الدوحة بين المقاطعة والحصار !

الدوحة بين المقاطعة والحصار – محمد فخري جلبي

بلسان عربي وهوى أمريكي تستمر مقاطعة قطر ، ولسنا هنا بصدد أعادة ذكر الأسباب الهشة وكشف ماتوارى خلف التصريحات الرنانة من قبل الأطراف المتناحرة عقب المقاطعة ، فقد توسعنا كثيرا حول تلك النقاط التي أدت إلى أقتتال الأخوة الأعداء وذلك في مقالين .. الأول تحت عنوان (لماذا قطر بتاريخ 8 يونيو ) ، والثاني وعنوانه (الحمار والجزرة بتاريخ 4يونيو ) . وحول عنوان المقال الثاني ومالاقاه من ردات فعل غاضبة حول التسمية دفعت الكثير من مواقع الأخبار ومطابخ الجرائد العربية بالعزوف عن نشره على غير العادة ، فيجدر الأشارة هنا بأن العنوان قد أصاب قلب الحقيقة والتشبيه أبلغ من أن يحتمل النقاش !!! ولو أن مفتش سوق عكاز حاضرا بيننا لكان قد منحني لقب الأديب .. المحلل !!

وأستكمالا لحلقات مسلسل مهازل العرب (بالرغم من ضرورة معاقبة قطر ) ، تدخل المقاطعة العربية العربية البوابة الدولية ، كما تنازع قطر بمجابهة أضرار المقاطعة في الربع الساعة الأخيرة من عمر الأزمة .

وضمن حلقات الأزمة تسعى الدوحة إلى تدويل الملف عبر القنوات الدبلوماسية في عواصم العالم مماقد يسفر عن لجم حدة التصريحات القادمة من الرياض ويهبط بسقف الشروط السعودية لأنهاء المقاطعة بمنسوب قياسي يتماشى مع تطلعات الدوحة بالقيام بأقل قدر ممكن من الأنحناء أمام الرياض .

حيث تسعى الدوحة عبر وزير خارجيتها محمد بن عبد الرحمن آل ثاني وجدول سفره المكتظ إلى عواصم الدول الكبرى إلى قطع الطريق على المعسكر السعودي وحلفائه لأنشاء قبة فولاذية دولية تحمي قطر من صواريخ الجبهة المضادة ، و من أجل الضغط على السعودية من أجل أنهاء المقاطعة المفروضة عليها .

وبينما تشرع الرياض تصرفاتها مع الأخ الصغير المشاغب ، تنتهج الدوحة خطاب المظلومين والضعفاء وتدعي ضمن فعاليات مهرجان من التبريرات والمسوغات اللامنطقية بأنه يمارس بحقها أشد أنواع الأرهاب الجغرافي والأنساني .

وتزامنا مع تداعيات الأزمة المستجدة بين الطرفين تبدي الدوحة أستغرابها المصطنع من مواقف الدول الثلاث ( السعودية والأمارات والبحرين ) وتظهر رد فعل مطمئن تجاه تلك الدول بأمكانية العودة إلى مظلة مجلس التعاون الخليجي . فقد صرح وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن إن الحل الأنسب لأزمة قطع العلاقات مع دولته هو ضمن إطار دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك في كلمة ألقاها خلال جلسة مباحثات مع نظيره الروسي، سيرغي لافروف، في موسكو . وتأتي هذه الزيارة لروسيا مباشرة بعد زيارة مماثلة لألمانيا، حيث ألتقى الشيخ محمد مع نظيره الألماني، زيغمار جابريل، في برلين، وقال الشيخ محمد هناك إن الدوحة لا تعرف “ما الجرم الذي أرتكبته لتستحق مثل هذا العقاب الجماعي !

وهتا يتبين للمتابع لسيرورة الأحداث بأن الدوحة تحاول مد جسور الثقة مع الدول الثلاث من جهة بينما تضرب تحت الحزام من جهة أخرى في ظل خطوات مستفزة تمارسها الدوحة بالدفاع عن أحقية قطر بالتعامل مع طهران العدو الأفتراضي للرياض !! كالطائر الذي يرقص مذبوحا من الألم ولكنه يقاوم الموت ، وهكذا حال قطر فقد أصابها الضعف والوهن جراء المقاطعة ولكن يظل موقفها مبهما وضبابيا يصيب المتابع البسيط للأحداث بفقدان التوازن .

ويعد عنوان المرحلة الحالية هو التصدع الدبلوماسي بين الدوحة والرياض تحت ستار من ردود أفعال غاضبة من قبل الرياض ولينة من قبل الدوحة .

وفي أطار الأزمة النارية بين الجارتين تواظب قطر على ممارسة كافة أمكانياتها المتاحة كي لاتسقط في أحضان آل سعود وهذا مادفعها إلى أطلاق أشارة البدء لرحلات وزير خارجيتها المكوكية في الدول الغربية .

ومن خلال النافذة الباريسية أضاف الوزير القطري خلال مؤتمر صحفي يوم الأثنين في باريس أن “لدول الخليج الحق في تقديم أتهامها لنا ونحن نرد” ، وذلك في أنعطاف جديد لوجهة نظر الدوحة الرافضة للأتهامات بشكل قطعي في مراحل الأزمة الأولى .
وكما تحاول الرياض وحلفائها بشكل ملفت للنظر تدعيم موقفها تجاه الدوحة ، تستخدم الأخيرة حقها بالدفاع عن النفس لشيطنة مواقف الدول المتحاربة معها ، وقد أستطاعت فعل ذلك في بعض الدول والهيئات الدولية .

حيث أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل #ماكرون تفاعله بنشاط للمساهمة بحل الأزمة.

وتابع “‏نتفهم هواجس دول الخليج إذا كانت تتعلق بأمنها الداخلي”. وأشار إلى أن “أتهام الدوحة بالتدخل بشؤون دول الخليج أدعاءات باطلة ” . وستكشف الأيام مقدار المبالغ الطائلة التي تم رصدها لجلب الأراء الداعمة لكل فريق .

وفي خضم التحركات القطرية وسعيها المنقطع النظير لتدويل الملف ، وعقب النجاح في قصر الإليزيه تحقق الدوحة نصرا دبلوماسيا جديدا يضاف إلى نقاطها ضد الخصوم . حيث طالبت منظمة العفو الدولية الأثنين برفع الحصار فورا عن قطر، وأكدت أن الإجراءات التي أتخذتها مؤخرا السعودية والإمارات والبحرين مبهمة وغير كافية ولا تعالج الوضع الحقوقي والإنساني الناجم عن الحصار.

وأوضح رئيس المنظمة سليل شيتي عن أستنكاره الشديد للأنتهاكات التي أعقبت الحصار، مؤكدا الأستمرار في العمل على وقفها مع كافة الأطراف المعنية والمنظمات الدولية .
كما التقى رئيس اللجنة القطرية لحقوق الإنسان مسؤولي الفدرالية الدولية للصحفيين وبحث معهم تأثيرات الحصار في حرية الرأي والتعبير وحماية الصحفيين.

كما لم يعد يرقى إليه الشك بأن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمنطقة هي من أشعلت فتيل الأزمة بين جميع الأطراف ، ولايسعنا الوقت هنا لتسليط الضوء على هذه الحقيقة حيث تم الأحاطة بجميع جوانبها خلال مقالي السابق ( لماذا قطر بتاريخ 8 يونيو ) .

وبطبيعة الحال فأن واشنطن تمارس الأمعان بالكذب (لإذكاء) نار الأزمة من خلال دفع الجميع إلى السباحة في فضاء من التصريحات المتناقضة سعيا منها لإبتزاز جميع الأطراف توازيا مع مستوى الخوف الناجم عن تلك التصريحات المبهمة !! فرغم تأكيد ترامب قبل أيام أمام قادة ورؤساء أكثر من 50 دولة مشاركة في القمة العربية الإسلامية الأمريكية، في الرياض، أن قطر شريك استراتيجي في الحرب على الإرهاب ، إلا أن تصريحاته خلال المؤتمر الصحفي بعد عدة أيام بأتهام قطر بتمويل الإرهاب شكّلت صدمة كبيرة في الإعلام الأمريكي .

وهذه المرة تنفضح لعبة سياسة (الغمغمة) الأمريكية وتعويم الضجيج على لسان الصحافة الأمريكية !! فصحيفة “ذا أتلانتيك” في تقرير لها بعنوان “رسائل ترامب المتضاربة حول قطر”، إن الرئيس الأمريكي أتهم قطر بتمويل الإرهاب بعد ساعات فقط من تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون حول ضرورة “تخفيف” الحصار على قطر. وأضافت الصحيفة أن تصريحات الرئيس جاءت في تناقض صارخ مع التعليقات التي أدلى بها تيلرسون قبل ساعات فقط .

أمّا صحيفة “نيويورك تايمز” فقد رأت أن تعليقات #ترامب تقوض جهود وزير خارجيته تيلرسون الذي يحاول التوسط في #الخلافات_الخليجية . وأشارت الصحيفة إلى تصريحات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) التي أطلقتها قبل ساعات من تصريحات ترامب، مضيفة أن حصاراً على قطر تفرضه السعودية ودول خليجية “يعرقل” القدرة على التخطيط لعمليات على المدى البعيد في الحرب على تنظيم “داعش” الإرهابي !!

ويجدر الأشارة في سياق المقال بأن المقاطعة التي تفرضها الرياض وحلفائها بحق قطر لايمكن تسميتها بالمنظور اللغوي والسياسي بالحصار ، فإلى قطر هناك طرق عدة سالكة وذلك عبر أجوائها المفتوحة ومطارها الدولي بالأضافة إلى بحر قطر المفتوح من كل صوب وموانئ كبرى تعمل رغم تفعيل المقاطعة ، فمن الناحية العملية لا يوجد ما يمنع من وصول كل شيء إلى قطر فعليا .

ولذا ، ومن أجل أستيعاب الصدمة تراهن قطر على علاقاتها مع بعض الدول لتقديم المساعدة للتخلص من عواقب المقاطعة المفروضة بحقها .

فكما تعهدت كل من أنقرة وطهران وعمان بالأصطفاف (غذائيا ) مع الدوحة تدخل المغرب منصة الدول الداعمة للدوحة دون الصدام مع الرياض بل عن طريق تطبيق الشريعة الأسلامية !! فقد أعلنت الخارجية المغربية الأثنين أن المغرب سيرسل مواد غذائية إلى دولة قطر، وقالت إن هذه الخطوة لا علاقة لها بالجوانب السياسية للأزمة بين الدوحة وكل من السعودية والإمارات والبحرين . وقالت الوزارة في بيان إن قرار إرسال المواد الغذائية إلى قطر بأمر من الملك محمد السادس يأتي “تماشيا مع تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وما يستوجبه -خاصة خلال شهر رمضان الكريم- من تكافل وتآزر وتضامن بين الشعوب الإسلامية ؟؟؟؟
بيد أن حكومة المغرب وعلى رأسها الملك محمد السادس تناست تعاليم الشريعة الأسلامية عندما قامت بطرد اللاجئين السوريين خارج حدودها ليعانوا في العراء من الجوع والفزع ، كما غض الطرف الملك المعظم عن نازحي اليمن والعراق جراء الحروب المقامة في تلك الدول ، وزاره الوحي وأعلن توبته النصوح أمام فاجعة مشردي قطر !!!!!

ومن ناحية أخرى وفي ظل تواجد أشارات عديدة بعدم تصاعد الدخان الأبيض بالنسبة للأزمة العرببة ( إلا عندما تدق الساعة في واشنطن !!!) ، ذكرت وكالة رويترز للأنباء أن مكاتب الصرافة في قطر تعاني من شح الدولار، وهو ما جعل من الصعب على العمال الأجانب القلقين إرسال أموال إلى بلادهم مع قيام بنوك أجنبية بتقليص أنشطتها مع مؤسسات قطرية نظرا للأزمة الدبلوماسية في المنطقة .

كما ينبغي التنويه أيضا بأن قطر كعادتها لاتستحي بممارسة تصرفاتها الصبيانية الغير مبررة بالنسبة لدولة تملك مكانتها في المشهد العام الدولي ، وقائد تلك الحملة المتهورة الشاب تميم !! فقد أستغلت قطر تواجد تشافي هيرنانديز قائد برشلونة ومنتخب إسبانيا السابق ولاعب السد الحالي، ليظهر متوسط الميدان الشهير في مقطع مصور يطالب بإنهاء مقاطعة الدول الخليجية والعربية لقطر، وهو ما طالب به التوأم الهولندي فرانك ورونالد دي بور وإيكر كاسياس حارس ريال مدريد السابق . فالأموال القطرية تشتري ذمم المنافقين إينما وجدوا ، وأن تم سؤال أولئك الرياضيين عن أسماء الدول التي قاطعت قطر لعجزوا عن الأجابة، وهذا فيض من غيض بالنسبة لمراهقة من يتولى زمام دولة قطر .

وبعبدا عن العواطف والمجاملات السياسبة والتكهنات الخشبية فأن الأزمة تسير في نهاية المطاف نحو الحل السلمي مع توجه واشنطن خلال الأيام أو الأسابيع القادمة بفرض سطوتها على الرياض من أجل التنازل عن التمسك بالشروط المعلنة لأنهاء المقاطعة ، وعلى الضفة الأخرى ممارسة الضغط على الدوحة لقبول تلك الشروط دون التشديد على حتمية تنفيذها !! ليتم حفظ الملف في البيت الأبيض لتقوم واشنطن بتفجير الوضع بين الطرفين وقت الضرورة !

ولعل من المفيد هنا ذكر تصريحات ترامب حول الأزمة الخليجية لتوضيح علة العلل بالنسبة لسوء الفهم لدى بعض #الشعوب_العربية تجاه حمامة السلام ( حكومة واشنطن ) .

فقد أكد #الرئيس_الأميركي #دونالد_ترمب الأثنين أن “معاقبة #قطر ” عمل إيجابي ، وفي إشارة إلى ضرورة وقف تمويل #الإرهاب، قال الرئيس الأميركي: “ترون ما يجري في قطر”. وقال ترمب إن معركة مكافحة تمويل الإرهاب ستنتهي بالنصر . بينما ومن أجل شق “المرجل” الخليجي إلى نصفين و لأفساد أي محاولة للتقارب دون وصاية أمريكية !! لذلك أجرى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أتصالا بأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، مؤكدا أستعداده لحل الأزمة الخليجية وحرصه على أستقرار الخليج ، وأعرب ترامب عن أستعداده للتوسط بين الأطراف لحل الخلافات بما في ذلك أمكانية أجتماع مع أمير قطر في البيت الأبيض لهذا الغرض .

وأعتقد لاداعي للتعليق أكثر على تناقضات تصريحات ترامب في ضوء ماذكرناه آنفا ، واللبيب من الأشارة يفهم .

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك