متى سيعتذر المسلمون لداروين ؟ الكاتب : رمضان عيسى

متى سيعتذر المسلمون لداروين ؟ – بقلم: رمضان عيسى

لكي نفهم معنى قانون جاذبية يجب أن يكون لدينا فهماً لمعنى كرة أرضية ، ومما تتكون ؟ ومعنى القطبية الأرضية، ومعنى مفهوم الكتلة والوزن والكثافة والزمن والسرعة ، وعلاقة هذه المفاهيم مع بعضها البعض ، ومدى تأثرها ببعضها البعض !! فبدون هذا لا يمكن فهم قانون الجاذبية وفعله ، وكيف تتأثر الأجسام الساقطة به ، وما هي أضراره في حالة تجاهله ، وكيف نستفيد من فعاليته في الحياة العملية ؟

وكذلك لكي نفهم نظرية النشوء والارتقاء ل ” تشارلز داروين ” ، التي تنطلق من قانون ” الانتخاب الطبيعي ” ، الذي يفعل فعله في العضويات الحية ، فيجب علينا أولاً أن نفهم حاجة الجسم للغذاء ، وحاجة الكائن للبقاء .
فللحصول على الغذاء والمحافظة على البقاء تناضل العضويات الحية لامتلاك المقدرة على التكيف ، فالفوارق الجسدية وقابلية الأعضاء على التحور والتلائم والمميزات التي يمتلكها الجسم الحي تؤثر في درجة التكيف ، كما أن الظروف الطبيعية المناسبة تلعب دورا فعالاً في تنشيط عملية التكيف .

كما أنه لا يمكن أن نتجاهل أنه أثناء عملية التكاثر تحدث في كل نوع طفرات جينية كل عدة أجيال مما يعمل على فرز نوع له قابلية أكثر على التكيف .

وأيضا يجب علينا أن ندرك أن هناك فرق شاسع في المدى الزمني ، بين التغيرات التي تحدث في المادة الجامدة ، من حركة ميكانيكية أو كيميائية أو فيزيائية ، وبين التغيرات التي تمر بها العضويات الحية في طريق تكيفها ، والتي قد تستغرق آلاف ، بل ملايين من السنين .

من الملاحظ أن الكثير ينظرون الى عملية التطور بسذاجة ، فنراهم يتصورون التطور وكأنه بناءً هندسياً يجري تشييده قطعة ، قطعة جاهزة الطول والعرض والارتفاع !! ، وأنه بتجميع هذه القطع ورصها حسب المخطط ، يقوم البناء ويرتفع ويصبح جاهزاً للاستخدام !

ولكن تصور أنه تم وضع عدة قطع مثلثة بدل المستطيلة في أماكن متعددة من البناء ، فإن المبنى سينحرف ، ويرتفع مائلاً ، وكلما ارتفع تظهر درجة انحرافه التي تُعجل في سقوطه .

فالعملية التطورية التي شملت العضويات الحية لم تسير في طريق الجاهزية العضوية ، أو التسلسلية الجاهزية حتى اكتمل البناء العضوي للجسم الحي .

ان العملية التطورية الحادثة في العضويات الحية هي عملية معقدة تدخل فيها عوامل كثيرة وليس بالضرورة أن تكون النتيجة هي نفسها ، فقد تتنوع النتائج مع كل فترة زمنية وظروف حياتية بها درجة ما من الاختلاف عن سابقتها .

فالتطور سار بطرق متعددة ، ومتشعبة ، تراكمت فيه العديد من التغيرات ، وتنوعت فيه العديد من الطفرات الجينية ، والتحورات الملائمة وغير الملائمة داخل النوعية العضوية التي وجدت في ظروف بيئية معينة .

ومن خلال حياة طويلة جرت عملية الانتخاب الطبيعي حيث تثبتت في الجسم ، أو بالأحرى الأجسام التحورات الملائمة للحياة في ظروف بيئية ملائمة ، واضمحلت أكثر فأكثر التحورات الغير ملائمة .

معنى هذا أن الحيوانات التي تكيفت مع هذه الظروف هي التي بقيت ، بينما الأخرى التي لم تساعدها أجسامها ، أو أعضاء في أجسامها على التكيف مع الظروف البيئية التي كانت موجودة فيها ، فانقرضت .

وهناك تساؤل أقرب الى السذاجة منه الى العلم ، وهو ما هي الحلقة المفقودة بين الانسان والقرد ؟
اذا كان السائل يقصد بسؤاله هذا أن الانسان قد تطور عن القرد الحالي ، ويسأل عن الحلقة المفقودة بينهما ، أي يبحث عن كائن حي ليس بقرد وليس بإنسان ، أو ما أطلق عليه البعض ” القرسان ” .

في تصوري أن لدى السائل بهذا الشكل نظرة ساذجة وميكانيكية للعملية التطورية .

ان فعالية الانتخاب الطبيعي وعملية التطور لم تحدث كسلسلة واحدة مستقيمة كدرجات السلم ، وكان الانسان فيها احدى حلقاتها ، وكان القرد فيها الحلقة التي سبقت الانسان !! لا بل انها عملية معقدة وكثيفة من التفرعات كان فيها القرد والانسان ضمن فرعين متقاربين من نفس الشجرة ، ولكن ليسا متتابعين ، بالمقارنة مع العضويات الأخرى .

ان عملية التطور وفق الانتقاء الطبيعي هي عملية مستمرة ، فكانت ولا زالت تفعل فعلها على جميع الكائنات الحية التي وُجدت على الأرض .

فنظرية داروين في جوهرها هي إرساء فكرة التطور في الأحياء , وان الأنواع تتعاقب ولا تتجاور فقط , وإنها ليست ثابتة , ولن تبقى ثابتة , وإنها تمتلك ماض وحاضر ومستقبل , وأنها تتغير وتتطور..

وقف الغرب ضد نظرية ” النشوء والارتقاء ” ، وكان الاسقف ولبرفورس في مقدمة من هاجموا نظرية التطور وصاحبها داروين ، اذ رأى أن قانون الانتخاب الطبيعي يتعارض مع كلمة الله ويناقض العلاقة بين الخليقة وخالقها …
استمر هذا الموقف لأكثر من مائة عام ، ولكن أخيراً تم رد الاعتبار لداروين ، فكان جان بول الثاني رائدا في مجال الاعتراف الديني بنظرية التطور الداروينية عندما اعترف أمام أكاديمية العلوم الخاصة بالفاتيكان سنة 1966م : ” نظرية التطور أكثر من فرضية ” , بل هي علوم دقيقة لا مفر للمؤمنين من الاعتراف بها.

ف”أكاديمية الفاتيكان” التي أنشأها بيوس 12 لمحاربة العلم والعقل. لكنّ الفلكي الفزيائي البلجيكي، جورج لوميتر ، ربما إلى الأبد، صالحها مع العقل والعلم. فهذه الاكاديمية هي التي اقترحت على البابا يوحنا الثاني في 1999 الاعتذار عن اضطهاد الفاتيكان للكاثوليكي، جاليليو، وللملحد، داروين، ففعل معترفاً في خطابه أمام الاكاديمية لتبريره قراره بأن “نظرية التطور لم تعد مجرد فرضية بل هي منذ الآن نظرية علمية “.

وفي البلدان العربية والذين لا يمكن فصلهم عن الاسلام ، رغم أن نظرية النشوء والارتقاء لداروين لم تتطرق الى الاسلام ولا الى المسلمين بشيء ، إلا أنهم أعلنوا العداء لها بمجرد أن سمعوا ببعض أفكارها ، ووصل بهم العداء الى اعتبارها نموذجاً مضاداً للاسلام نصاً وروحاً .

فنراهم ألفوا الكتب الممتلئة بالتشكيك والسباب والشتم والنفي وتشويه مفاهيم التطور ليس في الجانب النظري ، بل وفي الجانب التطبيقي ، فحل المفهوم الشكلي ، الشيئي للتطور بدل المفهوم المنهجي والتطبيقي العملي …. وهذا ما يفسر عمق الهوّة التي أوقع العرب أنفسهم فيها بالمقارنة مع العالم .

ووصل بهم العداء الى الغاء تدريس الفلسفة ونظرية داروين في المناهج الدراسية ، وكان لهذا أثره على الأجيال التي تم عزلها عن التطور الفكري العلمي والحضاري .

إن التطور عملية لا تأبه بالعواطف ، وهي تفعل فعلها بأشكال متعددة ، وهي عملية مستمرة ، وقانون الانتقاء الطبيعي لا زالت مظاهره الحديثة على الانسان ماثلة للعيان نذكر منها :” هضم الحليب بعد مرحلة الطفولة ، تطور جينات لدى الانسان تقاوم الأمراض ، ظهور العيون الزرقاء ، وهذا بسبب إنتاج الميلانين في القزحية ، ولا يوجد مثله في الثدييات ، اكتساب القدرة على التنفس في المرتفعات – التبتيون كمثال – ، زوال الحاجة لأضراس العقل في فم الانسان ، التورّد (احمرار الجلد) كرد فعل لشرب الكحول ، ظاهرة تقلص حجم الأدمغة ” . (من مقال : ” 7 صفات غريبة تدل على تطور البشر – المكتبة العامة ) .

ولما كان هذا حال التطور والذي لا يمكن تجاهله ونكرانه في الحياة بجميع مظاهرها المادية والفكرية والسياسية والاجتماعية ، فإلى متى سيظل العرب في منأى عن التوجه العالمي التطوري ؟

ومتى ستكون عند الأزهر أكاديمية للعلوم ترسي المنهجية العلمية في التحليل وفي المناهج المدرسية والجامعية ، ومتى سيعترف العرب بنظرية داروين باعتبارها قاعدة مركزية ومنهجية لكثير من العلوم ؟
والأبعد من هذا ، متى سيعتذر المسلمون لداروين ؟

ـــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك