نقد رواية (الأم) لمكسيم جوركي والتأثر السردي بالإتجاه الواقعي فيها

في نقد رواية (الأم) لمكسيم جوركي والتأثر السردي بالإتجاه الواقعي فيها – بقلم: زيد العدوان

تحتل رواية (الأم) لكاتبها مكسيم جوركي حيزاً مهماً لدى النقاد، فهي رواية تتحدث عن أوضاع وظروف العمال في العالم أجمع، ويسرد جوركي بلغة تراجيدية درامية تشبه لغة جان راسين عن الأوضاع البروليتارية، والتي غالباً ما تكون يائسة، ولكن، وفي هذا النقد، فإن التركيز سيكون على تأثر رواية (الأم) بغيرها من الروايات في تحليلها السردي لأوضاع العمال اليائسة.

فنجد عند مكسيم غوركي طبعة من النزعة السفسطائية في رائعته الجليلة (الأم)، فأن الكاتـب البروليتاري جوركي ينازع ويجادل في إثبات النزعة التي عنده، فهو يأبى أن يستسلم لمشاق الحياة، ويكتب حتى الهلوسة ببطلة بافل، البطل الذي احتل جمّ الإنتباه من سائر الشخصيات، فهو لينين في الخطابة وستالين في القيادة، كما أن الرواية تراجيدية بحتة مما يساعد ذلك على عظمـتها وطلـوعها من القاع إلى الرأس الهرمي في النقد الأدبي؛ حيث تحدث عنها أعظم النقاد في العالم وأروعهم وتأثر فيها الكثير بأسلوب كتابتة منهم : هنري باربوس ونوباكوف وغيرهم.

فتأثرت روايات أخرى برواية الأم، واللاتي كن من المدارس الواقعية التي تتناول حياة وخصوصاً السرد، ومن أكثر الروايات التي أثرت بالأم هي رواية (الجحيم) لباربوس، فكان هناك تشابة بين شخصية الأم وشخصية باربوس المجهولة (1)، فتهرب البطل المجهول الاسم في رواية (الجحيم) عبر تحليلاته التراجيدية للحياة وتهرب الأم من القناعات عبر تحليلاته المأساوية للحياة هي بحد ذاتهما سرد تحليل تراجيدي للرواية الواقعية ،فكلا من الأم و يإبيان الواقع بشتى انواعة وأشكاله العامة، ويرفضان الحياة المتعلقة بالفراغ المدسوس بين روحمها؛ فنحن نجد الأم تارة تهذي في نفسها ونجدها تارة تخاطــب بكل قوة وضرواة – كما كان بافل ابنها يخطب – وهذا ما نجده مشابهـاً لبطل هنري باربوس في روايتة (الجحيم)؛ إذ كان يهذي في نفسه محاولاً الهروب من واقع الحياة عبر تحليله لمغزى الحياة، والبحث عن معاني تراجيدية للواقع، وذلك ما يقارب شعور الأم التي تحلل الأحداث الواقعية لتفضي إلى نتيجة مفادها عدم صلاح الحياة الإ بالثورة وحماية طبقة العمال.

كما تأثر مكسيم غوركي بتشيخوف وتولستوي وخصوصاً في أسلوب سردهم للواقعية الإشتراكية كأسلوب جمالي يضفي على النص جمالية، فتشيخوف وجوركي يكتـبان بأسلوب الواقعية الإشــتراكية، فتــشيخوف كان يكتـب عن البروليتاريا والشعب والنضال الكادح، وذلك عندما قال مكسيم غوركي لما زار تشيخوف في بيتة : “ذات مرة دعاني تشيخوف لزيارته في قريته (كوتشوك – كوى)؛ حيث كانت له قطعة ارض صغيرة ومنزل ذو طابقين وهناك عرض عليّ ضيعته وهو يقول بحيوية : لو كان لدي نقود كثيرة -إلى- كما ندرك أن من دون شعب مثقف ثقافة واسعة ستنهار الدولة كالبيت المُشيد من طوب لم يحرق جيداً…( إلى النهاية) .

فتشيخوف في قوله هذا مـُهتم بسياسة البروليتاريا وغيرها كـمكسيم غوركي وغيره من النـقاد الإشــتراكـيين كهنري باربوس.

بينما وجه التأثر بين تولستوي وجوركي هو أن تولستوي احتوت آرائة عن الثورة الإشــتراكية وكـيف تـخدم الدولة، فهناك تشابة كبير بين ليون تولستوي ومكسيم غوركي؛ حيث أن الثاني تأثر في الأول، فقد قال مكسيم جوركي : “أن الادب والكتابة وظيفتهما خدمة الدولـة اقتصادياً وسيـاسيـاً واجتـماعـياً وذلك ارتأى ارتباط الفن والأدب بالواقع الاجتماعـي”، فجوركي تأثر في آراء تولستوي عن الأدب الثورين وتسخير هذا الإراء لتعريف الإتجاه الواقعي، ومع أن ليون تولستوي قام بكتابة نفس المواضيع التي كتبها مكسيم غوركي برواية الأم، الأ أن تولستوي أعتمد أسأليب الأدب الواقعي لإضفاء جمالية على النص، بينما أعمتمد جوركي أساليب الأدب الواقعي كسردية للتعبير عن الأفكار الرئيسية، لا لإضفاء لمسة جمالية فقط (2).

لِذا، فإن نسب الواقعية الأشــتراكية إلى ليون تولستوي لا مكسيم غوركي، وقـد أتبع بعـض كبار الأدباء الرومنطقيين أسلوب للإقتداء بها كرواية للسرد والأحداث، فالواقعية الإشتراكية هي وليدة المدرسة الواقعية ولكن في نمط اجتماعي وسياسي، فكتب فكتور هوجو عنها وتجليت هذة النظرة في كتابهِ البؤساء؛ حيث كانت تدور عن قصة أب وأم وطفلة، يعيشون حياة بائسة جداً تحت نظام الكنيسة المهدر للـأموال، فالرواية تصور واقع طبقة العمال في فرنسا عبر إختزال هذه الصورة في التحدث عن وضع عائلة بائسة.

كما أن مكسيم جوركي تأثر بلينين، فلينين لم يكمل مؤلفاته لإن برأيه أن ثورة عام 1917 أختصرت ما أراد قوله في مؤلفاته، فم يكمل مؤلفاته بذلك، ويتشابه ذلك مع جوركي؛ حيث أن جوركي ترك نهاية الرواية نهاية مفتوحة؛ وذلك لإن تكهنات الأحداث ستقود إلى نتيجة مفادها أن الثورة هي نهاية الرواية، فلا حاجة لإكمالها إذن، إذ أن الرواية بما فيها من أحداث تعبر عن أن ثورة وشيكة للعمال قادمة؛ أي أن الأحداث أحداث تصعيدية توضح أنها ستقود إلى ثورة في نهاية الأمر، فأكتفى جوركي بأن يتركها رواية ذات نهاية مفتوحة. فنهاية الرواية هي نهاية مفتوحة ليس لها نهاية، وذلك يعود إلى أن الثورة هي التي أكملت كما أن الرواية تخدم (الأنجيليستيا البروليتارية) عبر سرد أوضاع العمالين البائسة وتكهنات الأحداث بحدوث ثورة ستقود إلى إنتصارهم ، ممـا جعلّ العمال يفتخرون تاريخهم بضع الشيء ونضالهم وكفاحهم.

وفي النهاية، فإن الرواية قد حازت بين الأوساط الأدبية ما لم تحزّهُ كل الكتب والقصص الأدبية الأخرى، فهي لحالها كانت قد فجرت صراخاً مدوياً متفتحة بذلك عيون الناس إلى واقع البروليتاريا.

ــــــــــــــــــــ

• الهوامش:

(1) : وهو البطل الذي حفر ثقب في الحائط.
(2) : حيث أن أساس الإتجاه الأدبي الواقعي كسرد هو تولستوي، لا جوركي، فتولستوي أعتمد الإتجاه الواقعي الأدبي كسرد للأحداث والتفاصيل، بينما جوركي كفكرة، مع الذكر بإن جوركي استعمل أسلوب الإتجاه الواقعي كسرد أيضاً، لكن الأصل يبقى لتولستوي.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك