لماذا تحارب حكومات العالم الثالث اللا دينية ؟

لماذا تحارب حكومات العالم الثالث اللا دينية ؟

 

الاعتقادات اللا دينية هي اعتقادات تقوم على أفكار ورؤى انسانية وتفكير عقلاني، وتنصرف عن تلك الموجودة في المعتقد الديني حيث الاعتقاد في الخرافات والايمان بافكار ميتافيزيقية وروحانية. ومن أكبر الاشكاليات التي تطرح في الصراع الدائر بين المعسكرين، الديني واللا ديني هي اشكالية الأخلاق.

يرى المعتقد الديني أن وجود الأخلاق ينبع بالأساس من التعاليم الدينية، حيث يلزم الدين معتنقيه باتباع الاوامر الاخلاقية مما يحد من انتشار الانحلال الاخلاقي، ويؤدي ذلك في النهاية الى استقرار المجتمع والسلم الاجتماعي، ويرى أن بدون الدين لن يكون هناك مرجع يستمد منه الانسان القيم الأخلاقية، وسيتفكك المجتمع وتنتشر الفوضى. بينما ترى الاعتقادات اللا دينية أن القيم الأخلاقية هي قيم تنبع من طبيعة بيولوجية للكائنات الحياة يتم على اثرها تكوين مفاهيم تتطور الى قيم، وأن هذه العملية من البحث والتفكير والتحليل تؤدي الى تحديد الصالح من الفاسد حسب مصلحة المجتمع الانساني، ويسمى هذا بمذهب الانسانية وبالتالي فإن تكوين قيم اخلاقية من خلال الفكر الانساني والتحليل العقلاني والمنطقي لطبيعة الانسان وحاجاته البيولوجية، سيعمل على حفظ السلام المجتمعي والاستقرار بشكل أكثر واقعية وعملية.

كانت هذه مقدمة بسيطة تشرح رؤية الاتجاهين، الديني واللا ديني، للأخلاق، ولكن ليس الخوض في رؤية كل من المعسكرين للاخلاق ونقدهما هو محل النقاش، بل الأمر الذي أود مناقشته هو تحليل اسباب تصدي الدول التي تقبع في مرحلة متأخرة من التقدم والتطور الحضاري للاتجاه اللا ديني، والتي في ظني هي أسباب عملية أكثر منها فكرية او عقائدية، وسأتناول في هذا المقال سبباً هاماً من وجهة نظري يجعل مثل تلك الدول تقيم حرباً شرسةً على اللا دينية، وهذا السبب يرتبط بشكل غير مباشر بفلسفة الاتجاه اللا ديني للأخلاق.

بعيداً عن تعامل المجتمع وسلوكه مع الافكار اللا دينية والذي يتسم بالهجوم الحاد والشخصنة والاساءة وفي بعض الاوقات الايذاء الجسدي، فإن الدولة تشارك في هذه المأساة إما عن طريق قوانين موضوعة تفتقر للمنطقية ومساحة الحرية الانسانية، مثل قانون ازدراء الأديان مثلا، أو تشارك عن طريق السكوت والتجاهل تجاه بعض الاحداث والقضايا التي يقوم من خلالها المجتمع بالتعدي وقمع الاشخاص المنتمين للاتجاه اللاديني وذلك كله مخالفة للدستور.

فمثلا في الدستور المصري نجد المادة 64 باب الحقوق والحريات تقول :

’’حرية الاعتقاد مطلقة. وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون.‘‘ 

وبالرغم من وجود هذه المادة فإن الكثير من المشكلات التي يقع ضحيتها منتمين للاعتقادات اللا دينية يتم تجاهلها من قبل الدولة والقانون ويتم التعنت ضد اولئك الاشخاص في كثير من المؤسسات او الاحداث لمجرد انتماءهم، فضلا عن مهاجمة التوجهات اللا دينية طوال الوقت من خلال الابواق والوسائل الاعلامية، وتصوير المنتمين لهذا الاتجاه على أنهم منحرفين ومنحلين اخلاقياً او أنهم يريدون نشر الفوضى والخراب، أو أنهم يعانون من امراض نفسية، أو أنهم مدعون ولا يفهمون شيئاً، الخ.

ويتم كل ذلك بإجازة، وبعض الاحيان، بتوجيه من الدولة. فلماذا تسعى الدول التي تصنف كعالم ثالث الى صد هذا الاتجاه عن الانتشار ؟ 

 كما قلنا في البداية تنطلق الرؤية اللا دينية للاخلاق من خلال الواقع العملي والانساني، حيث تقوم بتحليل الحاجات الانسانية الأساسية والتي من خلالها يتم تكوين مفاهيم ثم قيم أخلاقية، وفي النهاية يتم وضع قوانين تحفظ مصلحة الجماعة والفرد وتحفظ استقرار المجتمع ونموه. فهذه الرؤية تعتمد بالأساس على توفير متطلبات الحاجة الانسانية التي تحد من اقبال الفرد على ارتكاب افعال تضر بمصلحة الجماعة في سبيل سد حاجاته الشخصية.

ولتوضيح ذلك أكثر نقرأ اقتباس البيان الصغير عن الإنسانية للإتحاد الإنساني و الأخلاقي  IHEU العالمي

’’الانسانية هي طريقة حياة يموقراطية و أخلاقية و التي تؤكد على أن البشر لهم الحق و عليهم المسؤولية أن يعطوا شكلا و معنى لحياتهم الخاصة. هي تعتمد على بناء مجتمع أكثر إنسانية من خلال أخلاقيات مؤسسة على الإنسان و قيم طبيعية اُخرى بروح المنطق و البحث الحر من خلال قدرات الإنسان. هي لا تؤمن بإله واحد و لا تقبل الرؤى فائقة الطبيعة للحقيقة‘‘

وايضا البند الأول في اعلان امستردام 2002

’’ الأنسانية أخلاقية ، فهي تؤكد قيمة وكرامة واستقلالية الفرد ، علاوة على تأكيدها لحقه في التمتع بأكبر قدر ممكن من الحرية ، بما لا يتعارض مع حقوق الآخرين . فالأنسنيون يهتمون بالبشر كافة ، بما في ذلك الأجيال القادمة ، ويؤمنون بأن الأخلاق جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية ، وأنها تقوم على التفاهم مع الآخرين والاهتمام بهم ، ولا تتطلب قوة خارجية لفرضها‘‘

نلاحظ في هذه الكلمات نبرة تؤكد على اعلاء قيمة الانسان وحقوقه في الحصول على حاجاته الانسانية وحريته وحرية افكاره، وتمثل كل هذه الأمور هاجساً مرعباً لدى الحكومات القمعية التي تسعى الى فرض السيطرة على الشعوب واستنزاف الموارد المتاحة لمطامع شخصية

 هذه الافكار تمثل للدول التي ينتشر فيها الفساد وسرقة الموارد كابوساً، حيث سيتوجب عليها القيام بالكثير من العمل في العديد من المجالات كالتنمية والتعليم والصحة والى اخره، فمن خلال هذه التنمية يتم احتواء المجتمع بحيث يتم توفير الحاجات الانسانية الاساسية فلا يعود هناك حاجة الى اضرار الفرد بالاخر ومن ثم يتوفر السلم الاجتماعي والاستقرار ، وهذه الاعباء التي ستنوجد على كاهل الدول التي تقوم السلطات فيها بسرقة الموارد والفساد تمثل بالنسبة اليها كابوساً حقاً، بينما يقوم المعتقد الديني في هذه الحالة بدور المنقذ والمخرج من هذا المأزق

ففي حين أن التوجه اللا ديني سيفرض على الدولة مسئوليات كبرى لتوفير الافكار الخاصة به مع توفير السلم الاجتماعي من خلال العمل في مجالات كثيرة واعلاء قيمة الانسان بدلاً من قمعه، وتوفير حاجاته وحقوقه بدلاً من سرقته ونهبه. فعلى الجانب الاخر تسنح لها المعتقدات الدينية  بالسرقة والفساد والتنصل من مسئوليات كبرى كالتنمية والتعليم وخفض معدلات الفقر، وفي نفس الوقت توفير السلم الاجتماعي.

ولنستعين بمثال بسيط، في حالة عدم وجود معتقد ديني فإن الدولة تقوم بتوفير حاجات الافراد الاساسية، وبذلك لا يعود لديهم مبرر لارتكاب فعل اجرامي بهدف توفير تلك الحاجات كالطعام مثلاً، ولكن ماذا لو لم يكن هناك معتقد ديني ولم توفر الدولة حق الفرد في توفير حاجاته الاساسية؟ سوف يقبل الفرد على ارتكاب فعل غير اخلاقي سواء كان القتل او السرقة او السطو لكي يحصل عليها. ولذلك سوف تضطر الدولة في حالة عدم وجود معتقد ديني للمزيد من العمل والتنمية للحد من احتمالية انتشار الجريمة، وذلك بالطبع لا يتناسب ولا يرضي حكومات كل همها السرقة والفساد، بينما في وجود المعتقد الديني، فإن الوازع الديني يوفر للدولة عدم انتشار مثل هذه الحالات الاجرامية حتى لو لم توفر الدولة الحاجات الاساسية للفرد، وذلك طبعا لأن الشخص الذي يعتنق ديناً ما سوف يخاف من فكرة الحساب الالهي في العالم الاخر. وبذلك يتسنى للدولة أن تحظى بفرصتها في الفساد وسرقة الشعب والتنصل من المسئولية مع اطمئنانها بوجود استقرار اخلاقي وسلم اجتماعي..

إن المعتقد الديني ينزع عن السلطة الفاسدة عبئاً ثقيلاً متمثلاً في القيام بواجباتها والشفافية ومحاربة الفساد.. ومن ثم تقوم الدول والسلطات الفاسدة بالحفاظ على بقاء هذا المعتقد والذي سيتلاشى بمجرد انتشار الاعتقادات اللا دينية التي تعتمد على التفكير العقلاني والنقد الذاتي والسعي الى تكوين مجتمع من القيم الانسانية وحرية الأفكار، فمثل هذه الاعتقادات لا تضر بالدين فقط.. بل تضر بالسلطة أيضا.

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك