هل نحتاج إلى رؤية الملائكة لكي نؤمن ؟

هل نحتاج إلى رؤية الملائكة لكي نؤمن ؟ – طاهر يونس حسين

غالباً ما يطالب الناس بالمعجزات حتى يأتيهم اليقين .. سواء من كان منهم مؤمناً أم منكرا و ذلك كرؤية الملائكة .. الجن .. الجنة .. النار و حتى رؤية الله جهرة ” أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ” الإسراء:92

لو فرضنا جدلاً أنه لا يوجد على سطح الكرة الأرضية مخلوقات مثل الأبقار و العجول و الجواميس و البغال..إلخ، و أنَّه لا يوجد في قاموس الإنسان شيء اسمه الأبقار و البغال.. كونها مخلوقات غير موجودة على سطح الكرة الأرضية، و لو فرضنا أنَّ الحجاب قد كُشف عن عين الإنسان، ثمَّ فجأة ظهرت أمامه هذه الأبقار و هذه البغال.. عندها سيصاب بالذهول و الدهشة من رؤية هذه المخلوقات الغريبة، و لكن لا تلبث هذه الدهشة أن تفتر و تتلاشى بعد مدة من الزمن نتيجة الألفة و العادة، و ستصبح رؤية الأبقار شيئاً عاديا .. معنى المثال السابق هو أن الملائكة و الجن و الشياطين..إلخ هي أيضاً مخلوقات مثلها مثل بقية المخلوقات، و لكنّها قد تختلف في التركيبة و القدرة، و مع ذلك فهي في النهاية عبارة عن مخلوقات كبقية الكائنات الحية، فلو كُشف الحجاب عن عينيك، ثمَّ رأيت الملائكة و الجن، فإنَّ الدهشة سوف تتلاشى بعد فترة من الزمن، و ستصبح رؤية الملائكة شيئاً بديهيا، و كأنك تنظر إلى أي مخلوق على وجه هذه الأرض .. مثلها مثل أي طائر يطير في السماء.. هل أصابك الذهول في يوم من الأيام من رؤية حمامة تطير في السماء؟!




المغزى من كل هذا الكلام أنَّ الإنسان ليس بحاجة إلى أن ينتظر حتى يُكشَف الحجاب عن عينيه.. لكي يأتيه اليقين، فمن حوله يوجد أكثر من ثمانية ملايين صنفاً من أصناف المخلوقات الرهيبة.. أي أكثر من ثمانية ملايين معجزة من حيوانات و حشرات و طيور و نباتات بأعدادها الهائلة و تنويعها الرهيب، و الله قد كشف الحجاب عن عينيك في هذه الدنيا و ذلك لكي تشاهد عجيب صنعته، و لكن الألفة و العادة جعلتنا ننسى الإعجاز في كل هذا.. مع أنَّها قد لا تقل دهشة و غرابة عن الملائكة و بقية المخلوقات المخفية، و الإنسان هذا الكائن الطماع الجاحد.. لم تعجبه ملايين الأدلة من حوله .. بل أصبح يطالب بالمزيد من الأدلة و البراهين، فهو يريد رؤية الملائكة و الجن و ما تحتويه السماء من مخلوقات و ذلك لكي يزداد إيماناً و يقينا، و لكن من لم تكفيه كل هذه الأدلة من حوله، فلن يؤمن و لو رأى أي شيء، فالقضية عنده قضية تكبر و هوى نفس.. أكثر من أن تكون قضية بحث عن حقيقة ” وَ إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُون ” البقرة:55

لن يدرك الإعجاز في كل هذا إلا رجلاً أعمى قد رد الله إليه بصره لتتفتح عينيه على ملايين الأدلة من حوله .. هذا سيبقى بصره شاخصاً من بديع ما يرى.. أو رجلاً قد أسقط حاجز الألفة و العادة عن كل ما يرى من حوله، ثم بدأ بمراقبة الوجود و كأنه يشاهده لأول مرة في حياته.. أما المنكرون فقد فقدوا دهشة هذه الأدلة نتيجة ألفة النظر التي تقتل معنى كل الأشياء.. ” وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَ تَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لَا يُبْصِرُون ” الأعراف:198؛ لأنَّ السَّمع و البصر يتمان داخل الدماغ، و المنكرون أشبه ما يكونون بكمبيوتر فيه أدوات تلقي المعلومات سليمة، فأدوات الإدخال العين و الأذن سليمتان و لكن الخلل يتم في عقولهم ..كأَن نقوم بإدخال معلومات بصمة الإصبع إلى برنامج كمبيوتر يتعرف على القزحية.. عندها سيعطيك استنتاجات و قرارات خاطئة ليس لها علاقة بالموضوع، و هؤلاء ينظرون إليك و لا يبصرون و يتلقون الأصوات و لا يسمعون .

” وَ لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَ لَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا.. أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ.. أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُون ” الأعراف:179

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك