واشنطن وسياسة الكذب المتأصل

واشنطن وسياسة الكذب المتأصل – محمد فخري جلبي

تلتزم واشنطن على المستوى الرسمي والغير الرسمي بدفع كافة دول العالم إلى نقطة ماقبل الغليان ، أو في بعض الأحيان إلى قعر (البوتقة) ليتم صهر تلك الدول . وكل ذلك ضمن دوائر سياسية وعسكرية وجملة ضغوطات داخلية وخارجية يتم التخطيط لها بعناية من قبل ساسة الولايات المتحدة الأمريكية .

كما مارست أمريكا وما زالت تمارس أشد انواع الضغط و”الإرهاب” والكيل بعدة مكاييل تجاه كافة الملفات الساخنة الملقاة على طاولة الرئيس الأمريكي ، والذي يمتهن أسلوب ( البلطجة ) الدولية بهدف تحصيل الأموال وتحقيق الأهداف المرجوة من أي قضية مطروحة للحل .
وذلك عن طريق أطالة عمر الأزمة عبر نفخ الروح بشريانها من خلال دعم الأطراف المتنازعة ضد بعضها بالسر أو بالعلن وذلك لتحقيق أعلى نسبة فائدة ممكنة من الملف ، أو عن طريق التحاور مع الأطراف المتنازعة بعد التأكد من ترويض تلك الأطراف من أجل رسم الخطوط العريضة لمستقبل واشنطن في تلك الدولة عقب أنتهاء الصراع الدائر .
وعلى سبيل المثال فلنأخذ الثورة السورية كنقطة أنطلاق أو كحجر أساس لما سوف نأتي عليه لاحقا !! حيث لايخفى على أحد تعاطف البيت الأبيض وممثلها باراك أوباما مع قضية الشعب السوري ، وأعلانه عدة مرات بأنتهاء صلاحية الأسد دون أن يقدم أي وسيلة تمكن الثوار من الأطاحة بحاكم دمشق ، وذلك عبر عدة تصرفات أمريكية لايمكن وصفها سوى بمن يضع العصي بدواليب عربة الثوار المتجهة نحو دمشق . ومن بين تلك التصرفات اللامنطقية والتي أصابت المعارضين السوريين بخيبة الأمل ، بل أن البعض منهم أتهم واشنطن بأنها هي السبب المباشر بزيادة عمر جلوس الأسد فوق مقعد الرئاسة .
وتلك التصرفات الشيطانية لاتعد ولاتحصى ، فمن التراخي في مجلس الأمن إلى حالة الثبات المستنكر تجاه القصف العشوائي للمدنيين إلى منع تزويد الجيش السوري الحر بمضادات طائرات كانت من شأنها أن تقلب موازين القوى في الحرب السورية الممتدة خلال سبع سنوات .

دائماً كنا نتسأءل فيما بيننا عن الإدارة الأمريكية الجديدة ، وعن سقف الأمال المنتظر من هذه الأدارة أن تقوم ببنائه ، كما نرهن قراراتنا وخطواتنا ونعلق كافة أساليب معيشتنا إلى حين أتضاح نوايا الأدارة الأمريكية الجديدة . وكأن واشنطن هي مولد الأوكسجين على سطح الكوكب ، والضامن الوحيد لأستمرارية توازن الكواكب من حولنا عبر لوحة أزرار متطورة مخبأة في قبو بالبيت الأبيض تحول دون أصدام تلك الكواكب بكرتنا الأرضية .
ومن ناحية أخرى يبدأ سباق التوقعات والرهانات ، وتشتعل على ساحات التواصل الأجتماعي ومنصات الأعلام العالمي حروب كلامية تفرز المتشاجرين إلى معسكرين ، مع الأدارة الجديدة أو ضدها .
ومما يزيد من صعوبة التكهن بمجريات الأحداث القادمة والتي تنوي الأدارة الأمريكية الجديدة القيام بها ، هو التخبط في تصريحات المرشحين للرئاسة وقيامهم بلعق كرامتهم بتروي عقب فوزهم بالأنتخابات والألتفاف على كافة تعهداتهم السابقة .
ويبقى السؤال يتيما دون أجابة واضحة يجتمع من حولها المختصون بسياسات الدول الخارجية ، ماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية من دول العالم ؟؟؟
وعلى صعيد أخر يصيب هذا السؤال أعتى المحلليين السياسيين والمراقبين الدوليين ، بوعكة صحية أعراضها مئات أشارات الأستفهام والتعجب ، بسبب أرتباطهم بجهات معينة تخشى المساس بقدسية شرطي العالم . حال أولئك المحلليين كحال عدة دول ترتجف أمام تصريحات البيت الأبيض .

وبما أن المجاملات والعلاقات الأنسانية والأسس الأخلاقية لاتحل المشاكل بين الدول ، فقد قررت واشنطن ( شرطي العالم ) ومنذ فترات طويلة أعتماد سياسة المنفعة الربحية كأسلوب رئيسي ونمط أيدلوجي بالنسبة للتعامل مع دول العالم ، ومن أجل أعادة التموضع في كافة الملفات الملتهبة على مستوى العالم .
كما لم تشعر واشنطن أبدا بالخجل من سحب كلماتها أو أنكار تصريحات رئيسها أو مسئوليها ، ولقد شاهدنا لمرات عدة التأرجح الخطابي بين المؤسسات الأمريكية والأتهامات المتبادلة بين كافة الأطراف ، ودافعهم إلى ذلك هو الفزع المفرط من ضياع الدفة ، بما يحرم الولايات المتحدة من صفة المرجع كحليف يمكن الوثوق به أو كضامن قوي لسلوك دولي منضبط في أطر الحقوق الإنسانية والقيم العالمية .
ومابين تلك الصفة المرجعية التي أستحوذتها واشنطن بالقوة والخداع والمراوغة وبين عدم قدرة واشنطن على أستبدال المنفعة الشخصية بالمصلحة العامة ، تمارس واشنطن
أساليب مكشوفة من النفاق المتعمد لأمتصاص النقمة الداخلية وحالة الأمتعاض الدولي من سياستها الخارجية و التي شكلت حاضنة أستراتيجية لمختلف مشاكل العالم عبر تعاطيها مع تلك الملفات بأزدواجية مقيتة نابعة من منظور نفعي بحت ، دون الأستدارة إلى كمية البؤس والخراب الذي تلحق بتلك الدول .
عندما تصبح حمامة السلام هي ذاتها غراب الموت ، ويكون القاضي هو الجلاد ، وشرطي العالم هو اللص وتاجر السلاح ، فلا أمن ولاأمان على سطح هذا الكوكب المظلم !!!

وضمن رحلة التناقضات بين شعارات واشنطن الأرجوانية وأفعالها الدموية ، يسعى البيت الأبيض إلى الأمعان بالكذب وضخ جملة أدعاءات لاأساس لها من الصحة ( كالسلاح النووي في العراق ) . كما تقوم واشنطن بأنتهاج أرتجالات سطحية تجاه كافة المشاكل المتفاقمة على الصعيد الدولي من شأنها خلق تفسيرات معقدة تدخل كافة الأطراف المعينة بتلك المشاكل نفقا مظلما برعاية واشنطن ليتم في نهاية المطاف تصفية الأجواء بعد أن تعطي واشنطن أشارة الأنطلاق لتلك المرحلة ، عقب تحقيقها مجمل ماتطمح إليه عبر خلق تلك المعضلة وحلها ( كأنشاء القاعدة وداعش ) .

عزيزي القارىء أن بساط البحث شائك ومعقد ، ولايسعنا الوقت وصبرك على التبحر أكثر في محطيات الخداع الأمريكي . ولكن ينبغي علينا وبشكل سريع أخذ عدة أمثلة على الأساليب الشيطانية والتي تمارس من قبل واشنطن من أجل تحقيق غاياتها .
فأن تكون مع واشنطن فهناك مظلة دولية لكافة خطواتك المتهورة ، وأن قررت الهرب خارج الحظيرة الأمريكية ستجد نفسك في حقل ألغام لانجاة منه !!

يمكن ذكر بعض الأدلة التي تؤكد أكذوبة أمريكا المقدسة وذلك من خلال عدة نقاط ..
١. السعودية :
فمن خلال عدة تصريحات وتغريدات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه السعودية ، ومن ناحية أخرى حالة الطلاق بين الحليفين عقب أتخاذ القاطرة الأمريكية في عهد أوباما السكة المتجهة نحو طهران بعد توقيع الأتفاق النووي معها ، وأعلان قانون (جاستا ) والذي يطال السعودية كدولة راعية للأرهاب . زادت مخاوف ساسة الرياض ممادفعهم أخيرا للدخول بالحظيرة الأمريكية بكل ثقة ،
وتوقيع عدة أتفاقيات مشتركة قيمتها 280 مليار دولار، بالإضافة إلى 110 مليار دولار نفقات سلاح .
وبعيدا عن الود المتبادل بين أمريكا والسعودية حاليا ، إلا أن هناك تاريخ طويل من الإهانات وجهها ترامب للسعودية،
ففي إبريل 2016 وخلال حملته الأنتخابية في ولاية ويسكونسن قال ترامب في خطبه أمام أنصاره “إننا نرعى السعودية. الآن لا يستطيع أحد إزعاج السعودية لأننا نرعاها، وهم لا يدفعون لنا ثمنا عادلا. إننا نخسر كل شيء”.
٢. إيران :
تستخدم واشنطن الفزاعة الإيرانية كلما سنحت لها الفرصة خلال الأجتماعات الغير علنية مع دول الخليج ، من أجل أستنزاف تلك الدول ، وكورقة ضغط تؤدي دورها عند الحاجة في سبيل زيادة أنفاق تلك الدول تجاه التدخل الإيراني في دول المنطقة .
وعلى أيقاع الترهيب والأستجرار المادي من تلك الدول المستهدفة ، تسعى واشنطن لأفساح المجال لطهران لممارسة دورها على النحو المطلوب منها لذات الغاية .
ولعل تصريح الجنرال توماس تاسك
نائب قائد العمليات الخاصة الأميركي خير دليل على ذلك !!
فقد صرح الأخير ، أن قيادته تقوم الآن بتجارب ومناورات بشأن إيران بطلب من البنتاغون، وأن مهمة قيادة العمليات الخاصة هو إعطاء خيارات للقيادة العسكرية والسياسية . وشدّد تاسك في محاضرة بالعاصمة الأميركية على أن هناك الكثير من المعلومات حول تصرفات #النظام_الإيراني دون السعي إلى المواجهة المباشرة مع طهران . والمثير بالأمر بأن أوباما حول طهران بين ليلة وضحاها من عدو أمريكا والكيان الصهيوني و أوروبا إلى حليف يسعى الجميع إلى كسب وده وعقد الصفقات الاقتصادية معه ، بينما قلب ترامب الطاولة بوجه طهران ليعيد الكرة إلى الملعب السعودي ليبدأ الأقتتال بينهما من جديد .
٣. كوريا الشمالية :
تعتبر كوريا الشمالية تهديدا مباشرا لكل من كوريا الجنوبية واليابان، بينما تدعمها الصين وروسيا ؛ ما يدفع الولايات المتحدة إلى السعي الدائم لخلق “فزاعة” كوريا الشمالية، للمحافظة على علاقاتها مع اليابان وكوريا الجنوبية . وتستخدم العقوبات على كوريا الشمالية كورقة ضغط على كل من كوريا الجنوبية، والصين، واليابان، أو بشكل أوضح تستخدمها لإعادة ترتيب موازين القوى في منطقة شرق آسيا .
فهل ستتخذ واشنطن أجراءات عسكرية لكبح جماح بيونغ يانغ ولطمانة حلفائها في المنطقة ؟؟
الجواب يأتي على لسان ترامب حيث قال إن الولايات المتحدة “لن تكون سعيدة جدا” إذا أجريت كوريا الشمالية تجارب جديدة، وعندما سُئل هل يعني ذلك أتخاذ فعل عسكري قال “لا أدري . أعني : سنرى” .
ولزيادة الأيضاح وإزالة اللبس حول نوايا واشنطن بأنهاء الأزمة الكورية بما فيه مصلحة ملحة لدول العالم لما تشكله بيونغ يانغ من خطر دولي من الطراز الأول ، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه “سيتشرف” بلقاء الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ-أون في الظروف المناسبة. وقال لمؤسسة بلومبرغ الأخبارية “إذا كان مناسبا لي أن التقيه، سأفعل بالتأكيد، وسيشرفني فعل ذلك”.
وضمن هذا الملف بالتحدبد قامت الدول الحليفة مع واشنطن بحصر خياراتها بعدم الأعتماد على الحليف الأمريكي المخادع !!
وكما صرح مرشح الحزب الحاكم للرئاسة يونغ بيو كونغ في كوريا الجنوبية ، بأنه أذا أتضح حقيقة مكان وجود حاملة الطائرات الأمريكية “Carl Vinson ” خارج نطاق مياه شبه الجزيرة الكورية ، فإن كوريا الجنوبية لن تثق فيما سيقوله ترامب لاحقا ” .
يذكر أن مسؤولين أمريكيين كانوا أكدوا أن حاملة الطائرات الأمريكية “Carl Vinson” بمرافقة قوة بحرية ضاربة قد أُمرت بتغيير مسار إبحارها والتوجه إلى شبه الجزيرة الكورية، إلا أنه تبين لاحقا أنها واصلت إبحارها نحو أستراليا كما كان مقررا لها .

كما يبدو أن سياسية الكذب والتخويف الأمريكي تجاه دول العالم تؤتي أكلها في شتى المجالات .
وبينما تقوم واشنطن بخلق فقاعات مخادعة و ممارسة لعبة أنكار التصريحات ، تتجه دول العالم إلى تصديق واشنطن والدخول طواعية ضمن غرف الهمينة الأمريكية القذرة
على تلك الدول . والأمر لايقتصر على الدول التي ذكرناها ضمن سياق المقال ولكن يكاد يلامس كافة دول العالم !!
حيث قال «ترامب»، في مقابلة مع «رويترز» خلال حملته للأنتخابات الأمريكية إن تصريحات «دوتيرتي» رئيس الفليبين حول الولايات المتحدة و«أوباما» أظهرت «عدم أحترام لبلدنا».، ولكن ترامب دعاه فى مكالمة هاتفية أستمرت 7 دقائق إلى زيارة الولايات المتحدة فور تسلم مهامه رسميًا !!
وضمن مسلسل حلقات التضليل الأعلامي والترهيب والتوعد في حالات السلم والحرب
والذي تنتهجه الولايات المتحدة كأرضية ثابتة للحوار مع دول العالم ، أنتقد ترامب أيضا دولا عدة منها كوريا الجنوبية وألمانيا والمملكة العربية السعودية لأنها لا تساهم بمبالغ كافية في الحماية التي توفرها الولايات المتحدة لها، على حد تعبيره ، ووجه المرشح الجمهوري للأنتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة دونالد ترامب أنتقادات حادة لليابان ،(وتعجب ترامب من كيفية قبول بلاده بالتعهد بالمحاربة من أجل اليابان بينما بوسع اليابانيين البقاء في منازلهم إذا تعرضت الولايات المتحدة لهجوم عسكري ما ) .

وأخيرا فلقد وصلت (البلطجة) الأمريكية حد غير مسبوق ، ومن الدول الموضوعة في مرمى القصف الأمريكي في الأوقات الحالية في ظل أنكفاء وعدم فعالية دول العالم ، هي إلمانيا !! فقد صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السبت 18 مارس/آذار 2017، إن المانيا مدينة لحلف شمال الأطلسي بمبالغ طائلة وعلى برلين أن تدفع للولايات المتحدة المزيد للدفاع عنها. ووجه وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل أنتقادات حادة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقال إن سياسته “القصيرة النظر” أضعفت الغرب وألحقت أضرارا بالمصالح الأوروبية .
وقال غابرييل في معرض رده على تصريحات ترامب إن “أي شخص يعمل على تسريع التغير المناخي من خلال إضعاف حماية البيئة، ويبيع المزيد من الأسلحة في مناطق النزاع ولا يرغب في حل النزاعات الدينية سياسيا يعرض السلام في أوروبا للخطر .

من البديهي أن تمارس الدول القوية على مستوى العالم كافة الأساليب المتاحة من أجل الحفاظ على الأمن وأرساء حالة من الأستقرار الدولي ، ولكن أن أصبحت دفة المركب ضمن نطاق سيطرة دولة نفعية أستعمارية كالولايات المتحدة الأمريكية ، فهنا يجدر بدول العالم التكاتف والتعاون لدحر تلك الدولة عن منصة قيادة البشرية .
ومن ناحية أخرى فمازالت دول العالم تدور في فلك واشنطن عبر سلسلة من التناقضات اللأخلاقية !!
كما يجدر الأشارة أيضا بأن التسميات تتغير وتبقى الإيديولوجيات نفسها ، وعبر التأمل في سيرورة الأحداث برعاية البيت الأبيض فأننا نتجه نحو الكارثة .
ملاحظة : لايشترط توافق مزاج الشعب الأمريكي مع سياسة دولته !! فمن أستطاع خداع شعوب الكرة الأرضية بأكملها لن يستعصي عليه ممارسة الكذب بالداخل وتحقيق مأربه الدنئية .

ــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك