قاضى المدينة ! (قصة قصيرة)

قاضى المدينة ! (قصة قصيرة) – بقلم: سامح عبد الله

ساحة فى أثينا عام 1600 ميلادية.

قاضى المدينة..!

عند آخر يوم فوق منصة القضاء نادى مناد بين الناس أن قاضى المدينة يريد أن تجتمعون جميعا فى ساحة المدينة ظهيرة هذا اليوم.
تساءل الناس لماذا ..إنها المرة الأولى التى يطلب منهم القاضى هذا الطلب ..لماذا يطلب من سكان المدينة هذا..؟!
ظل الناس يتساءلون دون إجابة لكنهم فى النهاية امتثلوا فما كان لهم أن يعترضون على طلب لرجل ظل يقيم القضاء بينهم طوال ثلاثين سنة .
فى الموعد المحدد خرج القاضى على الناس بجلاله المعتاد ورحمته المغلفة فى هيبته بنفوس الناس
وأخذ القاضى فى السير وعيون الناس ترقبه وهو يتجه إلى منتصف الساحة العتيقة ممسكاً بيده سوط والناس قد التفت حولها تريد أن تسمع صوت قاضيها الذي طالما كان يصدح بين أرجاء محكمة أثينا وازدادت دهشتهم من هذا السوط الذى يمسكه القاضى بيده ، لم يفعلها القاضى طول عمره..لم يمسك بيده سوطاً قط.
وتكلم القاضى مخاطباً الجموع وقال” أيها الناس ..هذا آخر عهدى بالقضاء..هذا هو اليوم الأخير لى وسأترك القضاء لمن يخلفنى لقد هرمت وما عدت قادراً على المواصلة بما أرتضيه لكم ولنفسى..أيها الناس إننى أطلب منكم جميعا طلباً ..ساُغمض عينى بهذه الضمامة وسأعطيكم هذا السوط وسأدر إليكم ظهرى للمرة الأول ومن له مظلمة عندي فاليضرب ظهرى بهذا السوط حتى يأخذ مظلمته مني..هل تسمعون..من له مظلمة عندى فاليضرب ظهرى بهذا السوط”
قالها القاضى بصوت اهتزت له أرجاء أثينا كلها..!
وأمر القاضى حاجبه أن يغمض عينيه بضمامة سوداء حتى لا يرى من يضربه وأدر ظهره إلي الناس ووضع السوط فوق منضدة صغيرة.
وتملك الساحة كلها الصمت ..
القاض يقف بمنتصف الساحة مغمض العينين كما لو كان رمزاً للعدالة والناس تتهامس ماذا يصنعون.. ويتساءلون..ألم يكن لأحدنا مظلمة..وبدأت همهمات الناس تتصاعد وتخرق هذا الصمت .
وبعد وقت قصير بدأ الناس ينصرفون واحد تلو الآخر ..ينظرون للقاض الذي كان يتأهل ظهره للهب السوط وعند كل منهم قصة معه وموقفاً معه..وانصرف الناس جميعا وبدأ الصمت هو سيد هذا المكان والقاضى عند موقفه ينتظر صاحب مظلمة ليقتص منه.
كلهم انصرفوا من الساحة فما كان لديهم عند الرجل مظلمة.
سيدة فى ريعان الشباب تتقدم برفق نحو القاضى وهى تحمل طفل صغير لا يتعدى عمره العام..
ذهبت إليه وهو مازال مغمض العينين وقالت له..
سيدي..انا واحدة ممكن قلت لهم تعالوا إلى هنا..انا من هؤلاء الذين تطلب منهم أن يقتصوا منك..
هل تعلم من انا سيدى..
أنا سلفانا تلك الفتاة التى كانت تبيع الهوى فمنحتها من الرحمة ما أقامها انسانة بعد أن كانت جسدا..
أحمل طفلا من أب كان يمكن أن يكون فى غيابة السجون لولا بصيرتك..
هل تسمح لى سيدي..؟
قال بماذا..؟
قالت أن تمتد أنامل طفلى الرضيع تزيح تلك الضمامة من فوق عينيك.
وفعلتها أنامل طفل بريئ وفتح القاضى عينيه فوجد الساحة وقد خلت من الناس والسياط فى موضعه لم تمسسه يد.
والسيدة تقول له وهى تنصرف..
لم يكن لأحد مظلمة عندك يا سيدي..لم يكن لأحد مظلمة عندك..!
لقد انصرف الناس جميعا.
لم تتحمل قدما القاضى ان تحمله
وارتجف قلبه رجفات كانت أعظم مما يتحملها جسده..
طوال ثلاثين سنة لم يجد من يضرب ظهره بسوط..
يالا رجفة القلب عندما تكون هى آخر ما يشعر بها الإنسان..!

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك