كيف قلب نيتشه الأفلاطونية ؟

كيف قلب نيتشه الأفلاطونية ؟ – عماد الحسناوي

تشكل قلب الأفلاطونية المهمة الأولى للفلسفة كما يرى نيتشه. ويظهر أن هذا القلب يعني القضاء على عالم الماهيات الثابتة، وكذا عالم المظاهر المتغيرة، لكن هذا المشروع لا يخص نيتشه وحده. محاولة قلب الأفلاطونية تعود إلى ميلاد الأفلاطونية ذاتها، وإلى أرسطو وكانط وهيجل، إلى أن هذا القلب يظل قلبا كلاسيكيا محدودا، لأنه لم يسلط الأضواء على الدافع المحرك للأفلاطونية. ومن هنا نطرح السؤال التالي ما هو المعنى الجديد الذي يعطيه نيتشه لقلب الأفلاطونية؟

إن الدافع الأفلاطوني وراء تقسيم العالم إلى عالم المعقول وعالم المحسوس، أو عالم الماهية وعالم الظاهر، أو عالم النموذج وعالم السيمولاكر… ليس رغبة في التمييز وإنما في الانتقاء. فمفهوم النموذج كما يبين جيل دولوز لا تقف مهمته في التعارض والمقابلة، وإنما يتدخل كي ينتقي النسخ المتينة التي تشبه الأصل، أي الأيقونات، ويستبعد النسخ الرديئة أي السيمولاكر.

فالأيقونة صورة جيدة قائمة على أساس متين، لأنها تتمتع بالتشابه، أما السيمولاكر فهي الصورة الساقطة في هاوية اللاتشابه. ومن هنا يتحول الصراع إلى ثنائية جديدة وهي أيقونة/ سيمولاكر، بحيث يكون هذا الصراع محصور في عالم النسخ ذاته، ولا يتدخل النموذج إلا كمعيار للتمييز بين النسخ، والمفاضلة بينهما، وانتقاء الوفي واستبعاد غيره. إذن معنى الأفلاطونية هنا هو الوقوف عند النسخة ذاتها وفحصها، لأن هناك نسخ تأتي مباشرة بعد النماذج، كونها تتمتع بالتشابه الداخلي، أي أنه ينتقل من شيء إلى مثال، ما دام المثال هو الذي يشمل العلائق والنسب المكونة للماهية الباطنية. وهناك السيمولاكر الذي يتأسس على الاختلاف وينطوي على اللاتشابه. والمسيحية التي طالما استلهمت الأفلاطونية: لعبت دورا كبيرا حيث جعلتنا في ألفة مع مفهوم السيمولاكر، لأن الله خلق الإنسان على صورته وشبهه، لكن بفعل الخطيئة فقد الإنسان الشبه وظل محتفظا بالصورة فقط، إنه غدا سيمولاكر وفقد الوجود الأخلاقي ليقتحم الوجود الجمالي. والهدف المباشر من هذه المقارنة هو الكشف على الجانب الشيطاني في السيمولاكر. ومن هنا فالأفلاطونية من جهة تحاول ضمان انتصار النسخ الأيقونة على السيمولاكر، ومن جهة أخرى تقيم أسس الميدان الذي ستعترف الفلسفة بأنها ميدانها: أي ميدان التمثل الذي يعج بنسخ الأيقونات، والذي يتحدد عن علاقة داخلية صميمية مع النموذج.

كما قلنا في البداية، أساس الأفلاطونية ليس التمييز بين المعقول والمحسوس، أو بين الماهية والمظهر أو بين النموذج والنسخة.

وبالتالي قلب الأفلاطونية لا يعني قلب هذه الثنائيات وإعطاء أهمية للمحسوسات على حساب المعقولات، والمظاهر على حساب الماهيات، لأن هذا التمييز يتم بأكمله داخل التمثل. وقلب الأفلاطونية يهدف إلى خلخلة عالم التمثل وإعادة الاعتبار للسيمولاكر والاختلاف والتنوع. يقول جيل دولوز لننظر إلى العبارتين :(لا يتخالف إلا ما يتشابه) و (إن الاختلافات وحدها هي التي تتشابه). فالأولى تدعو النظر إلى الفوارق انطلاقا من التشابه، أي أن هذه العبارة تحدد عالم النسخ والتمثلات، وهي التي تنظر إلى العالم كما لو كان نسخة. أما الثانية تدعونا أن ننظر إلى الهوية كما لو كانت حصيلة اختلاف وتنوع أولي. وأن ننظر إلى العالم كما لو كان إسهاما. ولا يهم كثيرا من وجهة النظر الثانية أن يكون التشتت الذي يقوم عليه السيمولاكر كبيرا او صغيرا، قد يكون التمييز بين السلسلات الأساسية فارق بسيط، لكن مع الرغم من ذلك فهو فارق نستطيع من خلاله معرفة التشابه في ذاته، وألا نفترض أية ذاتية أصلية، فيكون التنوع هو وحدة قياسها وائتلافها، حينئذ لا يمكن أن ننظر إلى الشبه كحصيلة هذا الاختلاف الداخلي. إذن النظرة الأولى تعتمد على التشابه الباطني وعلى الهوية.

أما النظرة الثانية ترى أن التشابه يظل قائما لكنه تشابه يتولد عن السيمولاكر كمفعول خارجي، حيث يتشكل حول السلسلات المختلفة ويدفعها إلى العمل.

والهوية تظل قائمة لكنها منتوج يتولد، أي أن الهوية قائمة على التكرار والنظرة الأولى كذلك تنظر إلى العالم على أنه نسخة والثانية تنظر إلى العالم على أنه سيمولاكر، لكن كنسخة مشوهة وإنما “النسق الذي يرتبط فيه المفارق مع المفارق عن طريق الفوارق ذاتها”. وهذه النظرة الثانية لا تختلف عن العود الأبدي⚫ لأن قلب الايقونات وخلخلة عالم التمثل يتمان في العود الأبدي. ولعل هذا هو السبب الذي جعل أفلاطون ينفر من المضمون الكامن للعود الابدي . كما ينبغي تصديق نيتشه عندما يعتبر أن فكرة العود الأبدي فكرته هو، وهي فكرة تتغذى على المنابع الديونوزسية والباطنية التي تجاهلتها الأفلاطونية وكبتتها . إن العود الأبدي لا يعبر عن نظام يعارض الكاووس، وإنما هو قدرة على إثبات الكاووس. والعود الأبدي تربطه علاقة قوية بالسيمولاكر، حيث يستحيل فهم أحدهما بعيدا عن الآخر.

فما يعود هو السلسلات المختلفة بما هي مختلفة، أعني كل واحدة منها بما هي تغير موقع اختلافها مع كل ما تبقى، وهي جميعا بما هي تشدد من اختلافها في الكاووس الذي لا بداية ولا نهاية له، إن دائرة العود الأبدي هي دوما دائرة ذات مركز خارجي . والنقد القوي الذي يوجهه نيتشه للحداثة راجع بالأساس إلى عدم تحديدها بقوة السيمولاكر، لأن الحداثة لم تبرز كشيء ضد الزمن أي شيء ينتمي إلى الحداثة، ولكنه في نفس الوقت ينبغي أن ينقلب ضدها ” لصالح زمان المستقبل”. بهذا المعنى يمكن القول أن هناك علاقة قوية بين العود الأبدي والسيمولاكر، حيث يستحيل فهم أحدهما بعيدا عن الآخر. ويحصى فوكو إستعمالات كلمة السيمولاكر في مقاله ويقول :

-السيمولاكر هو الصورة التافهة في مقابل الحقيقة الفعلية .
-ثم يعني تمثيل شيء ما( من حيث إن هذا الشيء يفوض أمره لآخر، من حيث إنه يتجلى ويتوارى).
-ثم يعني القدوم والظهور المتآني للذات والآخر .
وتنتج عن هذه التعريفات وقلب الأفلاطونية النتائج التالية
-عالم لا مركز له ولا وحدة تضمه.
-عالم التعدد اللامتناهي.
-العالم الذي يسكن الآخر الذات، ولا يكون إلا بعد الذات عن نفسها، ذلك البعد الذي يجعلها، في اختلافها وتنوعها شبيهة بالآخر .
-عالم بلا صورة نموذجية
-العالم الذي يحكمه العود الأبدي، أي أنه لا وجود فيه للشيء إلا في عودته، إلا من حيث هو نسخة من نسخ لا متناهية.
-عالم لا معنى فيه للهوية إلا كتكرار.
عالم السيمولاكر إذن عالم يحكمه الاستنساخ وتصبح فيه الهوية تكرار، إنه عالم تتصدع فيه الذات وتنهار فيه الذاتية.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك