فلسفة التاريخ عند هيجل

فلسفة التاريخ عند هيجل – عماد الحسناوي

إن تأسيس هيجل لفلسفة التاريخ راجع بالأساس إلى محاولته في تصويب العقل الكانطية.
كانط و هيجل هما الوحيدان اللذان تحدثا عن نسق العقل ، و النسق عند كانط يعني إخضاع جملة من العلوم إلى نسق العقل (الفيزياء الميكانيكا، الكيمياء، الفلك…)لكن إدخال كانط هذه العلوم إلى نسق العقل يضعنا أمام الإشكال التالي:

لماذا تجنب كانط الحديث عن فلسفة التاريخ مع العلم أن العلوم التي أدخلها إلى حدود العقل خاضعة للزمن وكان كذلك متأثرا بالنيوتونية، والزمن عند نيوتن يوجد داخل الطبيعة، بالتالي لماذا تفادى كانط إدخال التاريخ إلى نسق العقل ؟

للإجابة على هذا السؤال يمكن القول أنه مع الرغم من تأثر كانط بالنيوتونية إلا أنه لم يضع الزمن داخل الطبيعة، وإنما شرط من شروط المعرفة، أي صورة قبلية. الذي أثار هذا الإشكال هو دلتاي الذي يعتبر من الكانطيين الجدد، بالإضافة إلى أن مشروعه هو تكميل للنسق الكانطي.نفس الشيء بالنسبة لهيجل ، لأن هدفه هو محاولة إنجاح الفشل الكانطي. كيف ذلك؟

إن القبول بالتاريخ عند هيجل هو القبول بالتناقض، لكن ما يرفضه هو العقل الكانطي المتعالي، حيث هدم هذا التعالي بقوله “كل ما هو عقلي فهو واقعي، وكل ماهو واقعي فهو عقلي.” وهذا ما جعل هيجل يغير مفهوم العقل بمفهوم الروح، و غير السؤال الكانطي الذي يقول: كيف للعالم أن يكون ممكنا؟ إلى سؤال كيف يصير؟
وبهذا يكون الإنسان عند كانط هو الإنسان الذي يعيش بالعقل في إطار العقل، و عند هيجل الإنسان يعيش بالعقل في إطار التاريخ.

ماهي الأفكار المؤسسة لفلسفة التاريخ عند هيجل؟

من بين هذه الأفكار نجد فكرة المصير. هذه الفكرة مؤسسة لفلسفة التاريخ عند هيجل، لأن الفلسفة قبل هيجل كانت مبنية على الهوية لكن بعد هيجل إنهار هذا النسق وحل محله الأنا وما تصير إليه. و هيجل ادخل هذا المفهوم لكي يصحح مسار الحداثة التي تسير بالعقل الديكارتي، لأن ديكارت لم يفكر في التاريخ، وإنما فكر في العقل و الطبيعة فقط، هنا هيجل سيقول أن منطق التاريخ هو الديالكتيك، أي أن العقل لا ينظر إلى ذاته، وإنما إلى ضده. ولكي نفهم معنى فلسفة التاريخ عند هيجل يجب أن نفهم أولا فكرة الموت عند هيدغر التي يعتبرها محايثة للإنسان، وفي هذا الصدد يقول هيدغر الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يعرف أنه سيموت. نفس الشيء نجده عند هيجل فكرة المصير و الحياة متلازمان. و إذا تأملنا في مفهوم المصير سنجد أن هذا المفهوم ديني وحجة هيجل على ذلك هي كالآتي: أول تجربة عرفتها البشرية في التاريخ هي التجربة الدينية وبالضبط البعث، وهذا المفهوم الأخير يقول على أنه لا توجد بداية و لا نهاية؛ بالتالي لكي نفهم التاريخ يجب أن نتصوره ببداية و نهاية. و بما أن البراديغم الديني هو الذي يتحكم في التاريخ، فإن الإنسان يعيش في العالم و يفكر في المصير. وهناك علاقة قوية بين المصير و الجدل وهذا ما سنوضحه في قولة هيجل “التاريخ مشكل من حياة الناس” وها يعني أن الإنسان يتصرف وكأنه حر، لكن من جهة أخرى وفي نفس الوقت يقر بالمصير الذي ينتظره. وبهذا يكون هيجل قد أدخل التاريخانية إلى صلب القضايا الإنسانية، أي أن الإنسان يتصرف وفقا لقناعاته و المصير مخالف تماما لما تفعله. إذن حياة الناس مشكلة من هذا التناقض.

المفهوم الثاني المؤسس لفلسفة التاريخ عند هيجل هو مفهوم روح الشعب. والسؤال الذي سنحاول الانطلاق منه هو:

لماذا ربط هيجل التاريخ بالكلي ولم يربطه بالفرد؟





إن أول مظهر من مظاهر الكلية عند هيجل هو روح الشعب، وأول نواة للشعب هي الأسرة، إذن الأسرة هي الشكل الكلي الذي تصل إليه الطبيعة، هذا لأن الوجود الطبيعي يكون أولا ثم وجود الروح، وهذا يتضح بشكل جلي في كتابه “فينومولوجيا الروح” حيث يقر هيجل على أن الروح تتجلى و أول مظهر من مظاهر التجلي هو الوجود الطبيعي، وهذه الأخيرة في تطورها تعبر عن الروح في أشكال متعددة وهذا ما يسمى بالمباينة في فلسفة هيجل.

حتى المسألة الأخلاقية عند هيجل فهي دائما مرتبطة بالجماعة، على عكس الأخلاق الكانطية المرتبطة بالانسان و ضميره. بالتالي فالتاريخ الهيجلي يتشكل من إرادة كلية، أي ليس مما أريده وتريده، وإنما مما يريده الشعب. وهذا ما جعل هيجل يعود كثيرا إلى النموذج اليوناني، إذن نجد عند اليونان مفهوم المواطن وليس مفهوم الفرد، لأن المواطن يجب أن يتصرف وفقا لمتطلبات المدينة وليس وفقا لما يريده هو؛ ومن زاوية أخرى يمكن القول أن سبب إعدام سقراط هو محاولته تثبيت أسس الفرد.

و المفهوم الثالث المؤسس لفلسفة التاريخ عند هيجل هو مفهوم الوعي الشقي. هذا المفهوم نجده كذلك عند نيتشه، لكن هذا الاخير لا يتحدث عن الوعي الشقي في الانسان، بمعنى أن الإنسان عند نيتشه يمتلك إرادة القوة، وبالتالي فهو قادر أن يحقق كل ما يسعى إليه، لكن هيجل يذهب عكس نيتشه لأن الإنسان لديه أفكار لا متناهية في الذهن، لكن الإنسان كفرد متناهي وهذا ما يؤدي إلى الوعي الشقي. لأن الإنسان فعلا له مطامح، لكن يمكن للتاريخ أن يلهيك ويبعدك عما كنت تسعى إليه، وهنا نلتقي مجددا مع فكرة المصير. يقول جون ايبوليت “من المثير أن هيجل في تحليل فكرة الوعي الشقي ينطلق من مستوى الإنسان الفرد.” هنا نطرح السؤال التالي: لماذا لم يشرع هيجل في تحليله لفكرة الوعي الشقي إنطلاقا من الفرد؟

ما قلناه سابقا عن الفرق بين الأخلاق الكانطية و الهيجلية ينطبق على التاريخ. بالتالي للإجابة على هذا السؤال السابق يمكن القول أن هيجل لم يبدأ في تحليله للوعي الشقي من الفرد، لأنه يعتبر أن قيمة الفرد ليس في فردانيته، وإنما في كليته. وفي هذا الصدد ضروري إستحضار النموذج اليوناني، وفي هذا الإطار قارن هيجل بين الخيال الديني و المخيال اليوناني، لأن ما يميز الدين اليوناني هو أنه دين لا يفصل بين ما هو إنساني و إلهي، لأن الكون اليوناني كون مغلق تعيش فيه الآلهة مع الإنسان(اله الحرب، اله التجارة، اله البحر…) أي أن الدين اليوناني دين تعددي ومعاش، أما الدين المسيحي ليس دينا معاشا. هيجل إذن لا يتوقف عند الحدث التاريخي، لأن الأهم ليس التحولات الكبيرة، وإنما كما قال لايبنيز هناك تحولات صغيرة هي التي تساهم بشكل كبير في تغيير مجرى التاريخ. يقول ايبوليت ” إن معطيات الديانة الوثنية اليونانية من طرف الديانة المسيحية، هو بمثابة ثورة مدهشة و البحث عن أسبابها يجب أن يكون موضوع دراسة فيلسوف التاريخ.” ومعنى هذا أن المسيحية قامت بكبت روح التدين اليوناني، باعتبار الدين المسيحي مبني على الخطيئة التي يتحملها الجميع. وبهذا يكون الفرد المسيحي يعيش الوعي الشقي، لأنه دائما في صراع مع الإله من أجل أن يغفر له خطاياه.

بالتالي هيجل أسس فلسفة التاريخ على هذه المفاهيم إلى جانب مفهوم الإنسانية، التي تجاوز فيها الفكر الانواري الذي يقول إن الفهم العقلي كافي أن يحقق الإنسانية، لكن فهم الإنسانية بهذا المعنى لن ينطبق على الإنسان الواقعي. وهنا نجد أن مفهوم الإنسانية حاملة للديالكتك، حيث نجد في مسألة الاستعمار نجد المستعمر يستعمر الدول المتخلفة لكي يحررها من هذا التخلف والجهل و الفقر… بالتالي فهو يستعمر بإسم الإنسانية، وفي نفس الوقت الدولة التي تدافع عن نفسها فهي تدافع بإسم الانسانية!

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك