مقال مبسط في فلسفة العلم .. هل يصلح العلم كأداة لإطلاق الأحكام الشاملة على المفاهيم الغيبية ؟

مقال مبسط في فلسفة العلم .. هل يصلح العلم كأداة لإطلاق الأحكام الشاملة على المفاهيم الغيبية ؟

إنَّ السبب الذي يحملنا على تصديق نظرية أو قانون أو نص ما.. هو أننا نستطيع من خلاله أن نستنبط مبادئاً يمكن تدقيقها بالمشاهدة و التجربة، و بعبارة أخرى نحن نصدق النص بسبب نتائجه، فنحن نصدق قوانين نيوتن لأننا نستطيع من خلالها أن نحسب حركة الأجرام السماوية، و إنَّه بحسب فلسفة القرون الوسطى هناك معيار آخر لتصديق نص معين، و هو أنه يمكن استنباطه منطقياً من المبادئ الجلية أي من المبادئ الفلسفية العقلية ..أما من وجهة نظر العلوم الحديثة، فهي تأخذ بعين الاعتبار سبباً واحدأ لتصديق النص، و هو السبب الذي يجعل من النص متفقاً مع المشاهدة و التجربة، و هو ما يسمى بالمعيار العلمي،

و بالتالي فإنَّ اتفاق نص معين مع المشاهدات يجعلنا نؤمن أن هذا النص هو عبارة عن نص سليم و يمكن اعتباره نتيجة علمية مسلم بها، و لكن هذا لا يعني و لا بأي شكل من الأشكال أنَّ هذا النص هو نص حتمي، و هو الذي يفسر الظاهرة بشكل مطلق، فمن الممكن أن نستنبط نفس النتائج المشاهدة من مجموعة مختلفة من المبادئ و النصوص، و قد طرح فيليب فرانك في كتابه فلسفة العلم مثالاً على ذلك يقول فيه: لنفرض مثلاً أن حافظة نقود شخص ما قد اختفت.. عندها يمكننا أن نقول بأنَّ شخصا ما قد سرقها، و من ثم يمكننا أن نستخلص من ذلك عدة فرضيات.. فلو سرق صبي الحافظة فإنها سوف تختفي و لكن إذا كان السارق فتاة فإن النتيجة لن تتغير، و إذا افترضنا أن صبيا قد سرق الحافظة ثم شهدنا بعد ذلك أن الحافظة لم تختفي، فإننا نستنتج من ذلك أن الفرض كان باطلا، إما إذا اختفت الحافظة، فقد يكون الفرض سليماً، و لكن ذلك لن يكون حتميا و مطلقا، و بما أننا لا نستطيع أن نحصر جميع الفروض الممكنة، فإننا لن نستطيع أن نجزم بأن فرضاً معينا هو الفرض الصحيح، فالفرض لا يمكن إثباته بالتجربة بشكل مطلق، و لكن التعبير السليم هو أن نقول أن التجربة تعزز أحد الفروض و تقويه فإذا لم يجد شخص ما حافظته في جيبه، فإن ذلك يعزز فرض وجود لص بالمقربة، و لكنه لا يثبت هذا الفرض فقد يكون هذا الشخص قد نسي محفظة نقوده في بيته، و من ثمَّ فإن الحقيقة المشاهدة تعزز هذا الفرض بأنه قد نسي حافظته في البيت، و المشكلة هي في أن نحدد درجة التعزيز التي تربط الفرض بالحقيقة المشاهدة، و يضيف فيليب فرانك قائلاً بأن العلم يشبه قصة بوليسية .. إن كل الحقائق قد تقوي و تعزز فرضاً معيناً، و لكن الفرض الصحيح قد يكون مختلفاً اختلافاً كليا، و مع ذلك يجب أن نقر بأنه ليس لدينا معيار للحقيقة في العلم غير هذا المعيار .

سأطرح مثالاً آخر على ذلك .. تجربة بافلوف على الكلاب.. حيث لاحظ بافلوف أنَّ الكلب يسيلُ لعابُه و ذلك عند وضعْ الطَّعام أمامه، و هو عبارة عن فعل وراثي لا إرادي في الكلاب، و لكن بافلوف قامَ بتعديل بسيط حيث كان يقوم أثناء تقديم الطعام بدَقْ جرس، و في كل مرة كان يقرن عملية تقديم الطعام بقرع الجرس، و لكن سيلان اللعاب حتماً كان يتم من رؤية الطعام و ليس من صوت الجرس.. بعد تكرار الأمر لِعِدَة مرات.. قام بافلوف بِقَرْع الجرس لوَحْدِه دون تقديم الطعام معه، فكانت النتيجة سيلان لعاب الكلب لسماع صوت الجرس.. هنا عملية الاستجابة أي سيلان لعاب الكلب عند سماع صوت الجرس لوحده دون وجود الطعام هي عملية قد تمَّ خلقُهَا صناعياً .. إنَّ جريان العادة على تقديم الطعام مع قرع الجرس جعل الكلاب يسيل لعابها عند سمَاع الصَّوت، و لَكِنْ هل يُمكِنُنَا القول أنَّ صوتَ الجرس هو السَّبب لسيلان اللعاب.. لو فرضنا أن رجلاً ما لا يعلم أن الطعام هو الذي يسبب سيلان لعاب الكلب، و إنما جاء متأخرا و اطلع فقط على قرع الجرس.. عندها سيبني حقيقة أنَّ سبب سيلان اللعاب هو قرع الجرس، و لكن الحقيقة مغايرة لذلك تماما، و بالتالي فإنَّ كل ما نشاهده في حياتنا العملية من حقائق و تجارب ليس بالضرورة أن تكون حقائق مطلقة و حتمية، فقد تكون الأسباب الحقيقة التي تعمل وراء الكواليس مغايرة تماماً لما نراه و نشاهده، فنحن نرى تكثف بخار الماء و تجمعه لتشكيل غيمة، ثم بعد ذلك تتساقط الأمطار، و لكن قد يكون السبب الحقيقي لتساقط الأمطار هو غير كل ذلك، ربما يكون هناك أشياء غير قابلة للرصد بأي نوع من أنواع الأشعة أو الأجهزة الحديثة، و هذه الأشياء هي التي تعمل وراء الكواليس و تُسقط لنا المطر الذي نشاهده.

صراحة العلم عبارة عن أداة فاشلة لإطلاق الأحكام الشاملة على الوجود و الكون و ما وراء هذا الكون، فكثيراً ما نسمع كلمات مثل الكهرباء و الأمواج الكهرطيسية و الأشعة السينية..إلخ، و لكن ما هي الكهرباء ؟ و ما هو كنهها و جوهرها؟ و هل هي شيء مادي أم غير مادي ؟ و ما هو الالكترون ؟ و ما هو جوهر كل هذا .. العلم لا يعرف أي شيء عن كل هذا، و إنما يعرف آثار الكهرباء من حركة و حرارة و إضاءة أما جوهر كل هذا فيبقى طلسما من الطلاسم العجيبة ..بالتالي ليس لنا سبيل للتعامل مع هذه المفاهيم المعقدة سوى التخمين و التحليق بخيالنا، و إعمال الفلسفة التي تُعتبر أداة ناجحة للتعامل مع هكذا مواضيع.

ـــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك