تعرّف على قصة الطيار الإسرائيلي الذي أصرّ على لقاء عبد الناصر قبل حرب 67

تعرّف على قصة الطيار الإسرائيلي الذي أصرّ على لقاء عبد الناصر قبل حرب 67 – محمد نعيم

قبل عام من حرب 1967، قرر الطيار الإسرائيلي أيبي ناتان الانطلاق بطائرته الخاصة من تل أبيب إلى القاهرة، ولقاء الرئيس المصري حينئذ جمال عبد الناصر، لطرح مبادرة غير رسمية للسلام.

لكنه واجه صعوبات وعراقيل، وصلت حد اتهامه بالجنون وحب الظهور، لا سيما بعد فشله في جمع تواقيع من الإسرائيليين لدعم خطوته.

01339-000-21

لم يتراجع ناتان عن قراره، وفي اليوم الموعود، 28 فبراير 1966، استقل طائرته الخاصة التي أسماها “السلام 1″، وتوجه بها إلى مصر. ورغم أنه هبط بسلام في مطار مدينة بورسعيد، فإن الصحافة الإسرائيلية، أكدت في تقارير صبيحة اليوم التالي أنه لقى حتفه.

وفي حين لم يعلم ناتان بما كُتب عنه في بلاده، أبلغه محافظ بورسعيد بالخبر، وحفزه على ضرورة العودة إلى إسرائيل، بعد مماطلة أبداها ضيف لم يستأذن دخول البلاد، بحسب تقرير نشره موقع “المكتبة الوطنية الإسرائيلية”.

وهنا نص التقرير:

عام 1958، عمل أيبي ناتان في سلسلة مطاعم أمريكية مختصة بإعداد وجبة الهامبرغر، واكتسب خلال عمله خبرة فائقة، أهلته في ما بعد لافتتاح مطعم بشارع فريشمان دازنغوف في تل أبيب، أطلق عليه اسم “كاليفورنيا”.

01352-000-14-940x600

أقبل العملاء على مطعم ناتان بصورة غير متوقعة، خاصة أن سيرته الذاتية تضمنت علامات استفهام فارقة، جاء في طليعتها كاريزما خاصة، جعلته كنجوم السينما، أكثر من كونه مجرد صاحب مطعم، فضلاً عن محطات أخرى مريبة في حياته، منها نشأته في إيران، ومشاركته في حرب 1948، وعمله طياراً بعد ذلك في شركة الطيران الإسرائيلية “إيل عال”.

في البداية، استشعر ناتان ظلماً بعد انتقاله من العمل طياراً إلى صاحب مطعم، إلا أنه بمرور الوقت تسلل إليه عشق حياة الليل في تل أبيب، ومحورية الدور الذي يلعبه في عالم الليل. وانتهز الفرص السانحة للقيام بأنشطة خيرية كثيرة من خلال المطعم، فخصص وجبات طعام مجانية لعدد كبير من الفقراء والمحتاجين.

وبعد قصة حب فاشلة، قرر ناتان أن يطوف العالم، وخلال ستة أشهر كاملة، تجول في عدد كبير من الدول، من دون أن يحدد أين يضع رأسه ويخلد للنوم في كل ليلة. وبعد عودته في نهاية المطاف إلى إسرائيل، شعر برغبة في خوض مغامرة جديدة.

وفي وقت كانت تستعد إسرائيل لإجراء انتخابات عامة عام 1965، واشتعلت حدة النقاش السياسي بين جنبات مطعم “كاليفورنيا”، خاصة في ما يتعلق بالجمود السياسي في إسرائيل، سأل ناتان أصدقاءه: “لماذا لا نذهب نحن لهم؟”، في إشارة إلى الدول العربية المعادية لإسرائيل.

لم يفرغ ناتان من سؤاله، إلا واجه رداً متشنجاً من أحد أصدقائه في المطعم: “سئمنا الحديث الكثير عن تلك المبادرات، فجميعها لا تتجاوز حاجز الكلمات، لذا: هل يمكنك القيام بذلك؟”، فرد ناتان بالإيجاب، ما حدا صديقه على جره إلى إحدى زوايا المطعم وهمس في أذنه: “لماذا إذاً لا تخوض غمار المنافسة في انتخابات الكنيست المقبلة؟”.

وبدلاً من أن يتحرك ناتان إلى الوراء، كخطوة أولية للتراجع، اشتعلت الفكرة في رأسه، ولم يقرر فقط خوض الانتخابات، وإنما أوضح للمحيطين به في الليلة ذاتها، أنه إذا اقتنص مقعداً في الكنيست، سيطير فوراً إلى القاهرة للقاء عبد الناصر، وبدلاً من تقديم نفسه على أنه مجرد مواطن إسرائيلي، سيقف أمام الرئيس المصري مرتدياً بزة السياسي، ما يضفي على الزيارة وصاحبها ثقلاً كبيراً.

تبعات سلبية تنعكس على سُمعة المطعم

في بداية العقد الخامس من عمره، وباستحواذه على ثروة ووضعية اجتماعية جيدتين، قرر ناتان تجنيد نفسه للمبادرة الجديدة: إرساء سلام بين دولتين كبيرتين، هما إسرائيل ومصر. كانت تلك المبادرة غريبة الأطوار، لا سيما في ظل الخطاب العربي السائد في حينه، وكان مفعماً بالعداء والكراهية حيال إسرائيل، وبالأخص ما جاء منه على لسان عبد الناصر.

أكد أصدقاء ناتان له أنه سيرتكب خطأ فادحاً إذا قرر خوض الانتخابات، وأن القرار سينطوي على تبعات سلبية، تنعكس على سُمعة المطعم، لكن ناتان أصر أكثر من السابق على الفكرة وقبل التحدي، نظراً لطبيعة شخصيته العنيدة.

جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، ولم يحصل ناتان إلا على 2.500 صوت من إجمالي أصوات الناخبين، ولم يتجاوز هذا الرقم 1% من الأصوات، الأمر الذي أحبط تطلعاته السياسية.

وفي الوقت الذي قدم فيه رئيس الوزراء الأسبق ليفي أشكول حكومته إلى الجماهير، ألمح لمواطني الدولة العبرية أنه “حان الوقت لتخفيف حدة الحماسة المفرطة، التي تبنتها الحكومة السابقة، وضرورة السعي بوعي إلى تطبيع العلاقات مع مختلف دول العالم”. لكن ناتان سعى إلى التطبيع مع جيران إسرائيل، واختار لذلك طريقاً غير تقليدي.

في البدء، حاول السياسي الفاشل الحصول على دعم الجماهير في الخطوة التي يشرع فيها، لكن الفكرة التي طرحها أثارت دهشة الجميع: إذا نجحت الوثيقة التي يعتزم جمع مئة ألف توقيع عليها، فسيطير فوراً إلى مصر، ويطلب لقاءً شخصياً مع رئيسها جمال عبد الناصر.

علق ناتان بهذا الخصوص ما يربو على مئة لافتة في الشوارع والميادين، ونشر عدداً كبيراً من الإشعارات في الصحف الإسرائيلية. وعندما سمعت الحكومة المصرية عن المبادرة المريبة، ألمحت من خلال صحفها الرسمية إلى أنه في الوقت الذي يجتاز ناتان الحدود، سيفتحون النيران على طائرته.

profile715x537-14

“غريب الأطوار”، “مجنون”، ونعوت أخرى التصقت بالطيار الإسرائيلي السابق، وقطعت الجماهير مسافات طويلة للوصول إلى شارع فريشمان دازنغوف في تل أبيب، وتحديداً إلى محل “كاليفورنيا” للتهكم والسخرية من ناتان، بالإضافة إلى إلقاء نظرة بدافع الفضول على الطائرة “ستيرمان”، التي يعتزم الطيران بها في رحلته المرتقبة، لا سيما أنه وضعها في منطقة متاخمة للمطعم، بعد أن صبغها باللون الأبيض، وكتب عليها بالعبرية والعربية والانكليزية “السلام 1”.

 شاب “البلاي بوي” لن يتراجع عن جنونه

أقلية محدودة اقتنعت بأن الشاب الذي يشبه نجوم “البلاي بوي” لن يتراجع عن فكرته المجنونة، وكان أحد هؤلاء صحافياً في جريدة معاريف، تلقى أوامر من الجريدة بالوقوف في تمام الساعة السادسة والنصف صباحاً، رفقة مصور في المطار الصغير بهرتسليا.




التاريخ الذي حدده للرحلة كان 28 فبراير 1966، وعندما حرك ناتان الطائرة متجهاً إلى مصر، التي كانت هدفاً داعب خيالة طوال عام كامل، تفهم مستخدمو المطار أن الحديث لا يدور حول التقاط بعض الصور فقط.

01339-000-41

في صبيحة اليوم التالي، نشرت وكالة الأنباء الأمريكية أسوشيتد برس خبراً درامياً مفاده: أن الطائرة “السلام 1” سقطت قبل الوصول إلى هدفها.

الخطأ الذي جعل الوكالة تجزم بسقوط الطائرة، جاء نتيجة قرار ناتان الهروب من أجهزة الرادار الإسرائيلية، إذ قال في مذكراته: “يجب أن أعترف أنني بشكل عام طيار حذر، لا يعرض نفسه لخطر المغامرة، لكن رغبتي في عدم الظهور على شاشات الرادارات، حددت في هذه المرة أسلوب الطيران”.

في البداية توجه ناتان بزاوية حادة باتجاه البحر، وبدا كما لو لامس أسطح منازل تل أبيب خلال الطيران.

انطلقت طائرات من سلاح الجو الإسرائيلي باتجاه طائرته لإقناعه بالعدول على خطوته الجريئة، إلا أنه نظراً لعدم وجود جهاز في الطائرة، لم يكن باستطاعته بث رسائل، يؤكد فيها إصراره على الوصول إلى الهدف.

خلال ساعات معدودة وصل إلى مدينة بورسعيد في سيناء، فخزان الطائرة الذي تناقص الوقود فيه، أجبره على الهبوط بالطائرة في مطار المدينة.

مرت دقائق طويلة قبل أن ينجح ناتان في إقناع المراقبين المتوترين بأن الشخص الذي يقف أمامهم، جاء مباشرة بطائرته من تل أبيب، لا سيما أنهم لم يسمعوا عن الطيار الإسرائيلي الذي أكد إصراره على لقاء عبد الناصر.

محافظ مدينة بورسعيد كانت لديه معلومات أكثر من المراقبين، وأبلغ ناتان بأن الصحف الإسرائيلية تسرعت ونشرت خبراً عن سقوط طائرته ومصرعه، وبعد مشاورات مع السلطات في القاهرة، تقرر تزويد طائرة ناتان بالوقود، والسماح له بالعودة إلى إسرائيل. ووجه محافظ بورسعيد خطابه إلى ناتان: “إذا ما سألنا أحد عنك، فسننكر أنك كنت هنا، للحيلولة دون مثولك أمام القضاء في إسرائيل”.

الوقت متأخر جداً للعودة إلى إسرائيل

نظراً لفشله الذريع في تحقيق حلمه، شعر باليأس، وأصبح كل ما يشغله هو قضاء ليلة في أرض مصر، فحاول المماطلة وإضاعة الوقت بحيل مختلفة، بدأها بتأكيد شعوره بالجوع، وبعد تناول وجبة العشاء، تلكأ في طريقه إلى المطار، وهناك أوضح ببطء وإسهاب لمسؤول الطواقم الأرضية أن الوقت بات متأخراً جداً، ولن يمكنه الطيران بأمان للعودة إلى إسرائيل.

01339-000-12-917x600

في برج المراقبة، وفيما انتظر الجميع متابعة طائرته من مكان مرتفع، لعب ناتان “لعبة الورق” مع المراقبين الجويين الذين أصيبوا بالملل من وجوده، وبعد أن حصل على كل أموالهم، خرج ناتان لاستقبال المحافظ، الذي عاد في زيارة إلى المطار، واستجاب لطلب الطيار الإسرائيلي باصطحابه في جولة بشوارع بورسعيد لشراء “بيجامة” للنوم.

تعاطف البائع مع ناتان حينما عرف قصته، وفي محاولة لتكريم أول ضيف إسرائيلي يزور متجره، منحه أكثر من هدية. في صبيحة اليوم التالي، صعد ناتان على متن “السلام 1” في طريق عودته إلى إسرائيل.

المعلومات المتناثرة عن عودة أيبي ناتان إلى بلاده كانت حديث كل شخص في إسرائيل، والجماهير التي استقبلت الأسير العائد تجاوزت الآلاف، وغنوا فرحين بقدومه سالماً، بينما صب أصدقاؤه “الشمبانيا” على رأسه، وصافحوه وعانقوه في كل مكان بالمطار. ووقفت أمام المطار إحدى سيارات الشرطة، التي اصطحبته إلى التحقيق، لكن المحققين أطلقوا سراحه بكفالة بعد وقت وجيز.

المصدر: رصيف 22

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك