون انتهاك مبدأ عدم التناقض.

    الحكم والتصديق:

    إِن دراسة التصورات وتقابلاتها تقودنا, بصورة طبيعية, إِلى دراسة الأحكام, لأن الحكم غير منفصل عن التصور البسيط, مع أن العقل يميز أحدهما من الآخر. وإِذا كان التصور البسيط ثمرة فكرية متأصلة في العقل ومعبرة عن وحدة الكلمة, فإِن للحكم وحدة أكثر تركيباً من وحدة الكلمة, لأنه يتضمن, بعكس الكلمة, التركيب والتحليل. ومع أن وحدة الحكم مبنية على الواقع الحسي, فإِنها موجودة, من حيث هي كذلك, في الفكر لا في الأشياء, كما أنها, بوجه خاص, سمة تمييز الحقيقة من الخطأ, لأن مفهوميهما موجودان في التركيب والتجزئة الملازمين للحكم, أي ليس في التصورات وإِنما في اتحادها وتجزئتها, ولاسيما عندما نسند محمولاً إِلى موضوع أو ننفيه عنه. وهكذا فإِن الحقيقة تأكيد للاتحاد الواقعي بين المحمول والموضوع, ونفي للفصل بينهما, أما الخطأ فإِنه نفي للاتحاد بين الحدين وتأكيد للفصل بينهما, بيد أن موضوع إِدراك وحدة الأشياء والفصل بينها ليس من اختصاص المنطق, بل هو من اختصاص علم الوجود. فالمنطق لا يستطيع الاستغناء عن الميتافيزيقيا في دراسة موضوع الحقيقة والخطأ, بل إِن هذا الموضوع متعلق بالعلم الميتافيزيقي أكثر من تعلقه بالعلم المنطقي.

    والواقع أن أرسطو  يعترف أن الحقيقة توجد في الأعيان. فلكي تكون الارتباطات الفكرية حقيقية, يجب أن يقابل العلاقة الفكرية وجود واقعي. فقول الحقيقة إِنما هو إِقامة علاقة واقعية بين المحمول والموضوع, أو بالأحرى بين الموضوع الواقعي وبين ما يعود إِليه واقعياً, إِذ إِن الخطأ ينعدم في الطبائع البسيطة التي إِما أن نعرفها وإِما أن نجهلها.

    وإِذا دُرس شكل الحكم دراسة منطقية يتبين أنه يتضمن تعددية جوهرية لأنه يربط محمولاً بموضوع, سواء أكان هذه المحمول عرضياً (الموسيقى بالنسبة إِلى الإِنسان), أم مقوّماً (الحيوانية بالنسبة إِلى الإِنسان). كما أنه يتضمن وحدة أساسية, سواء في الفكر الذي يقيم العلاقة بين المحمول والموضوع, أم في الاتحاد الواقعي القائم بين الحدين, إِذ إِن أحدهما متضمن في مفهوم الآخر.

    المحاكمة والاستدلال:

    إِن الحكم ليس فكراً علمياً, لأن الفكر العلمي حركة تربط بين مجموعة من التصورات إِما مباشرةً, وهذا هو الحدس, الذي هو, كموضوعه, بسيط ولا يقبل التجزئة, وإِما على نحو غير مباشرٍ, وهذا هو الاستدلال, الذي يؤدي حتماً إِلى القياس.

    وإِذا كان أفلاطون قد صنع من فن الجدل السفسطائي فن الحوار الفلسفي, أي أطلق على الفلسفة اسم الجدل الحقيقي مميّزاً ثلاثة أنواع من المعارف (ظنية ورياضية وعلمية), وإِذا كان قد رتّب المثل في أنواع وأجناس ثابتة, تسمح للعقل بالحركتين التصاعدية (من النوع الأقل امتداداً إِلى الأكثر امتداداً), والنزولية (من الجنس الأكثر امتداداً إِلى الأقل امتداداً), وإِذا كان أفلاطون قد وضع قوانين القسمة المنطقية الثنائية مقترباً, قدر الإِمكان, من القياس المنطقي, لأن القسمة, بنظره, عبارة عن وضع علاقة بين طرفين بوساطة طرف ثالث, فإِن أرسطو  يُعدُّ, حقاً, مبتكر القياس, وواضعاً قوانينه, وهو أول من اعترف بقيمته في الفكر, ومن حدّد مطابقاته للواقع. فأرسطو, من هذا القبيل, مكمّل لكل من سبقه, ولاسيما لأفلاطون.

    أخذ أرسطو على أفلاطون أنه خلط بين الجدل والفلسفة, وعلى السفسطائيين أنهم أفسدوا فن الجدل: ومع أن الجدل والفلسفة والسفسطة موضوعاً واحداً مشتركاً فيما بينها, فإِن أرسطو يفرق بينها, لأن «الفلسفة تختلف عن الجدل بالقدرة, وعن السفسطة بالغاية. الجدل يكتفي بامتحان المعرفة, وأما الفلسفة فتهدف إِلى الكشف عن الحقيقة, وأما السفسطة, فليس لها إِلا ظواهر الفلسفة».

    تقود أبحاث أرسطو في الجدل إِلى الاستدلال القياسي القائم على العلاقة المتأصلة بين عالم الأفكار والعالم الحسي, وعلى الروابط الضرورية والتحليلية التي أقامها أرسطو  بين الأشياء. والقياس يسمح بالانتقال من المنطق إِلى الميتافيزيقيا.

    القياس:

    تعريفه, وصورته وأشكاله: يذكر أرسطو أن القياس «كلام مؤلف من قضايا إِذا ركبت لزم عنها, لذاتها اضطراراً, نتيجة». وإِذا كان القياس, كما هو واضح من هذا التعريف, مجموعة من الحدود المتتابعة منطقياً لموجود ذهني أو صوري محض, فإِن هذا لا يعني أن أرسطو قد فصل القياس عن الواقع, بل عدّه, على العكس, مفهوماً أنطولوجياً, لأن ارتباط التصورات, في القياس, يستمد ضرورته الحقيقية أو المطلقة من ارتباط الأشياء بعضها ببعض في الواقع. ومع أن المنطق الصوري الأرسطي يستند, في نهاية الأمر, إِلى نظريات أرسطو الفلسفية في ترتيب الماهيات إِلى أجناس وأنواع, وفي المعرفة, وفي التحليل الفلسفي, فإِنه حقق دراسة صورية للقياس بمعزل عن مضمونه, أي أنه فرّق بين شكل القياس ومضمونه من دون أن يفصل بينهما.

    والقياس, من حيث صورته, تحليل يقوم على استنتاج التصوّر «إِنسان» من التصوّر «سقراط». فهناك, في التحليل, تدرج منطقي وعقلي للتصورات, يبدأ من النوع إِلى الجنس, ومن المعلول إِلى العلة, ومن الكل الموجود في الأعيان إِلى أجزائه وعناصره المنطقية التي لا توجد في الكل إِلا بالقوة, وأخيراً من الحد الأصغر إِلى الحد الأكبر. فمفهوم المعلول يشتمل حتماً على العلة, كالإِنسان الذي وجوده يفترض وجود والده, ولكن العكس غير صحيح. وهكذا فإِن الضرورة, في عالم الممكنات, لا تنطلق إِلا من المعلولات باتجاه العلل. وهذا يعني أن العلم تحليلي, وأن المنطق الأنطولوجي لا يكون ضرورياً إِلا ضمن إِطار التحليل. وهو, ليس فقط تحليلاً, وإِنما أيضاً غير مباشر, يُسند, اضطراراً, المحمول أو الحد الأكبر «فان» إِلى الموضوع أو الحد الأصغر «سقراط», بمساعدة الحد الأوسط «إِنسان» الذي يربط بينهما برباط تلازم بقصد التوصل إِلى النتيجة, كما هو واضح من المثال التالي: كل إِنسان فان (مقدمة كبرى), والحال سقراط إِنسان (مقدمة صغرى), إِذن سقراط فانٍ (نتيجة).

    والقياس إِما تام, وإِما غير تام. والتام على ثلاثة أشكال, هي التي قال بها أرسطو: الشكل الأول, الحد الأوسط موضوعاً في المقدمة الكبرى ومحمولاً في الصغرى, الشكل الثاني, الحد الأوسط محمولاً في المقدمتين, والشكل الثالث, الحد الأوسط موضوعاً في المقدمتين. أما القياس غير التام, فهو الشكل الرابع الذي صاغه جالينوس, وفيه يكون الحد الأوسط محمولاً في الكبرى وموضوعاً في الصغرى.

    القياس في مادته ومطابقته للواقع:

    القياس الأرسطي, الذي تعبّر عنه علاقات جوهرية وضرورية وأكيدة, يصلح أداة للعلم والمعرفة اليقينية. أما إِذا كانت مقدماته مبنية على آراء أو علاقات معقولة ومحتملة, فإِنه يصلح أداة لجدل يحملنا إِلى المعرفة المحتملة والأمور الظاهرية, ويسمح لنا, نسبياً, بالإِجابة عن جميع الأسئلة المطروحة المتعلقة بالخاص والفصل النوعي والعرض والجنس, وباستخراج النتائج الصحيحة من المقدمات استخراجاً من دون تناقض. فالجدل, إِذن لا يدخل ضمن إِطار العلم, لأن موضوع العلم, في نظر أرسطو , هو الموجود الدائم والضروري والكل والعام. بيد أن نظرة أرسطو  الواقعية جعلته يدرك جيداً أن العالم الحسي هو الوحيد الواقعي, ومن ثم هو الذي يجب أن يكون موضوعاً خاصاً للعلم. وهنا تظهر ازدواجية أرسطو: فمن ناحية, لا وجود إِلا للجزئي الفردي, ومن ناحية أخرى, لا علم إِلا بالكلي الضروري. وهكذا إِذا كانت المبادئ كلية, فإِنها ليست واقعية, وإِذا كانت فردية, أي واقعية, فإِنها ليست موضوعاً للعلم, إِلا ضمن نطاق تحولها إِلى أجناس وأنواع. فسقراط, مثلاً, لا يمكن أن يكون موضوعاً للعلم إِلا ضمن نطاق كونه «إِنساناً». إِن هذه المعضلة, التي طرحها أرسطو بين المعقول والواقع, تؤلف نقطة حيوية في فلسفته, وتثار, عنده, على كل المستويات, ولا تجد حلولها المناسبة إِلا في واجب الوجود ذاته, لأنه, من ناحية, حقيقة واقعية, أو بالأحرى الفرد الوحيد الحقيقي, ولأنه, من ناحية أخرى, الموجود الوحيد الذي تمكن معرفته بصفته الفعل المحض وفكر الفكر والصورة الأولى المنفصلة عن المادة. ففي واجب الوجود, وفيه وحده فقط, يتوافق الواقع مع المعقول, وتتوافق متطلبات الوجود مع متطلبات المعرفة.

    نظرية المعرفة

    إِذا كان القياس, بطبيعته ومقوماته وشروطه, يكوّن الجانب الشكلي من المعرفة, فإِن امتلاك الوسائل, للاستدلال بها على حقيقة المقدمات وعلى الأسس التي تقوّمها, يكوّن جانبها المادي, أي مضمونها المتصل اتصالاً وثيقاً بالقياس البرهاني, الذي خصص له أرسطو  كتاب «التحليلات الثانية». فكل «تعليم وكل تعلّم, على طريق الاستدلال, إِنما يكون من معرفة متقدمة هي معرفة الوجود». وهذه المعرفة نوعان: معرفة وجود الشيء, ومعرفة ماهيته. فبالمنطق ندرك ماهية الشيء, وبالأنطولوجية ندرك وجوده, على طريق النظر والمشاهدة. فقد يعلم الطالب أن زوايا المثلث تساوي قائمتين, لكنه لا يعلم, مع ذلك, أن الشكل مثلث إِلا بعد إِعمال الفكر فيه. «إِن الناس جميعهم يرغبون في المعرفة», ويكتسبونها عن طريق الإِحساسات ولاسيما النظرية منها. وخبرة الإِحساسات هذه تتجمع في الذاكرة, فتمكنهم من الارتقاء إِلى مستوى الفن والإِدراك العقلي. أما الحيوانات, فإِنها لا تملك إِلا حداً أدنى من الخبرة, ولا تدرك إِلا الصور, على طريق مخيلتها. إِذا كانت الخبرة المكتسبة تمكّن صاحبها من معرفة وجود الشيء فقط, فإِن صاحب الفن يُبرز, من مجموعة المفاهيم المختبرة, حكماً كلياً يمكن تطبيقه على كل الحالات المماثلة, كما أنه يعرف, في الوقت نفسه, حقيقة الشيء وعلته. وهكذا فإِن المعرفة تتعلق بالفن أكثر من تعلقها بالخبرة التي علاقتها بالفن كعلاقة العامل, الذي يفعل من دون معرفة ما يفعل, بالمهندس, الذي يدرك أسباب العمل. فليست المهارة العملية هي التي تجعل المهندس حكيماً, «وإِنما امتلاك الفن ومعرفة الأسباب».

    بيد أن المعرفة الحقيقية أسمى من الفن, لأنها متحررة من المحسوس أكثر منه, ولأنها, خلافاً له, تبتغي الوصول, على طريق تأمل الموضوع, إِلى العلم والمعرفة, وبالتالي إِلى إِدراك المبادئ والعلل. فالمعرفة الحقيقية, هي: أولاً معرفة نظرية وعقلية للعلة, وثانياً معرفة ترتبط جميع أجزائها بمبدأ واحد وفق درجات ومستويات مختلفة, وثالثاً معرفة ضرورية وأكيدة وجديرة بأن تُعلّم, لأنها أسمى من كل الأشياء, ورابعاً, إِلهية, لأن موضوعها الموجود السامي, مبدأ الموجودات وغايتها. وهكذا فإِن المعرفة الحقيقية هي الحكمة التي يبحث صاحبها عن المعرفة من أجل المعرفة, لا من أجل شيء آخر. فحب المعرفة من أجل المعرفة, والرغبة في البحث المجرد عن علل الموجودات وغاياتها هما اللذان يؤلفان أصل المعرفة وجوهر الحكمة.

    قيام المعرفة ومصدرها:

    إِن الاحساس علم بالقوة وقوة تمييزية في خدمة العقل المحض. وهو, في حالات معينة, علم بالفعل, إِذ إِننا ندرك بالإِحساس, لو كنا على سطح القمر وقت الخسوف, لا وجود الخسوف فقط, وإِنما سببه كذلك, أي وضع الشمس من القمر والأرض. والإِحساس, أخيراً, بداية حتمية تنطلق منها المعرفة, ذلك لأن الكلي إِذا كان متقدماً على الجزئي, في مستوى المنطق, فإِن الجزئي متقدم على الكلي في المستوى الحسي الواقعي, ولأن العلم يجب أن ينطلق من الأشياء والموجودات التي هي أقرب إِلى مدارك المرء وأوضح له: أي يجب أن ينطلق من مجموعات الإِحساس الفردي, ليتمكن المرء من الوصول, على طريق التحليل, إِلى التصور الكلي «إِنسان».

    فالمعرفة القائمة على تجريد الصور من موادها, انطلاقاً من الخبرة الحسية, نقطة جوهرية تميز الفكر الأرسطي من الفكر الأفلاطوني. وإِذا كانت المعقولات, في الفلسفة الأفلاطونية, منفصلة, من حيث هي أفكار, عن المحسوسات, فإِنها, في الفلسفة الأرسطية, متأصلة فيها وملازمة لها. وإِذا كانت الصورة, في نظر أفلاطون, تعني الفكرة, من حيث إِنها واقعة موجودة, بوجه مستقل عن الأشياء الحسية, فإِنها تعني, في نظر أرسطو , كمال المادة, لأنها هي التي تحققها بالفعل على نحو لا تنفصل عنها. فأرسطو ينادي بـ «الإِنسان – سقراط» محل «الإِنسان في ذاته» الذي نادى به أفلاطون. ولهذا, فإِن على العقل البشري, في نظر أرسطو , البحث عن الصور المعقولة في العالم الحسي مستنتجاً بذلك المعرفة من الخبرة الحسية. فالمعرفة الأرسطية, الموجودة بالقوة في الأشياء الحسية, قائمة على الخبرة الحسية والتجريد العقلي. وهكذا حلّ أرسطو مسألة أصل المعرفة. أما أفلاطون فإِنه, بسبب عدم وجود مفهوم القوة عنده, لم يستطع حلها إِلا بالتذكّر.

    الاستدلال الاستقرائي:

    الاستقراء مصدر المعرفة ومبدأ القياس, لأنه مبدأ العام والكلي. وهو الذي يقدم مبادئ البرهان القياسي, بوساطة القضية الكلية التي تمنح البرهان القياسي قيمته الخاصة. إِن من المبادئ ما قد «عرف بالاستقراء, ومنها بالحساسية, وأخرى بنوع من العادة, وأخرى تأتي من أصل آخر», أي بوساطة العقل المحض. ومع أن الاستقراء يعتمد على الإِحساس والعادة ويتعاون مع العقل المحض, فإِنه – كالإِحساس نفسه – لا يقوم مقام العلم اليقيني, لأنه يكشف فقط عن فعل الوجود, لكنه يقود, بتأمل حالات فردية متكررة باستمرار وانتظام, نحو العام. وبمعرفة العام, يقود الاستقراء إِلى المعرفة اليقينية للعلة, وبالتالي للذات. فالعام, كما يقول أرسطو, «يبين لنا العلّة».

    فالعلم, بحسب طريقتي أرسطو في المعرفة (الاستقراء والإِثبات), ينتج, إِذن, عن الفكر الحدسي الذي يقود, انطلاقاً من العمومية التي يقدمها الاستقراء, إِلى الضروري والكلي, وإِلى علل الأشياء ومبادئها, وبالتالي إِلى المعرفة الإِثباتية اليقينية. وهكذا فإِن المعرفة هي معرفة الواقع, أي إِن هناك انسجاماً تاماً بين الوجود والمعرفة.

    إِذا كانت المعرفة العلمية, أو البرهان, هي معرفة الكليات, فإِن من طبيعة الاستقراء الانتقال من الجزئي إِلى الكلي ومن الخاص إِلى العام. فالاستقراء استكناه الكلي الكامن في الجزئي بوساطة التجريد, وخزنه في الحافظة بالتذكر, ثم خلع الصفة العقلية عليه بالنطق. وهو, بصفته الوسيلة الوحيدة للحصول على المبادئ الأولية, وبصفته قائماً على تعددية الجزئيات, يبين الماهية الثابتة في الجزئيات العديدة. إِنه, في الواقع, الوسيلة الوحيدة للانتقال من الكل إِلى الكلي. وصفوة القول إِن الاستقراء الأرسطي استقراء تام يُتصفح به جميع أفراد الشيء المبحوث عنه فيُحكم على الكل كما يُحكم على أفراده.

    القياس الإِثباتي والتحديد, الجنس والنوع, المادة والصورة, مفهوم القوة:

    إِن القياس الإِثباتي, المستند إِلى مقدمات ضرورية, هو القياس الوحيد القادر على إِيصال المرء إِلى المعرفة الحقيقية, لأن الحد المتوسط فيه هو متوسط وعلة معاً. ولكن كيف يمكن إِثبات أن المقدمات ضرورية؟ الواقع أن المعرفة الأرسطية تتحرك بين حدين, سفلي (الأفراد) وعلوي (المبادئ الضرورية), لا يمكن إِثباتهما. فالمعرفة الاستدلالية اليقينية تتوقف, ضرورة, على معرفة حدسية, مباشرة, غير قابلة للإِثبات, وتتعلق بمبادئ حقيقية, مباشرة, ضرورية, ولاسيما بالشيء المراد إِدراكه أو إِثباته, كما أنها تتعلق بالعقل لا بالجدل. وهكذا فإِن المبادئ الخاصة بكل علم, التي يُعطى وجودها وماهيتها معاً ومباشرة من دون التمكن من إِثباتها, هي: البديهيات المنطبقة على الموجودات كقوانين عدم التناقض والثالث المرفوع والعينية التي تؤلف قاعدة الاستدلال, والفرضيات والقضايا التي ينطلق الاستدلال من حدودها, والتحديدات كالتحديد الاسمي والواقعي والذاتي.

    فعن طريق التحديد (الحدّ), ندرك ذوات الأشياء, وبالتالي عللها, إِذ إِن ذات الشيء وعلته تؤلفان حقيقة واحدة. ولهذا يجب, أولاً, أن يُعرف عن الشيء أنه موجود, وإِلا فسيكون التحديد اسمياً. وهكذا فإِن أولى العمليات التي تستوقفنا هي فعل الوجود, أي إِن الجوهر هو الحقيقة الوحيدة التي ندرك وجودها من دون إِثبات. ففي الجوهر تطابق واتحاد تامان بين التحديد والشيء المحدد, وبين الفكر وموضوعه, حتى إِن العلم وموضوعه واحد. والفكر المحض يتطابق مع موضوعه, وهو, مثله, بسيط لا يتجزأ. وهكذا فإِن التحديد المباشر لا ينطبق إِلا على الموجودات البسيطة التي تؤلف وجوداً واحداً في غاية الجودة.

    إِن المعرفة الحدسية, أسمى المعارف الاستدلالية, تناسب الموجودات المتحققة بذاتها, والحقائق البسيطة, والجواهر الأولى غير المادية. كما أنها قد لا تنطبق كلياً إِلا على المبدأ الأول, لأن فكره وموضوعه متحدان في حقيقة واحدة. أما الجواهر المحسوسة المركبة التي وجودها متميز من ذاتها وعلتها, فإِنها تدخل ضمن نطاق التحديد, ولذا فإِن على العلم الحدسي المطبّق عليها أن يتشعّب إِلى قسمين: علم الوجود وعلم العلة. والعقل يتوصل إِلى معرفة نسبية, في تحديده الجواهر المركبة, وإِلى معرفة تامة, في تحديده الطبائع البسيطة التي يكوّن وجودها وعلتها حقيقة واحدة. فعندما يدرك العقل وجود الشيء, بوساطة الحدس الحسي والاستقراء, يحاول إِدراك ذاته وعلته.

    فالتحديد لا يقال إِلا على الأشياء الموجودة بذاتها, أما الأشياء القائمة بغيرها, فلا يمكن إِعطاء سوى تحديد خارجي منطقي لذواتها يشمل أجناسها وأنواعها. ومع أن هذه الذات, موضوع التحديد, مكونة من الفصل النوعي والجنس, فإِنها تقوّم الموجود الفردي وعلته, وتحمُل على إِدراكه, بصفته وحدة متكاملة غير قابل للتجزئة. ولكن كيف يكوّن الموضوع المحدد «إِنسان» في التحديد التالي :«الإِنسان حيوان ذو قدمين», وحدة متكاملة, مع أنه مكوّن من عنصرين :«الحيوان», و «القدمين»؟ أو بالأحرى, كيف تتم بين هذين العنصرين المختلفين نوعياً تلك الوحدة التي من دونها كان على الموضوع المحدد «إِنسان» أن يتلقى محمولات متعارضة معاً؟

    ولحل هذه المعضلة, بيّن أرسطو أن الوحدة القائمة بين الجنس والفصول النوعيّة, في التحديد, ليست وحدة عرضية لحدين منفصلين, كوحدة «بياض الإِنسان» القائمة بين «البياض» و«الإِنسان», وإِنما هي وحدة تلازم ضرورية, كالوحدة التي تربط, بذاتها «الفطس» بـ «الأنف». والجنس لا ينفصل, في الواقع عن أنواعه, وإِنما في التصوّر وبصفته مادة لها, فهو لا يوجد إِلا بها ومن خلالها, بل هي التي تحدّده. أي إِن تحديد الشيء هو توضيحه عن طريق أنواعه. أما الفصل النوعي, فإِن علاقته بالذات كعلاقة الجوهر بالموجود: فكما أن الجوهر علة الموجود في وحدته, كذلك يقوّم الفصل النوعي وحدة الموضوع المحدد ووحدة التحديد. إِن علاقة الفصل النوعي بالجنس شبيهة بعلاقة الصورة بالمادة. هذه المادة لا توجد إِلا بالصورة, ولا تنفصل عنها إِلا في التصور, أما في الواقع فإِنها تلازمها وتتحقق بها بالفعل. فالصورة, أو الذات أو الماهية, علة الموجودات في وجودها ووحدتها, لأنها تبيّن لنا حقيقة كل منها, كما أنها علة المادة, لأنها تبيّن لنا سبب وجودها في حالة ما من دون سواها. وهكذا فإِن الصورة هي الذات المتحققة في مادة, والمتكونة من جنس وفصل, أو بالأحرى من مجموعة المحمولات والمقومات الأساسية التي يعبّر عنها التحديد. فالمادة, من حيث هي ممكنة ومتحولة, لا يمكن تحديدها إِلا من حيث اشتراكها مع الصورة وارتباطها معها برباط تلازم هو السبب في وحدتهما, ومن ثم وحدة التحديد.

    فالصور, باستثناء المبدأ الأول والجواهر المفارقة, لا تنفصل عن المادة إِلا في التصوّر, أما إِذا فُصلت عنها, في الواقع, كما فعل ذلك أفلاطون, فسيستحيل إِيجاد المبدأ الذي يوضح سبب تحول البرونز, مثلاً, إِلى كرة. بيد أن أرسطو أوجد حلاً لهذه المشكلة, بإِدخال مفهوم القوة التي علاقتها بالفعل هي علاقة المادة بالصورة, أو بالأحرى علاقة العنصر الأقل تحديداً بالعنصر الأكثر تحديداً. فالقوة, التي هي مفهوم أساسي في فلسفة أرسطو, ليست فقط إِمكانية بسيطة في الوجود, تحمل الأشياء غير المحددة إِلى أن تكون محددة, وإِنما هي أيضاً إِمكانية قريبة من الفعل, أو بالأحرى هي نوع من الفعل غير التام ومبدأ حركة يحقق المواضيع, الموجودة بالقوة, بالفعل تدريجياً. إِن القوة والفعل مفهومان متطابقان, أي أن هناك استمراراً واتصالاً بينهما, حتى إِنه لا يمكن التفكير بالمادة, من دون التفكير, اضطراراً, بالصورة التي فيها تتحقق هذه المادة بالفعل. والوحدة القائمة بينهما تتحقق بالانتقال من القوة إِلى الفعل, بتأثير من العلة المحركة: غاية الأشياء ونموذجها. وهكذا فإِن وحدة التحديد, في الأشياء المركبة, تستند إِلى وحدة الشيء المحدد, لبيان السبب الذي حدّد المادة على طريق الصورة. وهنا يمكن تلمس الميتافيزيقة الأرسطية, وما يميزها من الأفلاطونية. فبفضل مفهوم القوة, عند أرسطو, يُتوصل إِلى إِدراك الوحدة الداخلية القائمة بين التحديد والشيء المحدد. وهذا ما لم تتوصل المدرسة الأفلاطونية إِلى إِدراكه بسبب إِغفالها الاتحاد الجوهري والضروري بين القوة والفعل, بتأثير من المحرك الذي يحوّل المادة من القوة إِلى الفعل.

    الميتافيزيقة أو فلسفة ما بعد الطبيعة

    الميتافيزيقة, كغيرها من العلوم, معرفة موضوع ما, بمعرفة مبادئه وعلله. ولكنها خلافاً للعلوم الأخرى, تحكم على مبادئ الموضوع وتسند أحكاماً إِلى ذاته ووجوده. وهذا ما يجعلها, بالضبط, جديرة بأن تكون المعرفة السامية و «الحكمة الإِلهية». ولذا لابدّ من تمييز موضوع هذا العلم, الذي يتم انطلاقاً منه البحث عن العلل والمبادئ, من هذه المبادئ ذاتها.

    يؤكد أرسطو أنّ الموجود هو موضوع الميتافيزيقة والمقصود هنا, بالموجود الموجود في كل أبعاده ومعانيه المختلفة, بيد أن هذه المعاني المختلفة, إِذا لم تؤلف وحدة ما, فستجعل وجود الفلسفة الأولى أمراً مستحيلاً. والجوهر, في نظر أرسطو, هو الذي يكوّن هذه الوحدة, لأن الموجود يقال, في أول معنى له, على الجوهر, وبوساطته, يقال على الكمية والكيفية وغيرهما من المقولات. فالموجود هو, في ذاته, جوهر, وهو, بوساطة الجوهر, موجودات أخرى ليست موجودات إِلاّ لأنّ لها علاقة معه. فالفلسفة الأولى تدرس, إِذن, الموجود من حيث هو موجود, أي بصفته جوهراً أو عرضاً. كما أنها تبحث عن مبادئ الجواهر وعللها, وتتأمل الوضع الأنطولوجي للموجودات جميعها بصفتها موضوعات العلوم الأخرى كالفيزيقا والرياضيات. فالجوهر هو الموجود في أعمق معانيه. وهذا ما عبَّر عنه أرسطو بقوله: إِن ما نبحث عنه دائماً يتمثّل في معرفة مدى تطابق السؤال «ما الموجود»؟ مع السؤال «ما الجوهر»؟.

    والجوهر مركّب من مادة وصورة: صورة تحمل الوجود إِلى المادة, بفعل محرّك؛ ومادة لا توجد حقيقة إِلاّ لأنها استقبلت الصورة. ومع أنّ أرسطو, بمفهومه الحسي للصورة والمادة, رفض نظرية أفلاطون في الصور المفارقة, مع اعترافه بأنها تدخل ضمن نطاق الميتافيزيقا لا الفيزيقا, فإِنه بقي أميناً على حدس معلمه الأساسي القائل بتفوق الصورة على المادة.

    إِذا كانت الجواهر جميعها فاسدة, فهذا يفترض أن ليس هناك وجود. ولكن لما كانت الجواهر الحسية موجودة, فلابدّ من وجود جواهر غير فاسدة ومن ثم غير مادية. ولما كان ليس بالإِمكان الذهاب إِلى اللانهاية ضمن إِطار الجواهر المفارقة, فلا بد من التوقف على جوهر أول, أو مبدأ أول, هو مبدأ الحياة والوجود, أو هو الله.

    أما الفلسفة الطبيعية, فإِنها تدرس الجواهر الحسية, وتبحث عن علل التغيّر والتحوّل وعن الظاهرات التي ترافقهما, سواء في المستوى الجوهري, أو في المستوى العرضي. وهي تشمل الأحياء, وفيها الإِنسان, شريطة أن تُبقي للفلسفة الأُولى دراسة ما هو غير مادي في الإِنسان, أي العقل. فالفلسفة الطبيعية تُبْرز مبادئ الصيرورة, كالمادة والصورة والعدم؛ وتضيف إِليها مبادئ أخرى, كالمصادفة التي تبدو أنها تفلت من الغائية, وهي تتساءل عن طبيعة الحركة وأنواعها, كما أنها, في النهاية, تدرس الجواهر والصّور, من حيث خضوعها للتغيّر والتحوّل. بيد أنّ هذه الصور متعلقة, في نظر أفلاطون, بالديالكتيك, لأنّه لا يعترف بوجود علم متعلق بالطبيعة.

    والمشكلة الأساسية, عند أرسطو, هي أنّه حدّد موضوع الميتافيزيقة وفق ثلاثة أنماط مختلفة: العلل والمبادئ السامية, والألوهية, والموجودات بصفتها موجودات. وها هنا احتمالان: الأول هو العودة إِلى تطور أفكار أرسطو لحلّ هذه التعددية في موضوع الميتافيزيقة؛ أما الثاني فالقول بالتطابق بين الموجود, من حيث هو موجود, وبين الألوهية, وعدّهما حقيقة واحدة.

    الاحتمال الأخير مرفوض, لأنّ الموجود الذي يُدرس لمعرفة مبادئه لا يمكن أن يتطابق مع هذه المبادئ. والاحتمال الأول كذلك مرفوض, لأنّه لو كان أرسطو قد أضاف نصاً ليصحّح رأياً لم يعد يقبل به, لكان حذف المقطع المعبّر عن هذا الرأي. والواقع أن شيئاً من هذا القبيل غير ملحوظ في مؤلفاته, لذا لا يمكن الكلام عن تطور في أفكاره.

    كان موقف أرسطو, في مستهل حياته الفلسفية, قريباً من موقف أفلاطون, عندما اعتقد أنّ موضوع الميتافيزيقة هو الجواهر المفارقة والألوهية. لكنّه ما لَبِثَ أن طوّر, بعد رفضه الصور الأفلاطونية, مفهومه عن الموجودات, من حيث هي موجودات. فبيّن أن الموجود لا ينحصر فقط في الصورة, أي أنّه لا يتطابق معها, بل له عدة مفاهيم؛ وهو ليس بالجنس. وهكذا وسّع أرسطو مفهوم الموجود ليُدخل فيه الجزئيات التي رفضها أفلاطون. إِن الأمور الخاصة التي امتاز بها أرسطو هي تأكيد وجود علم فيزيقي ووجود جواهر مفارقة, ومع أنّ أرسطو أدرك, منذ قراءته لكتاب أفلاطون «الجمهورية», أن هناك علماً موضوعه «الموجود من حيث هو موجود», فإِنه وقف جهوده للقسم الأول من الصيغة «موجود», وليس للقسم الآخر منها «من حيث هو موجود» الذي أشار إِليه أفلاطون.

    وهكذا ظهرت, في الميتافيزيقة الأرسطية, مرحلتان: مرحلة لاهوتية, وأخرى أنطولوجية. ومع أن أرسطو خصص لكل من هاتين المرحلتين بعضاً من أبحاثه الفلسفية, فإِنّه وفّق بينهما, في المقالة السادسة من كتاب ما بعد الطبيعة, بقوله: إِنّ اللاهوت علم كلّي, لأن الكون يتعلّق بالموجود الذي يدرسه هذا العلم, أمّا علم الوجود فيصب في اللاهوت. فالميتافيزيقة تدرس الموجود بأبعاده ومعانيه الكثيرة, وتكوّن في بدايتها علماً مستقلاً عن اللاهوت, يُطلق عليه الأنطولوجية[ر], ولكنّها عندما تثبت المبادئ الأولى للموجود, ومن ثم المبدأ الأول, أو المحرك الأول, أو اللّه, تتطابق مع العلم الإِلهي الذي يكوّن مع علم الوجود علماً واحداً. والميتافيزيقة تدرس الموجودات جميعها وفيها الموجودات الحسية والرياضية لتحديد مبادئها وشروط كونها موجودات. وهكذا فإِن الموجود من حيث هو موجود, هو موضع العلم الميتافيزيقي الذي هو العلم السامي والعلم الكلي معاً.

    ولا يمكن تلخيص فكر أرسطو, حول هذه النقطة بالذات, بأفضل من أرسطو نفسه, إِذ قال :»تستند دراستنا إِلى الجوهر, لأنّ المبادئ والعلل التي نبحث عنها إِنّما هي جواهر».

    اللاهوت الطبيعي

    الفلسفة الطبيعية (الفيزيقا):

    يبيّن أرسطو, في المقالتين السابعة والثامنة من كتاب السماع الطبيعي, ضرورة وافتراض وجود محرك أول غير متحرك, فوجود الحركة يفترض وجود علة واقعية موجودة خارجاً عنها, وذلك لعدم وجود شيء في الطبيعة يتحرك على طريق المصادفة, أو ينتقل بذاته من القوة إِلى الفعل, أو بالأحرى لعدم وجود مبدأ أو علة في الحركة نفسها.

    وانطلاقاً من المقالة السابعة يمكن صوغ البرهان التالي: لما كان ما هو متحرك, متحركاً ضرورياً, بغيره, ولما كان يستحيل الذهاب, في الحركة, إِلى اللانهاية, لذا يجب التوقف على محرّك غير متحرّك.

    ومن الممكن انطلاقاً من المقالة الثامنة, صوغ البرهان, القائم على أزلية الحركة, على النحو التالي: لما كانت الحركة الأزلية هي منتظمة ودائرية, فإِنها تفترض وجود محرك أول غير متحرك, ولما كان كلَّ متحرّك متحركاً بغيره, يلزم بالضرورة وجود محرّك غير متحرّك, لاستحالة أن تكون المحركات المتحركة بغيرها غير متدرجة إِلى اللانهاية. ويضاف إِلى ذلك أنه ليس من الضروري أن يكون كل محرّك متحركاً بغيره.

    إِن التحديد الذي يقدّمه أرسطو عن سرمدية المحرك الأول يستند كلياً إِلى أبدية الحركة التي تنجم بدورها عن أبدية الزمن, لأن كل لحظة حدُّ متوسط بين زمنين: فالحاضر يفترض دوماً وجود ماض ومستقبل ووجود قبلية وبعدية. وإِذا كانت الحركة أبدية, وكل متحرّك يفترض وجود محرّك له, كان لا بدّ, لتوضيح هذه الحركة الأبدية, من فرض وجود محرك أبدي غير متحرّك لا بغيره ولا بذاته: فإِن قيل إِنه متحرّك بغيره, فسيؤدي الأمر إِلى قبول مبدأ التسلسل إِلى اللانهاية, وهذا مستحيل أيضاً.

    المحركات الأزلية متعددة, وعدد الحركات, إِضافة إِلى الحركة الأولى الصادرة عن المحرك الأول, يراوح بين 47و55 حركة. وهذه الحركات تفترض وجود مثل هذا العدد من الجواهر غير المتحركة. والفرق بين المحرك الأول والمحركات الأخرى أن المحرك الأول غير متحرّك, لا بالذات ولا بالعرض, وخارج عن العالم؛ أما المحركات الأخرى فإِنّها متحركة بالعرض مع أفلاكها, كالنفس التي تنتقل بانتقال جسمها الذي تحركه, كما أنها قائمة في أفلاكها من دون أن يكون اتصالها بها اتصال الصورة بالمادة, لأنها عقول مفارقة.

    الفلسفة الأولى, أو فلسفة ما بعد الطبيعة:

    لم يقل أرسطو, في الفلسفة الطبيعية, إِن المحرك الذي توصل إِلى إِثباته هو الله, بل افترض فقط وجود حقيقة أسمى من الحركة وخارجة عنها. أمّا في الفلسفة الأولى, فإِنه يدرس هذه الحقيقة لتعرّف ماهيتها وخصائصها. وهكذا يؤلف برهان الحركة, في العلوم الطبيعية, قاعدة أساسية انطلق منها أرسطو, في الفلسفة الأولى, ولاسيما المقالة 12, ليثبت وجود علة أولى للوجود, هي الله.

    يمكن التفريق, في المقالة المذكورة, بين جزأين: يدرس الجزء الأول (الفصول الخمسة الأولى) الجواهر الحسية,والجزء الثاني (ما تبقى من فصول المقالة) الجوهر غير المتحرك. يميّز أرسطو, منذ الفصل الأول, ثلاثة أنواع من الجواهر: جواهر حسية فاسدة, وجواهر حسية سرمدية, وجوهر غير متحرك. تدرس الفلسفة الطبيعية النوعين الأول والثاني؛ أمّا النوع الثالث, موضوع هذه المقالة, فتدرسه الميتافيزيقة. إِن العلاقة بين قسمي هذه المقالة غامضة, مع أنّها ضرورية لتوضيح الصلة بين الله والعالم.

    إِذا كانت الجواهر جميعها فاسدة, فستكون جميع الأشياء الناجمة عنها أيضاً فاسدة, ولما كان هناك تحديدان, هما الزمان والحركة, وهما غير فاسدين وأبديان, ولا يمكن أن يكون قوامهما إِلاّ في الجواهر, لأنّ الحركة إِِنّما هي المتحرك, إِذن لا بدّ من وجود جوهر أو جواهر غير فاسدة وأبدية.

    فالزمان, في نظر أرسطو, أبدي, ولا يوجد خارج الزمان لا قبل ولا بعد. وهو لم يبدأ أبداً, ولا يمكن أن يتلاشى, لأنه إِن كان غير ذلك وجب القول بوجود زمان قبل الزمان, وزمان بعد الزمان. والحركة, كالزمان, أبدية, لأن الزمان إِمّا أن يكون الحركة نفسها, وإِمّا أن يكون شكلاً من أشكالها. ومن أبدية الحركة ووحدتها, يستنتج أرسطو اتصالها الذي هو اتصال الحركة المحليّة, بل اتصال الحركة المحلية الدائرية. ويستنتج أرسطو من ذلك أن الجوهر الأبدي وغير الفاسد, هو الجوهر الذي يتحرّك بحركة أبدية ودائرية. وهكذا أثبت أرسطو أنّ هناك جوهراً أبدياً, أو محركاً أول لحركة دائرية أبدية. إِن أول ما يميّز هذا المحرك السرمدي هو نشاطه الدائم, كما أنّه في الفعل بوجه مستمر ولا يعرف القوة مطلقاً. أما المحركات الأخرى فإِنها تنتقل من الحركة إِلى السكون ومن السكون إِلى الحركة, أي من الفعل إِلى القوة, ومن القوة إِلى الفعل.

    يلجأ أرسطو, للإِجابة عن هذا السؤال, إِلى معطيات نفسية. فلكي يكون المحرّك الأول محركاً لغيره من دون أن يكون هو نفسه متحركاً, عليه أن يكون المرغوب الأسمى والمعقول الأعلى, أي أنّ تحريكه لغيره ناجم عن أنّه موضوع رغبة يتوق إِليها هذا الغير. وهنا يتجاوز أرسطو العلة الفاعلية نحو العلة الغائية, على طريق الرغبة التي تحرّك الإِرادة نحو الخير ونحو الموجود الأول, وعلى طريق المعقول الذي يحرّك العقل نحو الحقيقة ونحو الجوهر الذي هو أول الموجودات. وهذان الطريقان يؤديان إِلى هدف واحد, هو المعقول الأول الذي تتوق إِليه كل الموجودات فتتحرّك نحوه.

    وهكذا تجاوز أرسطو مستوى المحركات الطبيعية والنشاطات النفسية. فنشاط المحرّك الأول يبقى متأصلاً فيه, لأنّه لا يثير الرغبة, مع كونه موضوع الرغبة والمحبة, كما أنّ موضوعه لا يتجاوز فكره, لأنه لا يعقل إِلاّ نفسه. والواقع أنّ أرسطو ميّز المحرّك الأول من المحركات الطبيعية الأخرى بحركته الدائمة السرمديّة, كما جعل منه محركاً نفسياً وروحياً, بسبب سكونه وعدم حركته, وأبعده أخيراً عن الإِنسان نفسه, لأنّ هذه النشاط الروحي والنفسي متأصل فيه بوجه مطلق.

    والمحرّك الأول فعل محض, وعقل لا يمكنه إِلاّ أن يعقل نفسه؛ فهو عقل يعقل العقل. فالفكر, في إِله أرسطو, لا يكوّن إِلاّ حقيقة واحدة مع موضوعه.

    لم يبرهن أرسطو على أن إِلهه علة للصيرورة وللجواهر الحسيّة؛ وإِِنّما برهن على أنه محرّكٌ لحركة دائمة سرمدية. وهذا يعني أن الجواهر الحسية تتكوّن وتزول بغض النظر عن الله, ومن دون أن يكون بحاجة إِليه. فالكون ليس بحاجة إِلى الله, لا في وجوده, ولا في استمرار وجوده. ولهذا فإِِنّ «روس» كان مصيباً, في رأيه, عندما رفض أن يكون إِله أرسطو علة فاعلية للكون, بل هو علّة غائية له.

    فلسفة الأحياء:

    إِن الإِله, الذي برهن عليه أرسطو؛ ليس نفساً, أو مبدأ للحياة؛ وإِنّما هو جوهر وعلة غير متحركة ومنفصلة عن الحركة الدائرية. بيد أن الحياة ليست غريبة عن الله, لأنّه هو الحياة التي هي أكثر كمالاً, وحياته هي حياة العقل المتمثلة, فعلاً, بالفكر المحض. والحياة, بحد ذاتها, لا تسمح للمرء, في نظر أرسطو, بالوصول إِلى الله؛ أمّا عند أفلاطون فإِن معرفة النفس هي التي تسمح للمرء بإِثبات وجود الله. فالعقل البشري, عند أرسطو, يكشف الله, من حيث إِنّه محرّك غير متحرّك, ومن ثمّ موجود أول, وأخيراً عقل أول وفعل محض. وعندما يتوصل العقل إِلى هذا الحد, يستطيع أن يوضّح بجلاء أن هذا الموجود هو الحياة التي هي أكثر تماماًَ وأكثر كمالاً.

    نظرية النفس والعقل

    يذكر أرسطو في كتاب «النفس» أن النفس كمال أول «لجسم طبيعي ذي حياة بالقوة». وهي أيضاً «ضرب من الكمال وصورة لما هو بالقوة مستعد لقبول طبيعة معيّنة». وهي, في الواقع, صورة لجسم. ومن اتحاد النفس مع الجسد تنجم التعددية في وظائفها التي يمكن تصنيفها في ثلاث وظائف أساسية, هي: التغذية, والإِحساس, والتعقل. ودراسة هذه الوظائف تمكن من تمييز ثلاثة أنواع من المعارف: حسية, وخيالية, وعقلية, ونوعين من العقل: عقل منفعل, وعقل فاعل.

    التغذية:

    وفيها «توجد الحياة لجميع الكائنات. ولها وظيفتان: التوليد والتغذي». وقوة التوليد أقرب الوظائف إِلى الطبيعة, وهي تقوم على أن يخلق كل كائن حي «كائناً آخر شبيهاً له». أمّا التغذي, فينمي الحيواني إِلى أن يصل الدرجة التي تحدّها ماهيته ولا يمكن أن يتعداها إِلاّ بنوع من الشذوذ الخلقي. وعندما يصل الحيوان إِلى جرمه الطبيعي النهائي يقف عن النماء, ولا تكون لعناصر التغذية عندئذ سوى استمرار بقائه وحفظه من الهلاك.

    الإِحساس:

    الإِحساس فعل مشترك بين المحسوس والحاس. والعضو الحاس هو بالقوة عين الكيفية التي يدركها بالفعل, ويحتاج ليمارس عمله إِلى موضوع خارجي يدفعه إِلى ذلك. أما المحسوس فإِنه قوة فاعلة تحوّل قوى الذات الحاسة من القوة إِلى الفعل, ويقال على ثلاثة أنواع من الأشياء: المحسوسات الخاصة بكل حاسة, كاللون بالنسبة إِلى حاسة البصر؛ والمحسوسات المشتركة, كالحركة والسكون والعدد والشكل والمقدار؛ والمحسوسات بالعرض, كما لو أُدرك هذا الشيء الأبيض, مثلاً, على أنّه «ابن دياريس». إِن النوع الأول والثاني يدركان بالذات, أمّا النوع الثالث فيدرك بالعرض.

    ولكن, ما طبيعة هذا الفعل المشترك الذي يربط بين المحسوس والحاس, وما سبب تفاعل هذين الحدين ووحدتهما؟ أتعود هذه الوحدة إِلى أنّ أحد هذين الحدين له طبيعة خاصة به, أي أنّ الحساسية عرض للمحسوس؟ أو أنّ كلا الحدين, بصفتهما واقعيين, يؤديان, معاً, على طريق تطور قوتهما, إِلى الفعل نفسه, أو أنهما في حالة واحدة, عن طريق الإِحساس المتحقق بالفعل, لأن كليهما موجود بالقوة إِذا كان منفصلاً عن الآخر.

    ومع أنّ أرسطو لم يتوصل إِلى توضيح واحدية فعل الإِحساس, فإِنه لم يتخلّ عن الواقع, بل احتفظ بقسم منه لحل تلك المسألة المعقدة. والفكرة التي تسيطر على نظرية أرسطو في الإِحساس هي أن المحسوس الذي يحقق الحساسية بالفعل واقعياً ويمكن أن يوجد بغض النظر عنها, هو الذي يسيطر في فعلهما المشترك. ومن هنا تخلّى أرسطو عن النظرية التي تجعل من الإِنسان مقياساً لكل الأشياء والتي تحمل موضوع الإِحساس نفسه على فعل الذات.

    ولكن لما كان موضوع الإِحساس وفعل الذات متمايزين ومتلازمين, في آن واحد, فإِنهما يبدوان فعلاً واحداً لجوهر يتحققان فيه بالفعل. تدلّ واقعية المعرفة الأرسطية على أنّ الموضوع ليس الشيء المدرك, وإِنّما هو المحسوس الموجود مستقلاً عن الذات, لا بصفته مجرّد إِمكانية عرضية في الإِحساس عاجزة عن الوجود بذاتها – كما لو أنّ اللون لا يوجد مستقلاً عن حاسة البصر – وإِنّما بصفته قوة محدّدة جوهرية قادرة على أن تصبح موضوع معرفة, وبالتالي متوافقة مع المعرفة ومع أعضائها. ولهذا, إِذن, فإِن العالم معقول, وإِنّ العضو الحاس والمحسوس على مستوى واحد, وهما مشاركان في قانون واحد, ومن صنيعة معلم واحد.

    المخيّلة:

    المخيّلة قوة فكرية تمكن من الإِدراك والتمييز, وهي امتداد للإِحساس ولا توجد من دونه, أو بالأحرى هي «الحركة المتولدة عن الإِحساس بالفعل». ولما كان البصر هو «الحاسة الرئيسة, فقد اشتق التخيّل اسمه من النور, إِذ من دون النور لا يمكن أن نرى». ومع أن التخيل, كالإِحساس والظن, قوة غامضة تحتمل الصدق والكذب, فإِنه «ليس أمراً من هذه الأمور, ولا المركب منهما». إِنّه, في الواقع, إِحساس لا مادة له تقريباً. فمن جهة, يستحيل التعلّم أو الفهم في غيبة الإِحساسات, «ومن جهة أخرى, فإِنه عند استعمال العقل يجب أن يكون مصحوباً بالأخيلة, لأنّ الأخيلة شبيهة بالإِحساسات, أي أنها غير مادية». وهكذا فإِن التخيّل ذو طرفين يلمس بطرفه الأول أسمى القوة الحسية, وبطرفه الآخر أدنى الوظائف العقلية, إِذ إِنّه يؤلف جسراً يربط بين الاثنين.

    تتوضح المعقولية المتشبعة بها موضوعات الإِحساس في أنّ العقل الذي به يحرّك المحسوس حواسنا لا يختفي باختفاء المحسوس, بل يثبت في الحواس مكوّناً فكرة عن الأشياء الغائبة. وهذه هي الأخيلة التي تبقى راقدة مثل الضفادع في المستنقعات, ولكنها تستطيع أن تستيقظ من رقادها وتستقبل قوة تخيّلية. وعندما تلبي دعوة التأمل العقلي تترتب حول فكرة ما وتأخذ معناها الكامل. ومع أنّ الخيال مشتق من الإِحساس, فإِنه لا يوجد إِلاّ وهو متحرّر من الموضوع. فهو معقول بالقوة, ووسيلة للنفس ترتقي به من المحسوس إِلى الفكرة. ومع أن التخيّل أدنى من العقل وغير قادر على إِدراك الكليّ وتمييز الحقيقة بصورة مؤكّدة, فإِنه يظهر وكأنه قوة عقلية.

    والواقع أنّ المعرفة تتطور, انطلاقاً من الإِحساس, حتى تتوصل إِلى المعرفة العقلية للذات, وذلك باللجوء إِلى وسائل ثلاث, هي: تثبيت المعطيات الحسية في الذاكرة, وتكرار موضوعات الذكريات ودمج بعضها ببعض, واستنتاج مفهوم الفن المستند إِلى الصيرورة ومفهوم العلم المستند إِلى الموجود. وهذا التطور يتعلق بقدرة النفس على إِدراك الكلي في الجزئي, والإِنسان النوعي في الإِنسان الفرد المعيّن.

    العقل:

    إِن العقل الإِنساني ليس شيئاً بسيطاً, وإِنّما هو مركّب, ويمكن تمييز مستويات مختلفة تبيّن تحرر الفكر من الصور الحسية تدريجياً. فهناك العقل الاستدلالي المنطقي المجاور للمخيّلة, وهناك العقل المحض الذي يستند, بوجه أساسي, إِلى الطبائع البسيطة, ويدركها بالحدس. وفي العقل المحض يُميّز العقل المنفعل والعقل الفعّال: إِذا كان الأول مشابهاً للمادة وقادراً على استقبال المعقولات, فإِنّ الثاني أسمى منه, إِذ هو كالضوء يحيل الألوان من القوة إِلى الفعل, كما أنّه يحقق الصّور المعقولة بالفعل, سواء أكانت مختلطة بالمادة كالصور المغلفة بالأخيلة, أم محضة كالصور التي يحتويها العقل الفعّال نفسه, وعند ذلك يكون العقل الفعّال,  الذي أصبح هو ذاته المعقول, قادراً على أن يعقل ذاته. 

    والعقل بتعقله المعقولات يصبح عقلاً بالملَكة. وعلاقة هذا الأخير بالفعل مماثلة لعلاقة الملكة بالممارسة. وبفضل الملَكة يمارس العقل عملية التعقل, أي أنه يجعل من المعقول موضوع تعقل فعلي, فيتطابق العقل مع المعقول. هذا التطابق في عملية المعرفة العقلية, إِضافة إِلى تطابق الحاس والمحسوس في عملية الإِحساس, هما قضيتان أساسيتان في الفلسفة الأرسطية.

    أمّا العقل الفعّال فإِنّه «اللامفارق اللامنفعل غير الممتزج, من حيث إِنّه بالجوهر فعل, لأنّ الفاعل دائماً أسمى من المنفعل, والمبدأ أسمى من الهيولى, والعلم بالفعل هو وموضوعه شيء واحد». فهو, إِذن, محض, أبدي وغير منفعل, كما أنه في جوهره بالفعل, بعكس العقل المنفعل الذي لا يتحقق بالفعل إِلاّ بوساطة الصور المعقولة التي يتلقاها.

    ولكن كيف يمكن للصور المعقولة أن تحقق بالفعل العقل المنفعل المعروف بمكان الأفكار؟ وههنا يتدخل العقل الفعّال الذي يستدعي إِليه الصور المختلطة بالمادة الحسية أو الخيالية ليتحققها ويحقق بها الفعل المنفعل بالفعل. وإِذا كان العقل المنفعل يختفي باختفاء الفرد, وتختفي مع اختفائه الانفعالات والذكريات المنفعلة والفاسدة, فإِن العقل الفعّال, على العكس من ذلك, يبقى, كما هو, بعد الموت. يقول أرسطو في كتاب «النفس»: «أما العقل, فإِنه ولا ريب أكثر ألوهية ولا ينفعل». هذا العقل, عندما يفارق, يصبح «هو جوهراً, وعندئذ فقط يكون خالداً وأزلياً… ومن دون العقل الفعّال لا نعقل قط».

    ولكن هل للعقل الفعّال وجود قبل اتحاده بالنفس؟ وهل هو من الإِنسان؟ وموجود فيه؟ إِنّ ما تبقى من نصوص أرسطو, لا يسمح بالإِجابة بدقة عن هذه الأسئلة. فكل ما يمكن قوله إِنّ العقل الفعّال فريد, فعل محض, غير متحرك إِطلاقاً, عقل وعاقل ومعقول, حتى إِنه لا يعقل إِلاّ ذاته, وشبيه بالله, بل حتى إِلهي. وهذا ما دفع الاسكندر الأفروديسي إِلى تأكيد أن العقل الفعال هو نفسه الله, فأطلق عليه «الله المفكر فينا». وصفوة القول إِن العقل الفعّال يبدو جنساً من النفس متميزاً منها, ويفارقها عند الموت, كما يفارق الأبدي الأشياء الفاسدة. وبهذا المعنى يقول أرسطو في كتاب «النفس»: إِن ههنا نوعاً من النفس مختلفاً, وإِنها وحدها يمكن أن تفارق الجسم, كما يفترق الأزلي عن الفاسد. أما أجزاء النفس الأخرى, فيتّضح ممّا سبق أنها لا تفارق, كما يزعم بعض الفلاسفة.

    العلوم العملية – الوجود الأخلاقي والسياسي

    تبتغي العلوم العملية تحقيق سعادة الإِنسان بصفته فرداً, وعضواً في المجتمع. فهي تنقسم, إِذن, إِلى علم الأخلاق, وإِلى علم السياسة.

    علم الأخلاق:

    يعتقد أرسطو أن الأخلاق, بصفتها علماً عملياً, علم تجريبي يستند إِلى الاستقراء والخبرة والملاحظة والأخذ بآراء الشيوخ والعقلاء وأصحاب الفضل. بيد أنها ليست علماً تجريبياً بحتاً, وإِنّما تتصل كذلك بصلات عميقة بعلم النفس والميتافيزيقة. ولذا يُلحظ أن أرسطو يمزج دوماً الملاحظات بالتحليلات النفسية وبالاستدلالات الفلسفية.

    تتصف الأخلاق الأرسطية بأنها أخلاق سعادة, لا أخلاق واجب, على العكس تماماً ممّا عليه الأخلاق المحدثة, ولاسيما ابتداءً من كَنت. فالإِنسان, في الأخلاق الأرسطية, ينزع بطبيعته إِلى امتلاك الخير الأسمى والسعادة القصوى, على طريق الفضيلة. وهذه النزعة الطبيعية الغريزية تظهر, بوضوح, في ميول الإِنسان وسلوكه.

    يقصد أرسطو بالخير الأسمى,الذي يضمن للإِنسان امتلاك السعادة القصوى, الخير الكامل الذي يُطلب ويُحب من أجل ذاته, لا كوسيلة لبلوغ خير أسمى منه, كاللذة والجاه وحب التسلط والمال وغيرها. والذين يعتقدون أنهم يحققون خيرهم الأسمى وسعادتهم القصوى بالحصول على هذه الخيرات, التي هي خيرات ناقصة زائلة, ومولّدة, في أغلب الأحيان, للألم والحرمان, لا يدركون معنى الخير الأسمى والسعادة القصوى. والخير الأسمى, الذي قصده أرسطو, ليس منال الخير بالذات, الذي تكلّم عليه أفلاطون وجعل منه مبدأ الموجودات وغايتها القصوى, وإِنّما الخير الذي يجب أن يكون في المتناول ويمكن تحقيقه بالحياة الفاضلة وبممارسة الأفعال الإِنسانية الحقة. فلكل موجود فضيلته الخاصة التي هي, في نظر أرسطو, مفهوم وجودي قبل أن يكون مفهوماً خلقياً, كما له ماهيته الخاصة التي ينزع إِلى تحقيقها. فنقطة انطلاق علم الأخلاق هي, إِذن, معرفة طبيعتنا الإِنسانية.

    وإِذ نُظر إِلى الإِنسان, المتميّز من غيره من الكائنان الحية بنفسه العاقلة, من خلال قوته الغاذية, لوُجد أن أعماله خارجة عن دائرة العقل والإِرادة وعلم الأخلاق. وإِذ نُظر إِليه,من خلال قوته الحاسة, لوُجد أنه مركبٌ من نفس وجسد وقابلٌ للشهوات والانفعالات الخاضعة لنطاقي العقل والإِرادة خضوع المادة للصورة. أمّا إِذ نُظر إِليه, من خلال قوته العاقلة, ظهر عنصراً إِلهياً قادراً على الاتحاد بما هو إِلهي بالتأمل. ولذا يميّز أرسطو بين نوعين من علم الأخلاق: علم الأخلاق الذي يبحث في الإِنسان بصفته مركباً من نفس وجسد, أي في فضيلته وخيره وسعادته, وعلم الأخلاق الذي يبحث فيه بصفته عقلاً محضاً, أي في فضائله العقلية الصرفة.وبممارسة الفضائل الخلقية يحقق الإِنسان خيره وسعادته. ولكن ما الفضيلة الخلقية, وما شروطها؟

    يعرّف أرسطو الفضيلة الخلقية بأنها استعداد ما, بإِزاء الانفعالات, ناشئ من نمو قوة بالمران. والفضيلة الخلقية, بحسب هذا التعريف, ليست انفعالاً من انفعالات النفس, كالفرح والخوف والحسد والغضب, لأن الانفعال, من حيث هو كذلك, خارج عن نطاق العقل والإِرادة والمدح والذم. وليست هي قوة من قوى النفس القابلة لهذه الانفعالات, لأن هذه القوى فطرية غير قابلة للتغيير. فالفضيلة, إِذن, تقوم جوهرياً بموقف العقل والإِرادة من هذه الانفعالات وهذه القوى, وبالسيطرة عليها وتوجيهها نحو الخير.

    ولما كانت الفضيلة الخلقية من الفضائل العملية, كفضيلة العدالة والشجاعة, التي لا تكتسب إِلاّ بالممارسة, لذا فإِنها «مملَكة خلقية يكون المرء بحسبها صالحاً, ويقوم بما عليه على أحسن وجه». فبقدر ما يوجه الإِنسان عقله وإِرادته إِلى اكتساب الفضيلة, بقدر ما تصبح فيه الفضيلة ملَكة راسخة شبيهة بالطبيعة. ويتوسع أرسطو في دراسة أثر العقل والإِرادة في الفضائل حتى تنتهي به هذه الدراسة المعمّقة إِلى تعريف الفضيلة بأنها اختيار الوسط العدل بين إِفراط وتفريط كلاهما رذيلة.

    وهذا الوسط ليس وسطاً رياضياً يمكن تحديده وقياسه, بل هو وسط بالإِضافة إِلى الفاعل, متغيّر تبعاً للأفراد والأحوال. فالوسط الحقيقي مثلاً, بين الحد الأقصى والحد الأدنى, لما يستطيع الإِنسان أن يتناوله من غذاء, يزيد على حاجة المبتدئ بالرياضة, ويقل عن حاجة المصارع. فالفضيلة وسط إِذا قيست بالرذائل التي تقابلها, غير أنها حدّ أقصى للفعل الإِنساني الكامل. وهذا ما يجعل معرفة الحد الوسط شيئاً عسيراً ودقيقاً. الشجاعة حدٌ وسط بين التهور والجبن, والكرم بين التبذير والتقتير. وهكذا فإِن الفضائل معلقة دوماً بين رذيلتين.

    وإِذا كانت الفضيلة إِرادية, فالرذيلة إِرادية, لأنّه إِذا كان الفعل متعلقاً بالمرء, كان الترك متعلقاً به كذلك.والإِنسان ربّ أفعاله صالحة وطالحة, وإِذا ما حقق فضيلته الوجودية بممارسة فضائله وجد لذّته الحقة وسعادته الإِنسانية الحقة. أمّا اللذة فهي, في نظر أرسطو, لا حسنة ولا رديئة بذاتها, بل تستمد قيمتها من قيمة الفعل الذي تصدر عنه, كما أنّ قيمة الفعل مستمدة من قيمة القوة التي يصدر عنها, ومن نوع ممارسته هذه القوة. وهكذا فإِن الفضيلة, مع أنها تولّد اللذة الحقيقية, لا تهدف إِلى اللذة, فالذي يحيا حياة الفضيلة يجد اللذة الحقيقية, من دون أن يبحث عن اللذة التي تصحب ممارسة الفضيلة. وأمّا الذي يطلب اللذة خارج الفضيلة ولأجل اللذة, فإِنه لا يجد غير لذات عابرة وكاذبة وهدامة. وصفوة القول إِن اللذة هي, كما يقول أرسطو, الثمرة الطبيعية للفضيلة, تُضاف إِليها كالنضارة إِلى الشباب.

    وبما أن الإِنسان يحقق كماله الإِنساني على طريق الفضيلة, فإِنه لا يجد فيها فقط لذته الحقة, وإِنما أيضاً سعادته الدائمة. ومع أن الوسائل المختلفة من طبيعية ونفسية واجتماعية, والخيرات الخارجية من غنى وجاه وصحة وجمال وقوة, شروط تكمل السعادة الإِنسانية, إِذا ما استخدمت وسائلَ وشروطاً لتحقيق الفضيلة, فإِن الفضيلة الحقة لا تفقد سعادتها إِذا ما فقدت هذه الوسائل والشروط الخارجية, بل تجد سعادتها في ذاتها الداخلية, هكذا يجد الفيلسوف سعادته في ذاته الداخلية, لأنه يرى في ذاته ذاتاً إِلهية, ويتنعم برؤية هذه الذات, كما يتنعم الله برؤية ذاته. فالفيلسوف,إِذن, أسعد الناس.

    السياسة أو العلم المدني:

    وهو, بصفته علماً عملياً, امتداد لعلم الأخلاق وإِكمال له؛ ولهذا فإِنه, وإِن اختلفت وسائله وتعددت إِلى حدّ ما, لا يختلف عنه لا في الأسلوب, ولا في الغاية. فغاية العلمين بلوغ الخير الأسمى والسعادة القصوى بتحقيق الفضيلة. ومع أن أرسطو لا ينكر الدور الذي تحتله الحاجات المادية في تكوين المجتمع, فإِنه لا يوافق أفلاطون على أن يجعل من كفاية هذه الحاجات غاية المجتمع, وإِنّما وسيلة لاكتساب الفضيلة.

    ويبدأ أرسطو نظريته في السياسة بأن يبيّن أن الوحدة الرئيسة هي الأسرة, وليست الفرد, فيقول: إِن الإِنسان بطبعه حيوان سياسي, أي أنه مدني أو اجتماعي بالطبع.

    وذلك لأنّ الإِنسان لا يمكن أن يُتصور وحده منعزلاً مطلقاً, ولهذا فلا بدّ أن يوجد في جماعة. ويلاحظ أن في الأسرة علاقات ثلاثاً رئيسة: الأولى بين الزوج والزوجة؛ والثانية بين الآباء والأبناء؛ والثالثة بين العبيد والسادة.

    أما في النوع الأول, فإِنّ بين المرأة والرجل علاقات صداقة وعدالة, إِنّ للمرأة حق الاستشارة وحق التقرير, فيما يخص سياسة الأسرة الداخلية, لأن الطبيعة أعطتها حق العناية بالبيت والأولاد. وأمّا فيما يخص الشؤون الخارجية, فإِنها من مهام الرجل وحده.

    وفيما يتعلق بالنوع الثاني, فإِن الوالد ملتزم نحو أولاده بما يلتزم نحو ذاته, من محبة, وعناية خلقية وبدنية ومادية. ولذا يجب أن تكون تربية الأولاد في الأسرة, ولكن تحت إِشراف الدولة. ويلتزم الأولاد نحو والدهم بالمحبة والاحترام والطاعة.

    أما في النوع الثالث, فيرى أرسطو أن الرق مكروه, إِلاّ أنّه نظام طبيعي لا مفر منه, في تدبير شؤون المجتمع الاقتصادية ولاسيما شؤون المنزل. ومع أنّه يقرّ أن الطبيعة هي التي جعلت بعض الناس عبيداً وبعضهم الآخر سادة, فإِن العبودية التي تنجم عن الغلبة في الحرب عرضية. فقد يتفق أن يكون المغلوب أفضل من الغالب, وعندئذ يبيت السيد الطبيعي عبداً بالعرض, أو العكس. فيلزم عن ذلك,إِذن, أن العبودية من طبيعة الأشياء, إِلاّ أنّ من العبيد من لم يخلق للعبودية ومن السادة من لم يخلق للسيادة, فكان كلاهما عبداً وسيداًَ بالاتفاق.

    وإِذا كانت الأسرة لا تكفي نفسها, فيما يتصل بحاجاتها اليومية, فإِنها تكوّن مع غيرها من الأسر «القرية». وإِذا تعددت حاجات القرية, فاحتاجت إِلى غيرها من القرى, تكونت من ذلك دولة. هذه الدولة, التي تربط بين أسرها وقراها وحدة الأصل واللغة والمدينة, تبتغي ضمان حاجات المواطنين الأحرار, ليكونوا فضلاء وسعداء. ولكنها تحتاج لإِدراك هذه الغاية المنشودة إِلى سلطة, أو حكومة. وشكل هذه الحكومة, من ناحية الكمية, إِمّا أن يكون حكم الفرد, وإِمّا حكم الأقلية, وإِمّا حكم الجمهور. وكل شكل من هذه الأشكال الثلاثة يقسم, من ناحية القيمة, إِلى شكلين: صالح وفاسد. وهكذا تكون أشكال الحكم على ستة أنواع: ثلاثة فاسدة, هي, الحكم الاستبدادي والحكم الاليغاركي والحكم الديمقراطي, وثلاثة صالحة, هي, الملكية والأرستقراطية والحكم الدستوري.

    وبعد أن يحدّد أرسطو الأشكال الفاسدة للحكم. ويحلّل الأشكال الصالحة تحليلاً فلسفياً وتاريخياً واجتماعياً تاركاً لكل شعب اختيار الشكل الملائم المرتبط ارتباطاً طبيعياً بعقله وأخلاقه وتاريخه وتطوره ومشاكله, يؤكد أن حكم الفرد (الملكية) أفضل الأحكام الثلاثة, إِذا أمكن وجود هذا الفرد الكامل, على الرغم من استحالة وجوده. ويلح أرسطو, كما ألحّ أفلاطون من قبله, على أن السلطة تفسد الأخلاق, فيتحول الفرد إِلى طاغية, فيدوس القانون ويستعبد الشعب.

    ويعتقد أرسطو أن الدولة أو المدينة الفاضلة هي المدينة التي تتحقق فيها بعض الشروط الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية, وهذه الشروط, هي:

    ـ ينبغي ألاّ تكون ضخمة, حتى لا يستحيل حكمها, أو صغيرة, لكي تكفي ذاتها بذاتها.

    ـ ينبغي أن تكون متوسطة الاتساع, لكي تكتفي بحاجاتها المادية.

    ـ ينبغي أن تكون محصنة ومنيعة, لتتمكن من الدفاع عن ذاتها.

    ـ ينبغي أن تكون مبنية في مكان متوسط بين البحر والبر, لتكون المواصلات سهلة وسريعة.

    ـ ينبغي أن يكون الشعب كاملاً, جامعاً بين صفات سكان المناطق الحارة وسكان المناطق الباردة, أي بين سكان آسيا وسكان أوربة. وهذا ما ينطبق بوضوح على سكان اليونان, ولاسيما على سكان أثينة.

    ـ ينبغي تربية الشعب تربية تهدف إِلى تنمية القوى البدنية والعاطفية والعقلية, كل واحدة بحسب ترتيبها القيمي: تربية الجسد لأجل النفس, والقسم الأدنى من النفس لأجل القسم الأعلى منها, أي لأجل العقل. والواقع أن التربية هي الوسيلة الفعالة والكبرى لتحقيق المدينة الفاضلة.

    وإِذا كان أفلاطون قد عدَّ الفرد خلية حقيقية في كائن عضوي هو الدولة, لا حياة له تبعاً لهذا إِلاّ في الدولة, فإِن أرسطو, بعكس معلمه, أعطى الفرد استقلالاً وشيئاً من الحرية, ليحقق أغراضه الخاصة, بإِزاء الدولة. ولهذا فإِنّ أرسطو أخذ على معلمه إِنكاره للحياة الزوجية وللملكية الفردية, فهو يرى أنّ في الحرمان, من هذين الأمرين, عدم تحقيق لقيمتين رئيستين من الناحية الأخلاقية, هما: التهذيب الجنسي, ثمّ التفوق الاجتماعي. ولذا فإِنه يقول إِن الملكية الفردية يجب أن تكون موجودة وإِنَّ الزواج بصفته صلة بين فردين من جنسين مختلفين, أمر ضروري.

    العلوم الإِنتاجية – الوجود الفني

    موضوع العلوم الإِنتاجية صنع الأشياء المفيدة والجميلة. ولقد ألّف أرسطو كتاباً في الخطابة وكتاباً في الشعر.

    الخطابة:

    يهدف علم الخطابة, قبل كل شيء, إِلى الإِقناع.فهو أقرب إِلى علم الجدل منه إِلى علم الفلسفة. ويقوم علم الخطابة على تكوين سلسلة من الأقيسة المحتملة الإِضمارية المقنعة.

    أمّا الخطيب, فعليه اتباع الأمور الثلاثة التالية:

    ـ إِجادة الحجج المقنعة المنبثقة عن المبادئ الإِنسانية: مبدأ المنفعة العامة في الخطابة السياسية, ومبدأ العدالة في الخطابة العدلية, ومبدأ الجمال الخلقي في الخطابة الأخلاقية.

    ـ ولما كانت البراهين وحدها لا تكفي لتولّد الإِقناع والصدق, لذا يجب على الخطيب أن يدعمها بصدقه وإِخلاصه وشخصيته الجميلة, وبمعرفته العميقة للنفس الإِنسانية.ولذا يخصص أرسطو عدة فصول من المقالة الثانية لدرس عواطف النفس وانفعالاتها, (الغضب والوداعة, البغض والحب, الخوف والشجاعة, نكران الجميل ومعرفته, الحسد والغيرة, وغيرها), ولدرس نفسية الشاب والكهل والشيخ.

    ـ ويجب على الخطيب أن يهتمّ اهتماماً كبيراً بتقسيم الخطاب وبالجملة الخطابية وبالتعابير والألفاظ.

    الشعر:

    الشعر, في نظر أرسطو ومعلمه, تقليد. بيد أن أرسطو تعمق في دراسة طبيعة هذا التقليد, وخلص إِلى القول إِن الشعر تقليد حرّ؛ وذلك لأنّ الشعر يستطيع أن يصوّر الأشياء أجمل أو أقبح ممّا هي عليه في الواقع, إِلى حدّ ما, ولأنّه يصوّرها تصويراً عقلياً رصيناً, وقريباً من التصوير الفلسفي. وهذا التقليد الشعري الموسيقي تمتد أصوله البعيدة إِلى الغريزة, ويتكون بالممارسة, ويبلغ كماله بالمعرفة الفنيّة. والمأساة, الناجمة عن تطور الشعر,تمثّل في نظر أرسطو, الفن الشعري السامي. فمفهومه للمأساة قريب جداً من مفهوم راسين. ومع أنّ كثيرين يعتقدون أنّ قوانين الوحدة (وحدة الزمان والمكان والعمل) من جوهر المأساة وينسبونها إِلى أرسطو, فإِنّه في الواقع, لا يتكلّم قطعياً عن وحدة المكان, ولا يتكلّم إِلاّ عرضاً عن وحدة الزمان, في صدد كلامه على الفرق بين المأساة والملحمة. غير أنه يلحّ كثيراً على وحدة العمل, لأنها, في نظره, عنصر جوهري في المأساة. وأرسطو لا يقول بالفن لأجل الفن. فالفن عنده وسيلة لتطهير النفس, وبينه وبين علم الأخلاق صلة متينة.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك