هل انتهى تاريخ صلاحية الإسلام ليلعب دور الضحية بأكذوبة بورما ؟

هل انتهى تاريخ صلاحية الإسلام ليلعب دور الضحية بأكذوبة بورما ؟ – حمودة إسماعيلي

ما الفرق بين صحيفة موثوقة وأخرى غير موثوقة؟ تتحرى الصحف الموثوقة حول مصادر المعلومات وتُخضِع الشرائط والمعطيات للتدقيق والفحص، بغض النظر عن مراسليها بعين المكان. أما الصحف غير الموثوقة فتشترك بتحمّسها المفرط لنشر كل ما يصلها، أو ما لا يصلها، ويصل الأمر حد تضخيم الخبر وتزييف المعطيات لجذب الانتباه! وليس الهدف إيصال المعلومة بشكل حماسي سخيف، إنما يتعلق الأمر بالربح والشهرة ومنافسة الصحف الموثوقة بالاندفاع الإعلامي السطحي!

منذ سنوات، والصحف غير الموثوقة بما في ذلك الصفحات الاجتماعية (التي تظهر بين ليلة وضحاها) وتتطرق لكافة المواضيع: من الطبخ حتى الفيزياء الذرية.. تستدرج سذاجة المشاهد عبر ربط صور -لزلازل بشرق آسيا، عمليات لجوء، إضرابات بالهند، مساجين بأمريكا اللاتينية- بمسلمي بورما! لا أحد يتعرض للحرق والتعذيب في بورما لو كلّف الواحد نفسه بعض الجهد للتحري حول الموضوع، بدل مسايرة العملية الاستدراجية وتعميم الأخبار الزائفة والغبية!

المسلمون في بورما يمثلون أقلية دينية، وبعيداً عن الصور الاستفزازية، فإن المسلمين عانوا من الاضطهاد الديني منذ القرن السادس عشر (الاضطهاد تضييق وليس بالضرورة تعذيب بالكابلات!). بورما تعرضت بتاريخها للاحتلال الماغولي ثم البريطاني، الأمر الذي ولّد رد فعل معادياً لدى البوذيين، فهم يعادون المسلمين وكذلك الهندوس! والموقف عائد لخلافات عقائدية، حيث يرى البوذيون في المسلمين أقلية مستفزة بطقوسها الدينية، وبالمقابل يرى المسلمون في البوذيين عبدة أوثان (بالعمق سوء المعيشة يرخي بظلاله من بعيد). وكما في جل البلدان التي تعاني مشاكل اقتصادية وسياسية، فإن خلافات بسيطة بين المواطنين يمكن أن تتضخم نتيجة الإسقاطات العقائدية المتنازعة: ما يولّد اضطرابات تعيد إبراز الشروخات القبلية، كما بأحداث التسعينيات وبداية الألفية، كل ذلك يساهم، كما يتأثر، بالاستقرار السياسي المتزعزع! ففي سنة 2012 وصل الاشتباك إلى أوجه، فتعرضت مساجد المسلمين وبيوتهم للحرق -وهي أحداث شغب شعبية طائفية- لأن حكومة بورما تعتمد على مبادئ المواطنة، ففي 2005 أصدرت وزارة الشؤون الدينية بياناً حول أحقية كل ديانة بالدولة بحرية الممارسة. فالنزعات المتبادلة والمؤسسة تاريخياً هي سبب الخلاف، إضافة لعوامل اقتصادية تدفع الأقليات للجوء لبنغلاديش وتايلاند اللتين تغلقان حدودهما، فبِهما ما يكفيهما! وليس كما تتناقله الصور المفبركة والأخبار المتسرّعة من تصوير بورما ضحية لتجبّر السلطة، هذه الأخيرة التي تتدخل لفك الاشتباكات ومتابعة المتنازعين قضائياً، كما في أي شغب بدولة أخرى.




تاريخياً، وما نتعلمه بمدارسنا منذ الطفولة، هو تصوير الإسلام كضحية منذ بداياته لحد الساعة.. هناك مرجعية تاريخية تتحدث عن إمكانية أي حضارة متقدمة للتّوسع سياسياً كمبدأ اقتصادي.. في حالة الإسلام، يطلق على العملية من وجهة نظر هوياتية بنشر الإسلام، من وجهة نظر موضوعاتية: هي فتوحات، ومن وجهة استشراقية فالأمر عملية إمبريالية لا تختلف عن سابقاتها ولاحقاتها التاريخية، كمبدأ سياسي واقتصادي عام بالتاريخ الحضاري. تعمّمت الصورة (الخاصة بالضحية) بعد صدمة الانقلاب الأوروبي، وتوسّع الحضارة المسيحية! ظل الإسلام مستهدفاً (مفهومياً) حتى بظل سياسات الأسواق التي تعتمد على الخدمات والإنتاج والأرباح دون التفات لمذهب الشافعي أو آذان الشيعة أو حتى وضعية اليوغا البوذية! ما دامت تلك أموراً هامشية بصناعة الاستهلاك.

عندما تذهب للمعالج النفسي بهدف العلاج، فإن أساس نجاح العلاج يعتمد على إخراجك من دور الضحيّة لتتمكن فكرياً من التغلب على مرضك.. ما علينا من شطحات النفسيين والمطوّرين العصبيين للذات وإخصائيي التغذية وكل من هبّ ودبّ بالعلوم الزائفة؛ النقطة المهمة هي أن الإسلام صار ضحية بورما، ضحية داعش، ضحية الصهيونية، ضحية الماسونية، ضحية ترامب، ضحية الاتحاد الأوروبي، ضحية السيسي، ضحية المكتبة العامة، ضحية هذا المقال، وكاتب هذا المقال، وقارئ هذا المقال.. هل انتهت صلاحية الإسلام ولم يعد صالحا سوى كضحية ؟!

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك