السبب الحقيقي لكل المشكلات التي تعانيها مصر .. تشريح علمي دقيق

السبب الحقيقي لكل المشكلات التي تعانيها مصر .. تشريح علمي دقيق

قد يكون أعدى أعداء مصر هم بعض المصريين المتعصبين، أولئك الذين يدفنون بإصرار رؤوسهم في الرمال، ويتغابون أو يتغافلون عمداً عن عيوبنا، زاعمين باستمرار أن أم الدنيا مصر بخير، وأن ليس في الإمكان أبدع مما هو كائن، متشنجين على كل مصري ينقد مصر لصالحها، ومتهمينه بتعنت أو بتخابث بعدم الولاء أو الخيانة .. الخ.

المثير، والمؤسف أكثر، أن على رأس هؤلاء الأعداء لمصر بالجهل والجهالة وضيق الأفق، يأتي غالبا ولا نقول دائما الحكم والحاكم، فالسياسي، الذي – بالتعريف – يبيع الوطنية للمواطن، لا يملك إلا أن يقدم الأوهام الوطنية والمخدرات التاريخية للجماهير، فمصر “أم الدنيا، أم الاختراع، أم الحضارة، فاتحة التاريخ، فوق الجميع، خير أمة أخرجت للناس”، (أم العرب أيضاً).. الخ. والحاكم، ف يالوقت الذي يكون أكثر من يسوم الشعب العسف والخسف والهوان والذلة والقهر الجسدي أو المعنوي أو كليهما، بحيث يصبح هو مصدر كل عيوبه وسوالبه، الحاكم لا يتورع بالديماجوجية مع ذلك عن أن ينافقه ويتزلف إليه ويتملق غرائزه الوطنية الطبيعية، بتضخيم ذاته وتعظيم صفاته ومناقبه وأمجاده.

والقاعدة تقريبا عند كل حاكم أننا – بزعمه – نعيش دائما في عصره أروع وأمجد فترة في تاريخنا وحياتنا بلا استثناء. كل عصر عند صاحبه هو، وهو وحده، عصر مصر الذهبي. تلك نغمة أزلية وبضاعة مزجاة يكررها كل حاكم منذ الفراعنة في نقوشهم وسجلاتهم الهيروغليفية على جدران الآثار ،حتى اليوم في أبواق الدعاية ووسائل الإعلام العميلة التي لا تتحرج ولا تخجل.

ولأن الحاكم، بالنظرية والتطبيق، بالوراثة أو بالممارسة، يتوهم مصر دائما ضيعته أو قريته الكبرى، هو الدولة وهو الوطن، والولاء للوطن هو وحده الولاء للنظام، فإنه يعتبر أن كل نقد موجه لمصر إنما هو موجه إليه شخصيا، وبالتالي فهو خيانة وطنية، خيانة عظمى. باختصار، النظام أو الحاكم هو بالضرورة والواقع العدو الطبيعي لناقد مصر الموضوعي أيا كان. والغالب أنه يتخذ من المفكر الناقد لمصر “صبي الضرب” whipping-boy التقليدي وكبش الفداء الدوري على مذبح الشعبية الرخيصة ومداهنة الشعب (وإرهابه أيضا).

الغريب المؤسف أن الشعب المخدوع الساذج نصف الجاهل قد يستأسد ويبطش بابنه، ناقده الوطني، الذي يريد له الخير والسيادة، فيدينه ويسلمه تسليما لسوط الحكم، وذلك بالقدر نفسه الذي يخنع فيه ويخضع ويستكين تحت هذا السوط. وهكذا للغرابة والدهشة، قد نجد الشعب المسكين المضلل (ولا نقول الخائف المروع) يتبادل مع قيادته العاجرة الفاشلة الباطشة غالبا، وجلاده الغاشم ا لخائن أحيانا، أنخاب خداع النفس وعبادة الذات، الأول يتغابى عن عيوبه الجسيمة بل وينغنى بها، والثاني يلهيه ويخدره عن استبداده وقهره أو خيانته وغدره بأحاديث المجد والوطنية والأصالة .. الخ.

………………………

من كتاب شخصية مصر للدكتور جمال حمدان، الجزء الأول، ص: 28 – 29.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك