قصة الاقتصاد المصري من محمد علي حتى الوقت الراهن

قصة الاقتصاد المصري من محمد علي حتى الوقت الراهن – سعيد عجلان

بكل بساطة تعتبر الدولة ناجحة اقتصاديا، حين تكون نسبة صادراتها تفوق واردتها، وهذا ماقام به محمد على باشا أثناء حكمة مصر. فقد عمل محمد على فى البداية على تثبيت حكمه والتخلص من أعدائه، وبعد مرور خمس سنوات عمل على الاهتمام بالزراعة، وشق الترع، وبناء الجسور، مما عمل على زيادة الرقعة الزراعية فى عهده، وأصبحت مصر من أولى الدول تصديرا للذرة والأرز والقمح. كان محمد على يؤمن بأن الدولة التى تنتج غذاءها تكون حره فى اتخاذ قراراتها بحرية. طبق محمد على نظام الاحتكار، فكان يأخذ المحاصيل الزراعية من الفلاح، ويقوم بعرضها فى مزاد علنى، حتى يحصل على أعلى سعر ممكن للفلاح ،وأصبح محمد على فى هذا الوقت هو التاجر الوحيد فى مصر. أما الصناعة فقد عمل أيضا على بناء المصانع، ومنها مصانع الغزل، وفرض بعض القيود على الواردات ،حيث كانت مصر لا تستورد إلا السلع الضرورية ،مثل الآلات التى تحتاجها المصانع، والسلاح للجيش الذى قام بإنشائه

عام 1840، في الوقت الذي كان محمد علي مستمرا في تحقيق نهضته، كانت هناك حركة نمو كبيرة في كل من إنجلترا وفرنسا ، حيث زاد الإنتاج، وتحقق فائض كبير من الأموال، مما دفع هاتان الدولتان إلى البحث عن أسواق جديدة خارج حدودها ، تقوم بالاستثمار فيها وتعود عليها بمكاسب كبيرة، وكان نظام الأحتكار الذى قام به محمد على فى البلاد عائقا أمام هذه الدول، فقاموا بالضغط عليه حتى يقوم بالانسحاب من سوريا، وقاموا أيضا بالضغط على الدولة العثمانية للتأثير على محمد على، حتى يقوم بفك هذا النظام، وفتح باب الاستيراد امام جميع المنتجات الأوربية، رضخ محمد على في النهاية للضغوط ،ووقع اتفاقية لندن، التى أدت إلى إغراق الصناعة المحلية أمام المنتجات الأوربية، وأدى ذلك إلى تدمير ما قام به محمد على خلال ثلاثين عاما .

أما فى عهد الخديوى إسماعيل، فقد تم إغراق مصر بالديون، حيث كان يقوم بالاقتراض من الدول الأوربية، ويضع الأموال الكبيرة فى مشروعات ذات عوائد ضعيفة، مما أدى ذلك إلى عجز مصر عن سداد ما عليها من التزامات لهذه الدول، وقامت فرنسا وإنجلترا بإنشاء صندوق فى مصر لخدمة الدَيْن، وقاموا بالإشراف على موارد الدولة ومصروفاتها، وأخذ الفائض للصندوق، وقعت مصر بعدها تحت نير الاحتلال الإنجليزى، بحجة الديون التي تقع على كاهل الدولة المصرية، لكن السبب الحقيقى وراء الاحتلال الانجليزى هو تأمين طريقها التجارى إلى الهند .

ومع انتهاء دولة محمد علي وأبنائه، وقيام دولة يوليو، فقد قام عبدالناصر بالاقتراض من الخارج أيضا، لكن كان هدفه تحقيق خطة تنمية طموحة، فقام ببناء مصانع تزيد من الإنتاجية، مثل مصانع الأسمنت والحديد والالومنيوم وغيرها، فى ذلك الوقت كان ينمو الأقتصاد بصورة جيدة، لكن ضرب مصر فى 67 وهزيمتها أدى ذلك إلى وقف النمو الأقتصادى ،ودخول مصر أزمة إقتصادية جديدة، حيث تم إغلاق قناة السويس، وإنخفاض واردات السياحة، ووقف المعونة الأمريكية عن مصر ،بسبب ذلك كله توقف عبدالناصر خطته الطموحة، ولم يستمر في طريق الاقتراض إلا فى أصعب الظروف ،حتى لا يضع البلد مره أخرى فى أزمة الديون ،كما حدث فى عصر إسماعيل. وكان الوضع العالمى فى ذلك الوقت مشجعا لعبدالناصر، لإحداث قفزات فى الأقتصاد فى بداية الستنيات، حيث كانت هناك قوتان عظمتان (الاتحاد السوفيتى وامريكا )، كانت كل قوة من هذه القوى تريد أن تخضع دول العالم الثالث لصالحها، أو على الاقل لا تريد أن تنحاز هذه الدول للقوى الأخرى ،لعب عبدالناصر على هذا وكان يأخذ السلاح من الاتحاد السوفيتى، و يأخذ أيضا المعونة من الولايات المتحدة، وأنشأ فيما بعد منظمة دول عدم الانحياز .

وإذا انتقلنا الى عصر السادات، فنجد أن سياساته أدت إلى إغراق مصر بالديون كما حدث في عهد الخديوى إسماعيل من قبل، ومن أسباب إغراق الأقتصاد المصرى، الانفتاح على السوق العالمى، مما أدى إلى إغراق السوق المحلى بالسلع والمنتجات المستوردة، والسبب الآخر أن النظام الأقتصادى المصرى كان غير متجانس ، بمعنى أنه ترك الأسعار للسوق وفى نفس الوقت قام بدعم السلع الأساسية، مما أدى إلى حدوث خلل فى النظام الأقتصادى، كمن جلس بين مقعدين، أدى ذلك الخلل إلى إحجام الأستثمارات الأجنبية، و وقوع مصر فى أزمة الديون، وقامت أمريكا بتضيق الخناق على مصر أكثر، حتى يوقع أنور السادات على إتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل فى ذلك الوقت، وبسبب الأزمة الأقتصادية الخانقة رضخ السادات فى النهاية للضغوط الأمريكية، وبعد التوقيع حصلت مصر على أموال كبيرة جدا من الأستثمارات، وبدأ يتحسن الأقتصاد المصرى وينمو بشكل كبير، ومع ذلك استمر السادات بالاقتراض وزيادة الأعباء على الدولة .

تولى مبارك حكم مصر عام 81 ،وكانت مصر مثقلة بالديون، التى عجزت الدولة عن سدادها، بسبب ما تركه نظام السادات من اقتصاد مشوه، استغلت الولايات المتحدة أيضا هذه الظروف وطلبت من مصر أن تؤيدها فى الحرب على العراق، مقابل التنازل عن أجزاء كبيرة من الديون، وافق مبارك على هذا العرض، وتم بالفعل التنازل عن أجزاء كبيرة من الدين وتقسيط الجزء الباقى فيما سمى بعد ذلك باتفاق (نادى باريس )،

وظل الانكماش الاقتصادى فى عهد مبارك، منذ بداية حكمة 81 حتى عام 2004، ثم بعد ذلك بدأ الأقتصاد المصرى فى النمو بشكل كبير، وبدأت تجد الحكومة الحل فى الخصخصة وبيع القطاع العام وتشجيع الأستثمارات الأجنبية ، وبرغم النمو الاقتصادى الكبير إلا أن الشعب ظل يعانى بسبب سوء التوزيع .

الشاهد فى كل ذلك أن الدولة المثقلة بالديون دائما ما تؤثر فيها الضغوط الخارجية، كما حدث فى عهد إسماعيل بإنشاء صندوق الدين، ومراقبة الاقتصاد المصرى، وحدث أيضا فى عهد السادات، وإرغامه على توقيع معاهدة كامب ديفيد، وحدث أيضا فى عهد مبارك، وإجباره على تأييد الغزو الأمريكى فى العراق.

وبالرغم من كل ذلك لم يتعلم النظام الحالى من دروس التاريخ ،بل يقع فى نفس الأخطاء ويبحث عن الاقتراض من صندوق النقد الدولى وغيره من المؤسسات الدولية .

ــــــــــــــــــــــ

تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على كتاب “قصة الاقتصاد المصري” لـ د. جلال أمين.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك