كيف تقوم الأنظمة الحاكمة بتشكيل عقل المواطن على هواها ؟!

كيف تقوم الأنظمة الحاكمة بتشكيل عقل المواطن على هواها ؟! – د. محمد عجلان

تمر العلاقة ما بين النظام الحاكم والمواطنين بحالات مد وجزر بشكل دائم، فهما يتنازعان مساحتي الحرية والسلطة، فكل نظام يميل إلى تركيز أكبر قدر من السلطة في يده؛ إما لتسهيل أداء مهامه إن كانت سلطة لديها حس وطني ورؤية في تحركها، أو تميل لتقليص السلطة في قبضتها لتحقيق مكاسب خاصة لها وللطبقة التي تمثلها. وعلي صعيد المواطنين نجد أنهم يسعون دائما للحصول علي مساحة أوسع من الحرية، ويقتّرون علي السلطة في المساحة التي يمنحونها لها، على اعتبار أن السلطة لا يجب أن تكون شاملة أو واسعة بشكل يقلص حريات المواطنين بدرجة كبيرة، فلا يجب منح السلطة فوق ما تحتاجه لتسيير شئون الدولة ومصالح المواطنين؛ حتى لا يُساء استخدام هذه السلطات الواسعة، فالسلطة صاحبة الرؤية قادرة على التحرك دون أن تحرم مواطنيها من حرياتها.

وبطبيعة الحال فإن هذه العلاقة ما بين الحاكم والمحكومين، أو بين السلطة والحرية، تختلف من مكان لآخر ومن زمان لآخر. فقد اتسعت مساحة السلطة قديما في كل مكان تقريبا، على حساب حرية المواطنين، إلا أن الوضع المتضخم للسلطة مازال مستمرا حتى الآن في ظل المجتمعات المتخلفة، في الوقت الذي تجاوزت الدول المتقدمة هذا الصراع، أو على الأقل قلصت مساحته بما منحته لشعوبها من حريات واحترام لحقوق الإنسان، وخلقت حالة من التوازن ما بين السلطة والحرية. ولكن الدول المتخلفة على النقيض من ذلك، ما زالت أنظمتها الحاكمة تعيش بعقلية الماضي، وكأننا بصدد سلفية سياسية، فالحاكم مازال هو الأب وكبير العائلة وعِشرة العمر التي لا تهون إلا على أولاد الحرام، مازالت الأنظمة تتلاعب بالتخلف العام وتوظفه لصالحها وصالح فئة من المنتفعين من وجودها.

إلا أن كل سلطة سواء كانت في مجتمع متقدم أو متخلف لا يمكن لها أن تتحرك بشكل عنيف دائما، بمعنى أنها لا يمكنها – أيا كانت درجة بطشها – أن تمارس عنفها المادي في إجبار مواطنيها علي تنفيذ ما تريده، لكنها في الغالب تلجأ لوسائل ناعمة في تحقيق مآربها، وتؤجل التحرك العنيف للنهاية، أي تترك البيعة السوداء لنهاية السوق. فتبدأ من خلال وسائلها في توجيه الجماهير لتخدعهم عن حقائق الأمر، وتعرض لمجموعة من الأكاذيب، سواء بالتخويف الدائم من المؤامرات الداخلية والخارجية، والحديث عن كوارث تحيط بالدولة من كل مكان، وكأنها تستحضر سيكولوجية الحرب لدى المواطن، كي تجبره بشكل غير مباشر على احترام الظرف الذي خلقته وروّجت له، فيصمت ولا يطالب بحقوقه، فليس من الوطنية في شيء أن تطالب بعيش كريم بينما دولتك تواجه كل قوى الشر في حالة حرب دائمة.

يأتي الإعلام بكافة أشكاله، المقروء والمسموع والمرئي، على رأس آليات السلطة في الترويج لنفسها ولخططها الكونية في مواجهة القوى الشريرة، محاولة بذلك أن تُفصّل مواطنين على مقاسها، لا أن تكون هي على مستوى حاجات مواطنيها، فيخرج عليك صباح مساء أبواقها في الفضائيات والصحف وغيرها ليروجون لكل ما يصدر عنها، سواء كان هذا الصادر عنها غثاً أو ثميناً، فالحاكم لا ينطق عن الهوى، بل في بعض الأحيان يصبح هواه تنزيلا سماويا عجزت الرسل عن الإتيان بمثله. وتظل هذه الأجهزة فى التضخيم من الإنجازات والتقليل من شأن أي صوت معارض، بل تشويه أي صوت معارض. ومن يفلت من قبضتها ويبقى له عين ترى كل شيء في حجمه الطبيعي، تتلقفه القوة الغاشمة للسلطة ممثلة في القوى الأمنية؛ لكي تعيده إلى صوابه أو تفقده صوابه تماما.

وتظل السلطة عبر أجهزتها المختلفة، في التضخيم والنفخ في بالون الوطن الموشك على الغرق، حتى ينفجر بعد أن يفيض الكيل ويصبح بؤس الواقع فوق طاقة المزيفين، فلو عرضوا للمخاطر الحقيقية، وهي بكل تأكيد قائمة في كل مكان وإن اختلفت درجة خطورته، أقول لو عُرضت هذه المخاطر بشكل حقيقي دون تضخيم وصراخ، مع عرض آليات المواجهة في ظل رؤية عامة وشاملة قادرة على مواجهة المخاطر، والتي هي ليست مجرد مؤامرة قادمة من الخارج، بل كوارث في كل مكان، سواء التعليم أو الصحة أو المرور أو البطالة .. الخ، هذه الرؤية هي التي تجعل المواطن يدرك ما له وما عليه وما يمكنه الحصول عليه حاليا، وما يجب أن يؤجّل بعض الوقت لحين تغير الظرف الصعب. لكن أن تكون مهمة الدولة ممثلة في أبواقها هي الحديث عن المخاطر التي لم يُخلق مثلها في البلاد، دون حديث عن رؤية شاملة للمواجهة، فإن ذلك لن يتجاوز حدود التضليل من ناحية، وقلة حيلة النظام في حل المشكلات ومواجهة ما يسميه المؤامرة من ناحية أخرى.

وبعد أن يحدث الانفجار – لا قدر الله – ساعتها ستجد الإعلام – وهي عادته – قد ولى وجهه شطر أي كعبة سلطوية قادمة ليقدم فروض الولاء والمصلحة، إلا أن الإعلام وقتها لن يخسر شيئا، فأفراده من جوقة التطبيل والتزمير للسلطة، إما أن ينجحوا في لعبتهم في الالتفاف حول الواقع ولبس رداء السلطة الجديدة، سواء كان رداءً ثوريا أو محافظا، أو يهربوا بما لديهم من ملايين إلى الخارج، فالمال عندهم وطن، ليستمتعوا بدماء الشعب التي خزنوها علي هيئة أموال فى الحسابات البنكية. ويبقى الشعب المضلَل يدفع وحده فاتورة التشويه والتضليل. ولا عزاء للمواطنين الشرفاء بعد أن تحل الكارثة على رؤوس الجميع.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك