معلومات ربما لا تعرفها عن إمام الشيعة الغائب !

اعتاد المسلمون في ليلة النصف من شعبان في كل عام، أن يحتفلوا بذكرى تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، ولكن الأغلبية الغالبة من المسلمين لا تعرف أنه في نفس هذا اليوم تحل ذكرى أخرى مقدسة عند قطاع كبير من المسلمين، وهم الشيعة الإمامية الإثناعشرية، في إيران والعراق وسوريا ودول الخليج العربي.

ففي الخامس عشر من شعبان، يحتفل أبناء المذهب الإثناعشري بولادة محمد بن الحسن العسكري، آخر حلقة في سلسلة الأئمة والمهدي المنتظر الموعود، المُبشر بأن يقيم دولة السلام والعدل الإلهي.

في هذا المقال، نتعرض لأبرز النقاط الجدلية المتصلة بموضوع مهدي الشيعة الغائب، تلك التي لطالما أثيرت حولها المخاصمات والنقاشات ما بين المسلمين.

الاسم واللقب والنسب

مهدي الشيعة الإثناعشرية، هو محمد بن الحسن العسكري ابن علي الهادي ابن محمد الجواد ابن علي الرضا ابن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ابن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

وهو الإمام الثاني عشر في سلسلة الأئمة الذي تعتقد أغلبية الشيعية بعصمتهم وإمامتهم وأحقيتهم بخلافة الرسول الكريم.

ولمحمد بن الحسن، عدد كبير من الألقاب، وصلت عند بعض العلماء لإثنين وثمانين لقباً، من أشهرها الحجة والمهدي والقائم وصاحب الزمان والصاحب والغريم والشريد والمنتظر وماء العين والخلف الصالح.

الولادة والمعجزات المرتبطة بها

قضية مولد محمد بن الحسن من القضايا التي توجد فيها خلافات واسعة ما بين الشيعة الإمامية والسنة، فبالنسبة للسنة فإن أكثر علمائهم، ومنهم الطبري وابن حزم يؤكدون على أن الحسن العسكري لم يولد له أي ابن، وأنه عندما توفي وزعت تركته ما بين أخيه جعفر وأمه.

أما عند الشيعة الإمامية فإنه من المقطوع به والمسلم بصحته أن محمد بن الحسن قد ولد في مدينة سامراء، ليلة النصف من شعبان في عام 255هـ، وأن أباه قد أخفاه عن أعين الناس خوفاً عليه.

ويعتقد الشيعة أن ولادة المهدي قد ارتبطت بعدد من المعجزات والكرامات الباهرة، منها ما يذكره الطبرسي في كتابه أعلام الورى، من أن أثار الحمل لم تظهر مطلقاً على أمه، وأنه بمجرد ولادته قد سقط جاثياً على الأرض ورفع سبابته إلى السماء، ونطق قائلاً أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

ويعتقد الإمامية أن جعفر عم المهدي، قد كذب وضل عندما ورث أملاك أخيه ولم يعترف بولادة ابنه، ولذلك شاع وصفه في كتبهم بجعفر الكذاب.

الدخول في فترة الغيبة

يعتقد الشيعة الإثناعشرية أنه عقب وفاة الحسن العسكري، في 260ه، كانت السلطات العباسية تبحث عن ابنه محمد الذي كان يبلغ من العمر وقتها خمس سنوات فحسب، لقتله أو اعتقاله، مما جعله، حسب الرواية الشيعية، يختفي عن الأنظار هرباً من الملاحقة العباسية المستمرة، وقد عُرفت تلك الفترة بفترة الغيبة الصغرى واستمرت في الفترة من 260هـ -329هـ، وكان التواصل فيها ما بين المهدي وأتباعه، يتم عن طريق وكيل أو سفير للإمام، يقوم هو بنفسه باختياره.

وفي عام 329هـ أبلغ الإمام أتباعه – عن طريق علي بن محمد السمري – أن علياً هو أخر سفرائه إليهم، وأن الإمام سوف يدخل فترة الغيبة الكبرى، ووجه شيعته بالاقتداء بالعلماء والفقهاء المعروفين بالسيرة الحسنة، وأن يستفتونهم ويعرضوا عليهم المشكلات الفقهية التي تعرض لهم.

أين يعيش المهدي المنتظر في فترة الغيبة؟

منظر عام لضريح الامام العسكري في مدينة سامراء عام 1916 م منظر عام لضريح الامام العسكري في مدينة سامراء عام 1916

أحد أهم الإشكالات فيما يخص موضوع المهدي المنتظر عند الشيعة، هو أن السنة يتعجبون من اعتقاد الشيعة الإمامية بكون مهديهم وطوال تلك السنوات، ما يزال متغيباً في أحد السراديب الخفية في مدينة سامراء.

ولكن في الحقيقة، فإن ذلك الاعتقاد المنسوب إلى الشيعة غير دقيق، ذلك أن الإثناعشرية لا يقولون إن المهدي يعيش في سامراء أصلاً، بل وردت في كتبهم الكثير من الروايات التي تذكر عدد من المدن والمناطق التي يزورها ويعيش فيها.

على سبيل المثال يذكر محمد باقر المجلسي المتوفى عام 1111هـ، في كتابه بحار الأنوار، أن المهدي قد عاش في المدينة المنورة، وفي جبل رضوى القريب من المدينة، كما يذكر بعض الروايات التي تقول ان المهدي يعيش في جزيرة تعرف باسم الجزيرة الخضراء وهي في مكان غير معروف على وجه الدقة.

ويرى أغلب علماء الشيعة المعاصرين، أن المهدي يتنقل بين المناطق والأقاليم، فكما يؤكد الشيخ أحمد الوائلي في كتابه عن المهدي المنتظر (إن إمام زماننا يعيش بين أظهرنا ويتفقد أحوالنا).

عمر المهدي المنتظر؟

أحد أقوى سهام النقد التي يوجهها أعداء المذهب الإمامي له، هو ذلك الذي يتعلق بمسألة عمر المهدي الغائب.

فإذا تماشينا مع الروايات الشيعية التي تؤكد ولادة محمد بن الحسن في 255هـ، فإن ذلك يعني أن عمره الآن قد زاد عن الألف ومائة عام، وهو ما يخالف ابسط قواعد المنطق والطبيعة البشرية، التي تؤكد استحالة أن يصل إنسان لذلك العمر.

يرد علماء الشيعة الإثناعشرية على تلك النقطة، بمجموعة من الأدلة، أولها أن الأمر مردود لأن يكون معجزة وكرامة من عند الله عز وجل، وأنه يشبه الكثير من المعجزات التي منحها الله لأنبيائه ورسله.

وثاني الردود، هو أن طول العمر ليس بسمة منحصرة في شخص المهدي فقط، بل إن كتب أهل السنة تذكر عدد ممن ولد قبل المهدي وما زال يعيش حتى الأن.

فالاعتقاد التقليدي عند السنة يقول بحياة عيسى بن مريم منذ ولادته وحتى الأن، كما أنه قد ورد في صحيح مسلم ما يُفهم منه أن المسيح الدجال كان حياً زمن الرسول، وكذلك ذكر الإمام النووي في كتابه تهذيب الأسماء، أن الخضر الذي ورد ذكره في سورة الكهف، يعيش حتى الأن رغم أنه كان معاصرا للنبي موسى.

أيضاً يستدل الشيعة بما ورد في القرآن والسنة من طول أعمار بعض الأنبياء المتقدمين، مثل نبي الله نوح، الذي ظل يدعو قومه للتوحيد لـ950 عاماً.




هل اتصل المهدي بأحد من الناس في غيبته؟

تذكر المصادر الشيعية الكثير من الروايات التي تزعم أن المهدي قد التقى بعدد من الناس وعرفهم بنفسه، وظهرت لهم بعض الكرامات والخوارق على يده.

وقد اهتم العلامة المجلسي بتلك الروايات فخصص لها جزء من موسوعته بحار الأنوار، حيث ذكر قصص لقاء المهدي ببعض المؤمنين به في الحلة والكوفة، وكيف أنه شفى بعضهم من الأمراض التي اصابته، وعلم البعض الأخر بعض الأدعية والصلوات.

وكذلك اوردت الكتب أن المهدي قد اتصل ببعض من شيعته، فهو يبشر أحد الشيعة بأنه سيولد له ابن يصير من كبار العلماء، وهو الذي عرف بعد ذلك بالصدوق.

وكذلك ورد ان المهدي قد بعث بعدة رسائل إلى محمد بن النعمان العكبري المعروف بالشيخ المفيد المتوفى في 413هـ، وكان أعظم علماء الإمامية في عصره.

كما نُقل إن المهدي قد قدم على العلامة ابن إدريس الحلي المتوفي 598هـ، في منزله وساعده في استنساخ كتاب كبير الحجم في وقت قصير جداً.

متى يظهر؟ وماذا يفعل بعد ظهوره؟

يرتبط ظهور المهدي بوصول الظلم والجور في العالم إلى أقصى مدى له، وتتفق على ذلك الروايات والأحاديث السنية والشيعية، فمما ورد في ذلك في كتب السنة، ما أورده أبو داوود في سننه من قول الرسول الكريم في وصف المهدي إنه (يملأ الأرض قسطا وعدلاً، كما ملئت ظلما وجوراً).

وتؤكد المصادر الشيعية أن ظهور المهدي سوف يكون قريباً من آخر الزمان، وتذكر الكثير من الشروط والعلامات التي قد تدل بوقوعها على قرب ظهور المهدي المنتظر، من تلك الشروط ما يذكره الشيخ المفيد في كتابه الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، من خسوف القمر وكسوف الشمس وظهور نجم ساطع نوره مثل نور القمر وتحول لون السماء للحمرة وهبوب ريح قوية مدمرة وحدوث الزلازل وانتشار الجراد وقلة الزرع والثمرات واقتتال الناس فيما بينهم وبين بعض.

وتتفق الروايات الشيعية على أن المهدي بعد ظهوره سوف يتوجه إلى مكة والكوفة، وسوف يطلب البيعة من أنصاره وشيعته، وعندها سيقدمون عليه بالآلاف من شتى أنحاء المعمورة.

وسيكون معه 313 من أصحابه المؤمنين الأتقياء، الذين يتفق عددهم مع عدد المسلمين في غزوة بدر. وسيدخل المهدي بعدها في حرب ضد قوى الشر والظلام التي يقودها المسيح الدجال وأتباعه من اليهود والمشركين، وينتصر عليها كلها، ويقتل الدجال، ثم يؤسس حكماً عالمياً يسوده الحق والعدالة، وينعم فيه المؤمنون ويأمنون.

وتختلف الروايات في مدة حكم المهدي، لكنها تجتمع على كونها فترة طويلة جداً، وأنه سيموت بعد أن يسلم راية القيادة لواحد من أبنائه المهديين الذين بشرت بهم الأحاديث الشيعية.

الطقوس المصاحبة لذكر اسمه

من المعروف في الأوساط الشيعية، أنه من المكروه أن يُذكر اسم محمد بن الحسن العسكري، وذلك لما رواه الكثير من العلماء الشيعة في كتبهم، مثل ما نقله الشيخ الصدوق في كتابه إكمال الدين واتمام النعمة، من قول جعفر الصادق (صاحب هذا الأمر –يقصد المهدي-لا يسميه باسمه إلا كافر).

ولعل السبب في هذا هو أن الشيعة المتقدمين، كانوا يخافون من أن تعرف السلطات العباسية بأمر المهدي، مما كان يمثل خطراً شديداً عليه، ولذلك كان يتم الإشارة إلى المهدي بألقابه عوضاً عن اسمه.

وتوجد عدد من الطقوس التي يلتزم بأدائها الشيعة الإمامية عندما يذكر لقبه، ومن تلك الطقوس القيام واظهار الاحترام والتبجيل، ووضع اليد على الرأس.

وقد ذكر العلامة الشيعي الميرزا حسين النوري الطبرسي المتوفى في عام 1320ه، في كتابه النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجة الغائب، أن تلك الطقوس قد وردت عن بعض الأئمة مثل الإمام السادس أبو عبد الله جعفر الصادق والإمام الثامن علي الرضا.

وقد اعتاد عامة الشيعة، على أن يرددوا عبارة (عجل الله فرجه الشريف)، عند ذكر لقبه أو الإشارة إليه.

المصادر: القرآن الكريم؛ صحيح مسلم؛ سير أعلام النبلاء للذهبي؛ تاريخ الرسل والملوك للطبري؛ الفصل في الأهواء والملل والنحل لابن حزم؛ الإرشاد لمعرفة حجج الله على العباد للشيخ المفيد؛ إعلام الورى بأئمة الهدى للطبرسي؛ بحار الأنوار للمجلسي؛ هوية التشيع لأحمد الوائلي؛ تهذيب الأسماء للنووي؛ سنن أبي داود؛ كمال الدين واتمام النعمة للشيخ الصدوق؛ النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجة الغائب للميرزا النوري.

المصدر: رصيف 22

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك