ذكريات تأسيس الفيس بوك ومقابلة زوجته.. الترجمة الكاملة لخطاب زوكربيرج في هارفارد

ذكريات تأسيس الفيس بوك ومقابلة زوجته.. الترجمة الكاملة لخطاب زوكربيرج في هارفارد – ترجمة: يحيى أحمد محمود

احتفل يوم الخميس الماضي مارك زوكربيرج الملياردير ومؤسس موقع فيسبوك بتخرجه في جامعة هارفارد، أعرق جامعة في أمريكا والعالم، بعد 13 عامًا من التحاقه بها، واهتمت الصحف بنقل الكلمة التي ألقاها في حفل التخرج، وفيما يلي ترجمة كاملة للخطاب:

«السيد الرئيس فوست، السادة أعضاء لجنة المشرفين، السادة الخريجين والأصدقاء، والآباء الفخورين، وأعضاء مجلس إدارة وخريجي أعظم جامعة في العالم.

يشرفني أن أكون معكم اليوم لأنكم، بكل صراحة، قد أنجزتم ما لم أستطع قط إنجازه. لو أتممت هذه الخطبة، فسوف يكون هذا أول عمل لي أنهيه فعلاً في هارفارد. خريجي صف 2017، مبارك عليكم هذا التخرج!

لست أفضل متحدث هنا، ليس فقط لأنني لم أكمل دراستي الجامعية، وإنما لأننا ننتمي فعليًا، إلى الجيل نفسه. لقد مشينا في هذا الردهة منذ أقل من عقد مضى، وذاكرنا الأفكار نفسها، ونمنا في محاضرات الاقتصاد نفسها. ربما نكون قد سلكنا طرقًا مختلفة للوصول إلى هذه اللحظة، خصوصًا لو كنتم قد جئتم من كواد، لكنني أريد اليوم أن أشارك معكم ما تعلمته حول جيلنا والعالم الذي نبنيه معًا.

لكن بادئ ذي بدء، دعوني أقل إنَّ اليومين الأخيرين قد جلبا معهما الكثير من الذكريات الحسنة.

من منكم يذكر بالضبط ما الذي كان يفعله عندما وصلتكم رسالة البريد الإلكتروني التي تخبركم بأنكم قد قبلتم في هارفارد؟ كنت حينها ألعب «سيفيلايزيشن». جريت على السلم، وأخبرت والدي، الذي، لسبب ما، كان رد فعله أن يصورني بالفيديو وأنا أفتح البريد الإلكتروني. كان من الممكن لهذا الفيديو أن يكون حزينًا بحق. أقسم لكم أنَّ قبولي في هارفارد لا يزال أكثر شيء يشعر والديّ بالفخر حياله.

طيب، ماذا عن أول محاضرة لكم في هارفارد؟ كانت أولى محاضراتي محاضرة علوم الكمبيوتر 121 للبروفيسور المذهل هاري لويس. كنت متأخرًا لذا فقد ارتديت قميصًا ولم أدرك إلا لاحقًا أنني ارتديه بالعكس، وبالمقلوب، فكانت البطاقة الخلفية بارزة إلى الأمام. لم أفهم لمَ لم يتكلم أحد معي ــ باستثناء صديقي كي إكس جين، الذي تجاهل أمر القميص. انتهى بنا الحال في حل المعادلات الرياضية معًا، والآن صار يدير جزءًا كبيرًا في فيس بوك. وهذا هو السبب الذي من أجله ينبغي لكم، يا خريجي 2017، أن تكونوا لطفاء مع الناس.

لكنَّ أفضل ذكرياتي في هارفارد هي لقائي ببريسيلا. كنت قد أطلقت لتوي موقع facemash الذي كان مقصودًا أن يكون مقلبًا، وأراد مجلس الإدارة «رؤيتي». ظن الجميع أنني سوف أطرد. جاء والديَّ لمساعدتي على حزم حقائبي. وأقام أصدقائي حفلة وداع لي. وكان من حسن الطالع أنّ بريسيلا كانت في ذلك الحفل مع صديقتها. التقينا في الصف المنتظر لدخول الحمام في بفوهو بيلتاور، وقلت لها، فيما بدا أنها واحدة من أفضل الجمل الرومانسية في التاريخ: «سوف أطرد من الجامعة خلال ثلاثة أيام، لا بد أن نتواعد سريعًا».

في الحقيقة، يمكن لأي منكم أيها الخريجين استخدام هذه الجملة.

لم تطردني الجامعة ــ لكنني فعلت ذلك بنفسي. بدأنا، أنا وبريسيلا، المواعدة. وكما تعلمون، جعل ذلك الفيلم موقع facemash يبدو كما لو أنه مهم في خلق موقع فيسبوك. لم يكن الأمر كذلك. لكن دون facemash ما كنت لألتقي بريسيلا، وهي أهم شخص في حياتي، لذا فبإمكانكم القول إنَّ هذا الموقع هو أهم ما بنيته في الفترة التي قضيتها ها هنا.

جميعنا بدأنا صداقات العمر في هذا المكان، بل كوّن بعضنا أسرًا ها هنا. ولهذا فأنا شديد الامتنان لهذا المكان. شكرًا هارفارد.

أريد اليوم أن أتكلم معكم عن الغاية. لكنني لست هنا لإعطائكم محاضرة معيارية حول إيجاد هدفكم في الحياة. نحن من مواليد الألفية. سوف نحاول أن نفعل ذلك بشكل غريزي. وبدلاً من ذلك، فأنا هنا لإخباركم أنَّ إيجاد غايتكم في الحياة ليس أمرًا كافيًا. إنَّ التحدي الذي يواجهه جيلنا أن نخلق عالمًا يكون فيه كل الناس من أصحاب الغايات.

إحدى أقرب القصص إلى قلبي، عندما زار جون إف كنيدي مركز الفضاء التابع لناسا، فرأى عاملًا يحمل مقشة فذهب إليه وسأله ما الذي يفعله. قال العامل: «سيدي الرئيس، أنا أساهم في وضع إنسان على القمر».

إنَّ الغاية هي هذا الشعور بأننا جزء من شيء أكبر من ذواتنا، أنَّ ثمة حاجة إلينا، وأنَّ هناك شيئًا أفضل نسعى للعمل على تحقيقه. إنَّ هذا الشعور بالغاية هو ما يخلق السعادة الحقيقية.




لكنَّ أفضل ذكرياتي في هارفارد هي لقائي ببريسيلا. كنت قد أطلقت لتوي موقع facemash الذي كان مقصودًا أن يكون مقلبًا، وأراد مجلس الإدارة «رؤيتي». ظن الجميع أنني سوف أطرد. التقينا في الصف المنتظر لدخول الحمام في بفوهو بيلتاور، وقلت لها، فيما بدا أنها واحدة من أفضل الجمل الرومانسية في التاريخ: «سوف أطرد من الجامعة خلال ثلاثة أيام، لا بد أن نتواعد سريعًا».

أنتم تتخرجون في وقت شديد الأهمية. عندما تخرج آباؤنا، كان الواحد منهم يستمد إحساسه بالغاية من وظيفته، أو كنيسته أو مجتمعه. لكنَّ التكنولوجيا والميكنة يقضيان، اليوم، على العديد من الوظائف، وعضوية الانتساب إلى مجموعة ما آخذة في التناقص. يشعر الكثير من الناس بالانفصال والاكتئاب، ويحاولون ملء هذا الفراغ.

في سفرياتي قابلت أطفالًا في سجون الأحداث ومدمني أفيون، أخبروني أنَّ حياتهم كان من الممكن لها أن تنحو منحى مختلفًا لو كان لديهم ما يفعلونه، مثل برنامج بعد فترة الدراسة، أو مكان يذهبون إليه. قابلت عمال مصنع يعرفون أنَّ وظائفهم القديمة لن تعود، ويحاولون العثور على مكان لأنفسهم.

لو أردنا أن تمضي مجتمعاتنا قدمًا، فنحن أمام تحد جيليّ ــ لا يقتصر على مجرد خلق وظائف جديدة، وإنما خلق إحساس متجدد بالغاية.

إنني أتذكر الليلة التي أطلقت فيها موقع فيس بوك من مسكني الصغير بكيركلاند هاوس. ذهبت إلى شركة NOCH مع صديقي كي إكس. أذكر يومًا أنني أخبرتهم عن شعوري بالحماسة لتوصيل مجتمع هارفارد، لكن يومًا ما سوف يقوم أحدهم بتوصيل مع العالم بأسره.

في حقيقة الأمر، لم يخطر ببالي قط أنَّ هذا الـ«أحدهم» قد يكون نحن. كنا ساعتها مجرد طلاب جامعة. لم نكن نعرف أي شيء عن أي من هذه الأمور. كانت هناك كل شركات التكنولوجيا ذات الموارد الكبيرة. كنت أفترض أنَّ واحدة من هذه الشركات سوف تقوم بهذا الأمر. لكنَّ هذه الفكرة كانت شديدة الوضوح لنا: أنَّ كل الناس يريدون الاتصال. لذا فقد واصلنا المضي قدمًا، يومًا بعد يوم.

أعرف أنَّ الكثيرين منكم سوف تكون لهم قصصهم الخاصة مثل قصتي هذه. قصص حول تغيير في العالم تكون متأكدًا أنَّ شخصًا ما سوف يقوم به. لكنَّ أحدًا غيرك لن يفعل. لكن ليس كافيًا أن تكون لديك غاية. ينبغي لك أن تخلق نوعًا من الإحساس بالغاية لدى الآخرين.

في الحقيقة لم يكن هدفي قط أن أبني شركة، وإنما أن أترك أثرًا. ولما بدأ كل أولئك الناس في الانضمام إلينا، افترضت فقط أنَّ هذا الأثر هو ما كانوا يهتمون به هم أيضًا، لذا فلم أشرح قط ما كنت آمل أن أبنيه.

بعد عامين، أرادت بعض الشركات الكبيرة أن تشتري شركتنا. لم أرد أن أبيع. أردت أن أرى إن كان بالإمكان وصل المزيد من الناس. كنا نبني أول خلاصة إخبارية (نيوز فيد) خاصة بنا، وكنت أظن أننا لو استطعنا فقط إطلاق هذا الموقع، فسوف نغير الطريقة التي نتعلم بها حول العالم.

كان كل الآخرين تقريبًا يريدون البيع. دون احتساب الشعور بوجود غاية أكبر، فقد كان هذا الأمر الحلم الأكبر لكل الشركات الناشئة. مزق هذا الخلاف شركتنا. قال لي أحد المستشارين بعد مناقشة حادة إنني إذا لم أوافق على البيع، فسوف أندم على هذا القرار لما تبقى من عمري. تفككت العلاقات خلال حوالي عام حتى غادر كل أعضاء فريق الإدارة.

كان هذا أصعب أوقات إدارتي لفيس بوك. كنت أؤمن بما كنا نفعله، لكنني شعرت بالوحدة. والأسوأ من ذلك، أنَّني كنت الملوم على هذا. تساءلت إذا ما كنت مخطئًا، ومدعيًا، إذا كنت في حقيقة الأمر مجرد شاب يافع في الـ22 من العمر لا يعرف أي شيء عن العالم.

والآن، بعد سنوات من هذا الموقف، فإنني أفهم أنَّ هذه هي الطريقة التي تسير بها الأمور، عندما لا يكون ثمة شعور بالغاية. الأمر منوط بنا أن نخلق غايتنا حتى يمكننا جميعًا أن نواصل المضي قدمًا جنبًا إلى جنب.

أريد اليوم أن أكلمكم حول ثلاث طرق لخلق عالم يكون لدى كل فرد فيه شعور بالغاية: أن نقوم معًا بمشروعات مهمة كبيرة، وأن نعيد تعريف المساواة حتى يكون لدى كل الناس حرية السعي لتحقيق غايتهم، وأن نبني مجتمعًا يشمل العالم بأسره.

أولاً: فلنبدأ في مشاريع كبيرة مهمة

سوف يكون على جيلنا أن يتعامل مع عشرات ملايين الوظائف المستبدلة بفعل الميكنة، مثل السيارات والشاحنات ذاتية القيادة. لكن يمكننا أن نفعل أكثر من ذلك بكثير معًا.

لكل جيل أعماله المعرفة له. عمل أكثر من ثلاثمائة ألف شخص لوضع إنسان على القمر ــ بما في ذلك العامل المذكور سابقًا. طعّم ملايين المتطوعين الأطفال في كل أنحاء العالم ضد مرض شلل الأطفال. وبنى ملايين آخرون سد هوفر، ومشاريع عظيمة أخرى.

لم تقدم هذه المشاريع غاية للناس الذين يفعلونها وحسب، وإنما أعطت دولة بأكملها شعورًا بالفخر أنَّ بإمكاننا أن نفعل أشياء عظيمة. والآن جاء دورنا لفعل أشياء عظيمة. أعرف أنَّ من المرجح أنكم تفكرون الآن: لا أعرف كيف أبني سدًا، أو كيف أجعل مليون شخص يشتركون في فعل أي شيء.

لكني دعوني أخبركم سرًا: إنَّ الأفكار لا تخرج للعالم مكتملة النمو. لا تتضح الأفكار إلا عند العمل على تنفيذها. كل ما عليك فعله أن تبدأ. لو كان عليَّ أن أفهم كل شيء عن توصيل الناس بعضهم ببعض قبل البدء، فما كنت لأبدأ فيس بوك أبدًا.

لا تفهم الأفلام والثقافة الشعبية هذا الأمر. إنَّ فكرة وجود لحظة إدراك واحدة كذبة خطيرة. يجعلنا هذا نشعر بأننا غير مؤهلين لأننا لم نحظ بلحظة الإدراك الخاصة بنا. يمنع هذا الأمر الناس الذين لديهم بذور أفكار جيدة من البدء في تنفيذ أفكارهم تلك. وبالمناسبة، هل تعرفون ما هو الشيء الآخر حول الابتكار الذي تخطئ فيه الأفلام؟ لا أحد يكتب معادلات رياضية على الزجاج. لا يحدث هذا في الحقيقة.

من الجيد أن تكون مثاليًا. لكن كن مستعدًا لأن يساء فهمك. كل من يعمل على رؤية كبيرة سوف يدعى مجنونًا، حتى لو أثبتت الأيام صحة رؤيته. كل من يعمل على حل مشكلة معقدة سوف يلام لعدم كمال فهمه للتحدي، حتى لو كان من المحال أن تعرف كل شيء مقدمًا. كل من يأخذ زمام المبادرة سوف ينتقد لسرعة تحركه، لأنه سوف يكون هناك دائمًا من يريد إبطاء حركتك.

في مجتمعنا، عادة ما لا نقوم بفعل الأشياء الكبيرة لأننا خائفون من ارتكاب أخطاء إلى درجة أننا نتجاهل كل الأشياء السيئة التي سوف تقع ما لم نفعل شيئًا اليوم. لكنَّ الواقع أنَّ أي شيء نفعله سوف يسبب مشكلات في المستقبل. لكن لا ينبغي لتلك الحقيقة أن تمنعنا من البدء.

فما الذي ننتظره؟ لقد حان الوقت لجيلنا أن يقوم بأعماله العامة المعرفة لهذا الجيل. ماذا عن إيقاف التغير المناخي قبل أن ندمر الكوكب، وإشراك ملايين الناس في تصنيع وتركيب الألواح الشمسية؟ ماذا عن علاج كل الأمراض، وأن نطلب من متطوعين تتبع بياناتهم الصحية ومشاركة الجينوم الخاص بهم؟ إننا اليوم ننفق على علاج الأمراض من الأموال خمسين ضعفًا أكثر مما ننفقه على إيجاد علاج لئلا يمرض الناس في المقام الأول. هذا أمر غير منطقي. بإمكاننا إصلاح هذا الأمر. ماذا عن تحديث الديمقراطية حتى يتمكن كل الناس من التصويت عبر شبكة الإنترنت، وماذا عن إضفاء الطابع الشخصي على التعليم حتى يستطيع كل الناس الحصول على تعليم؟

هذه المنجزات في متناول أيدينا. فلنحققها جميعًا بطريقة تعطي كل شخص في المجتمع دورًا. لنقم بأشياء كبيرة، ليس لخلق التقدم فحسب، بل لخلق غاية. لذا، فإنَّ البدء في مشروعات مهمة كبيرة هو أول ما يمكننا فعله لخلق عالم يكون لدى كل فرد من أفراده شعور بالغاية.

ثانيًا: إعادة تعريف المساواة لإعطاء الناس الحرية  لتحقيق غاياتهم

كان لدى العديد من آبائنا وظائف مستقرة خلال حياتهم المهنية. أما الآن فكلنا رواد أعمال، سواء كنت تبدأ مشروعًا أو اكتشافًا أو دورًا. وهذا أمر عظيم. إنَّ ثقافة ريادة الأعمال الحالية كفيلة بخلق الكثير من التقدم.

تنتعش ثقافة ريادة الأعمال عندما يكون من السهل تجريب الكثير من الأفكار الجديدة. لم يكن فيسبوك أول ما بنيت. لقد بنيت ألعابًا، وأنظمة دردشة، ووسائل دراسة، وبرامج تشغيل موسيقى. لست وحدي. فجي كي رولينج رُفضت 12 مرة قبل أن تنشر هاري بوتر. حتى بيونسيه كان عليها أن تؤدي مئات الأغنيات حتى تصل إلى هالو. إنَّ أعظم النجاحات تأتي حين يكون لديك حرية الفشل.

لكننا اليوم أمام مستوى من عدم المساواة في الثروة يؤذي الجميع. عندما لا يكون لديك حرية تحويل فكرتك إلى مؤسسة تاريخية، فإننا جميعًا نخسر. إنَّ مجتمعنا الآن يفرط في مكافأة النجاح لكننا لا نقوم بما يكفي قط لكي نسهل للناس تكرار المحاولات.

فلنواجه الأمر على حقيقته، لا بد أن ثمة خطأ في نظامنا عندما يكون بإمكاني أن أغادر هذا المكان وأصنع مليارات الدولارات في عشر سنوات، بينما الملايين من الطلاب لا يمكنهم تسديد ديونهم، فضلًا عن بدء مشروع تجاري.

إنني أعرف الكثير من رواد الأعمال، ولا أعرف شخصًا واحدًا تخلى عن فكرة البدء في مشروع لأنه ربما لا يجني ما يكفي من المال. لكنني أعرف الكثير من الناس الذين لم يتابعوا أحلامهم لأنهم لم يكن لديهم وسادة يتكئون عليها حال فشلهم.

إنكم جميعًا تعرفون أننا لا ننجح لمجرد وجود فكرة جيدة أو لمجرد العمل الشاق. إننا ننجح لكوننا محظوظين أيضًا. لو كان عليَّ دعم عائلتي بدلاً من أن يكون لدي من الوقت ما يكفي للبرمجة، ولو لم أكن أعرف أنني سوف أكون على ما يرام لو فشل فيسبوك، فما كان لي أن أقف أمامكم اليوم. لو تكلمنا بصراحة، فإننا جميعًا نعلم مقدار الحظ الذي كان بجانبنا.

اقرأ أيضًا:

كل جيل يوسع من تعريفه للمساواة. قاتلت الأجيال السابقة من أجل حق التصويت والحقوق المدنية. حصلوا على برامج «الصفقة الجديدة» و«المجتمع العظيم» والآن حان الوقت لكي نضع عقدًا اجتماعيًا جديدًا لجيلنا.

ينبغي أن يكون لنا مجتمع يقيس التقدم لا من خلال المعايير الاقتصادية فحسب، مثل الناتج المحلي الإجمالي، لكن من خلال عدد الناس الذين لديهم دور يجدونه مهمًا. ينبغي لنا أن نستكشف أفكارًا مثل الدخل الأساسي العالي، لنعطي كل الناس أمانًا يستطيعون معه محاولة أشياء جديدة. سوف نغير وظائفنا مرات عديدة، ومن ثم نحتاج نظام رعاية أطفال ذا أسعار معقولة، لكي نستطيع العمل. ونحتاج كذلك نظام رعاية صحية غير مرتبط بشركة واحدة.

سوف نرتكب جميعنا أخطاء، ومن ثم فإننا نحتاج مجتمعًا يركز تركيزًا أقل على إعاقة حركتنا أو وصمنا. وكلما تغيرت التكنولوجيا، احتجنا إلى مزيد من التركيز على التعليم المستمر طوال حيواتنا.

نعم، ليس إعطاء كل الناس حرية متابعة غايتهم بالأمر المجاني. إنَّ أمثالي ينبغي لهم أن يدفعوا مقابل هذا الأمر. لهذا السبب أنشأت وبريسيلا مبادرة تشان زوكربرج وكرسنا ثروتنا لتعزيز تكافؤ الفرص. هذه هي قيم جيلنا. لم يكن الأمر قط متعلقًا بما إذا كنا سوف نقوم بهذا الأمر أم لا. كان الأمر مسألة توقيت لا أكثر.

إنَّ أبناء الألفية هم بالفعل من أكثر الأجيال خيرية في التاريخ. في سنة واحدة، قام ثلاثة من أصل كل أربعة من مواليد الألفية بتبرع ما، وجمع سبعة من أصل كل عشرة أموالاً لجماعة خيرية ما.

لكنَّ الأمر ليس مقصورًا على المال. يمكنك أيضًا أن تعطي وقتًا. إنني أعدكم أنكم لو استقطعتم ساعة أو اثنتين أسبوعيًا، فإنَّ هذا هو كل ما يستغرق من الوقت لمساعدة شخص ما على الوصول لأقصى إمكاناته.

ربما تظن أنَّ هذا الأمر ينطوي على الكثير من الوقت. لقد اعتدت التفكير بالطريقة ذاتها. عندما تخرجت بريسيلا من هارفارد أصبحت أستاذة، وقبل أن تشتغل بالتعليم معي أخبرتني أنني بحاجة إلى أن أعطي دروسًا. قلت لها: «أنا مشغول نوعًا ما. فأنا أدير شركتي الخاصة». لكنها أصرت، لذا فقد درست صفًا حول ريادة الأعمال لطلاب مدرسة إعدادية في إحدى المقرات المحلية لمنظمة لوكال بويز آند جيرلز كلبّ.

أعطيت دروسًا حول تطوير الإنتاج والتسويق، وجعلوني هم أفهم شعور أن تكون مستهدفًا بسبب عرقك، ومعنى أن يكون لديك عضو من أعضاء أسرتك في السجن. شاركت قصصًا حول وقتي في المدرسة، وشاركوا معي أملهم بأن يذهبوا إلى الكلية يومًا ما. أتناول الغداء مرة في الشهر مع أولئك الأطفال، منذ خمس سنوات حتى الآن. أحد أولئك الطلاب أقام لي ولبريسيلا أول حفل ترحيب بطفلتي. سوف يذهب أولئك الطلاب، كلهم، إلى الجامعة العام المقبل. وكلهم أول من يذهب إلى الجامعة في أسرهم.

بإمكاننا جميعًا استقطاع بعض الوقت لمساعدة شخص ما. لنعط كل الناس حرية متابعة غاياتهم ــ ليس فقط لأنَّ هذا هو ما ينبغي فعله، لكن لأنه كلما زاد عدد الناس الذين بإمكانهم تحويل أحلامهم إلى شيء عظيم، فإنَّ هذا يصب في مصلحتنا جميعًا. إنَّ الغاية لا تأتي من العمل فحسب.

ثالثًا: بناء مجتمع يخلق الشعور بالغاية لأفراده

الطريقة الثالثة التي يمكننا بها أن نخلق شعورًا بالغاية لكل الناس تأتي من خلال بناء مجتمع. وعندما يقول جيلنا «كل الناس» فإننا نعني كل الناس في العالم. من منكم هنا من بلد آخر؟ ارفعوا أيديكم لو سمحتم. والآن، كم منكم صديق لواحد من أولئك الناس؟ هذا هو الكلام. لقد نشأنا متصلين.

في واحد من استطلاعات الرأي لمواليد الألفية حول العالم عن الذي يعرّف هويتنا، لم تكن أكثر الإجابات تكرارًا القومية، أو الدين، أو العرق، وإنما كانت «مواطن عالمي». هذا أمر جلل. إنَّ كل جيل يوسع دائرة الناس الذين يعتبرهم «واحدًا منا». بالنسبة لنا، فهذه الدائرة الآن محيطة بالعالم بأسره.

إننا نفهم أنَّ القوس العظيم للتاريخ الإنساني يميل ناحية الناس المتحدين بأعداد متعاظمة ــ من القبائل إلى المدن إلى الأمم ــ لتحقيق أمور ما كان لهم تحقيقها منفردين.

إننا نفهم أنَّ أعظم فرصنا أصبحت الآن عالمية ــ بإمكاننا أن نصبح أول جيل يقضي على الفقر والمرض. إننا نفهم أنَّ أكبر تحدياتنا تحتاج استجابات عالمية لها أيضًا ــ إذ ليس بإمكان دولة واحدة محاربة التغير المناخي منفردة أو منع الأوبئة وحدها. إنَّ التقدم الآن يتطلب التعاون، ليس بين المدن أو الأمم فحسب، وإنما بين المجتمع العالمي برمته.

لكننا نعيش في زمن متقلقل. ثمة ناس خلفتهم العولمة وراءها في كل العالم. من الصعب أن نهتم بالناس في أماكن أخرى لو لم نكن نشعر شعورًا جيدًا حول حياتنا هنا في أوطاننا. ثمة ضغط للانكفاء على الذات.

هذا هو كفاح عصرنا الحالي. كفاح قوى الحرية والانفتاح والمجتمع العالمي في مواجهة قوى السلطوية والانعزالية والقومية. قوى انسياب المعرفة والتجارة والهجرة ضد أولئك الراغبين في الإبطاء من كل ذلك. ليست هذه معركة بين الأمم، لكنها معركة أفكار. ثمة ناس في كل بلد يؤيدون التواصل العالمي، وعدد كبير من الناس ضد هذا التواصل.

وهذا أمر لن تقرره الأمم المتحدة أيضًا. سوف يحدث هذا الأمر على المستوى المحلي، عندما يشعر عدد كاف منا بشعور بالغاية والاستقرار في حيواتنا إلى درجة أن يصبح بإمكاننا الانفتاح والبدء في الاهتمام بكل الناس. أفضل طريقة لفعل ذلك هي البدء ببناء مجتمعات محلية الآن.

كلنا نستمد المعنى من مجتمعاتنا. سواء كانت هذه المجتمعات بيوتًا أو فرقًا رياضية، أو كنائس أو مجموعات موسيقية، هذه المجتمعات تعطينا شعورًا بأننا جزء من شيء ما أكبر كما، وأننا لسنا وحدنا. تعطينا هذه المجتمعات القوة لتوسيع آفاقنا.

لذا فمن المذهل أنَّ العضوية في أنواع الجماعات قد تناقصت لعقود، إلى أن وصلت إلى ربع ما كانت عليه. هذا يعني أنَّ عددًا كبيرًا من الناس صاروا يحتاجون إلى إيجاد غاية من مصدر آخر. لكنني أعلم أنَّ بإمكاننا أن نعيد بناء مجتمعاتنا وأن نبدأ مجتمعات جديدة لأنَّ الكثيرين منكم قد فعلوا هذا الأمر بالفعل.

التقيت أجنيس إجوي، التي سوف تتخرج اليوم. أينت أنت يا أجنيس؟ أمضت أجنيس طفولتها في التنقل بين مناطق النزاع في أوغندا، وهي الآن تدرب الآلاف من ضباط الشرطة للحفاظ على أمن مجتمعاتهم.

قابلت كايلا أوكلي ونيها جاين، اللتين تتخرجان اليوم أيضًا. قفا من فضلكما. أنشئت كايلا ونيها منظمة غير ربحية توصل الناس الذين يعانون من المرض بالناس الراغبين في المساعدة في مجتمعاتهم.

قبل أن تمشوا عبر هذه البوابات للمرة الأخيرة، وبينما نجلس أمام الكنيسة التذكارية، أذكركم بدعاء «مي شيبيراش»، الذي أقوله كلما واجهني تحد ما، وأنشده لابنتي وأنا أفكر في مستقبلها بينما أضعها في سريرها. يقول الدعاء: «فليساعدنا مصدر القوة، الذي بارك الآخرين قبلنا، على أن نجد الشجاعة لجعل حيواتنا مباركة».

قابلت دافيد رازو أزنار، الذي سوف يتخرج من كلية كينيدي اليوم. دافيد، قف. دافيد عضو سابق في مجلس المدينة نجح في قيادة المعركة لجعل مدينة مكسيكو سيتي أول مدينة في أمريكا اللاتينية تمرر قانون المساواة في الزواج ــ حتى قبل سان فرانسيسكو.

هذه قصتي أنا أيضًا. طالب في السكن الطلابي يربط المجتمعات ببعضها واحدًا وراء الآخر، ويواصل هذا الأمر حتى يتصل العالم كله يومًا ما.

التغيير يبدأ على مستوى محلي. حتى التغيير العالمي يبدأ صغيرًا ــ يبدؤه أناس مثلنا. بالنسبة لجيلنا، فإنَّ النضال المتعلق بما إذا كنا سوف نتواصل أكثر، ونحقق أكبر فرصنا، يمكن تلخصيه في قدرتنا على بناء مجتمعات تخلق عالمًا يكون فيه لدى كل شخص شعور بالغاية.

خريجي صف 2017، سوف تتخرجون إلى عالم يحتاج غاية. خلق هذه الغاية عائد إليكم.

والآن، ربما تفكرون: هل حقًا يمكنني فعل هذا الأمر؟

هل تذكرون عندما أخبرتكم عن الصف الذي درسته في لوكال بويز آند جيرلز كلوب؟ في أحد الأيام، بعد انتهاء الصف، كنت أتحدث إليهم حول الجامعة، فرفع أحد أفضل طلابي يده وقال إنه ليس واثقًا إذا ما كان بإمكانه أن يذهب إلى الجامعة لأنه ليس معه الوثائق القانونية اللازمة. لم يكن يعرف إذا ما كانوا سوف يسمحون له بدخول الجامعة أم لا.

العام الماضي، أخذت هذا الطالب لتناول الإفطار يوم عيد ميلاده. أردت أن أحضر له هدية، لما سألته أخبرني عن الطلاب الذين رآهم يعانون وقال: «هل تعرف، إنني أريد حقًا كتابًا عن العدالة الاجتماعية».

أذهلني هذا الموقف. ها هو شاب لديه ما يكفي من الأسباب لكي يكون متشائمًا. لم يكن يعرف إذا ما كان البلد الذي يسميه وطنًا له ــ الوطن الوحيد الذي يعرفه ــ سوف يحرمه من حلمه بالذهاب إلى الجامعة أم لا. لكنه لم يشعر بالأسف على نفسه. لم يكن حتى يفكر في نفسه. كان لديه شعور أكبر بالغاية، وسوف يجلب أشخاصًا آخرين معه.

هذا أمر ذو دلالة عن موقفنا الحالي ولا يمكنني حتى أن أقول اسمه لأنني لا أريد أن أعرضه للخطر. لكن لو كان باستطاعة أحد طلاب السنة الأخيرة في المدرسة الثانوية الذي لا يعرف ما يخبئه له المستقبل، أن يقوم بما عليه لدفع العالم قدمًا، فإننا حينئذ نكون مدينين للعالم بأن نقوم بواجبنا نحن أيضًا.

قبل أن تمشوا عبر هذه البوابات للمرة الأخيرة، وبينما نجلس أمام الكنيسة التذكارية، أذكركم بدعاء «مي شيبيراش»، الذي أقوله كلما واجهني تحد ما، وأنشده لابنتي وأنا أفكر في مستقبلها بينما أضعها في سريرها. يقول الدعاء: «فليساعدنا مصدر القوة، الذي بارك الآخرين قبلنا، على أن نجد الشجاعة لجعل حيواتنا مباركة».

آمل أن تجدوا الشجاعة لجعل حياتكم مباركة. مبارك عليكم يا خريجي صف 2017، وحظًا سعيدًا لكم».

المصدر: ساسة بوست

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك