هل تأثرت الأديان التوحيدية بالديانات متعددة الآلهة ؟

قراءة ومراجعة فى كتاب الباحث في علم وتاريخ الأديان ( خزعل الماجدى )

” عرف الانسان الدين منذ العصور الحجرية القديمة لكنه وضع أول نظام دينى متماسك فى العصر السومرى ، حيث مكونات الدين الرئيسية والثانوية تترابط مع بعضها لكى تصنع دينا متماسكا ، والذى كان بذرة الاديان القديمة والتى كان اغلبها أديانا متعددة الالهة تفرعت وتنوعت حسب البيئة الاجتماعية والحضارية التى كانت فيها ، وفى التاريخ الوسيط ظهرت الاديان التوحيدية بقوة ووضوح ، وما زالت هذه الاديان التوحيدية الوسيطة مع بعض الاديان القديمة المتبقية تتطور فى التاريخ الحديث والتاريخ المعاصر فالدين مثل اى ظاهرة أجتماعية يتسم بالتطور والتغير حسب المعطيات التى تحيط به وتسيره رغم الثبات النسبى فى مبادئه .

المرحلة الهلينستية : هى المرحلة التى تلت وفاة الاسكندر المقدونى وانتهت بقيام الدولة البيزنطية ما بين ( 323 ق . م – 330 م  ) وهى المرحلة الحاسمة التى تم التحول فيها التحول الكبير من الاديان المتعددة الالهة الى الاديان الموحدة .

فى البدء كانت منطقة الشرق الادنى غارقة فى الاديان المتعددة الالهة التى نشأت وتطورت منذ زمن بعيد ، فكل دين يتكون من ألهة بعضها أككثر اهمية وتداولا من الاخر وبعضها أرتقى الى مرحلة التفريد والتى هى اقل من التوحيد حيث يبرز اله رئيسى واحد يصبح مركز المنظومة الالهية وتدور حوله بقية الالهة .. وقد ظهرت محاولات توحيدية هنا وهناك ( مثل محاولة أخناتون فى مصر ، ونبونائين فى بابل ، وزرادشت فى فارس ) لكنها لم تتحول الى نظام شامل او عالمى او حتى أقليمى .

عندما أجتاح الاسكندر المقدونى الشرق صنع لاول مرة فى تاريخ البشرية أمبراطورية عالمية تجمع الشرق والغرب وكان قراره ان يهيىء بيئة واحدة تختلط فيها الثقافات والحضارات والاديان الشرقية والغربية .

فبرغم وفاته السريعة لكن الممالك الهلنستية التى نتجت عن امبراطوريته أكملت المهمة فقد بقيت على مدى ثلاثة قرون فى هذا ( المناخ العولمى ) والذى لم تشهده البشرية من قبل .

وحين حل الرومان مكان الاغريق فى الشرق استمرت مهمة هيلنة الشرق الادنى شرقية وغربية ، وكانت الامبراطورية الشرقية البيزنطية ثمرة الهلينستية بأمتياز .

فقد أصبحت المسيحية ( والتى هى ثمرة هلينستية ) هى ديانة هذه الامبراطورية ( وثمرة الامبراطورية الهلينستية ) وبثت الروح فى منطقتها لالف عام قادم ، فيما ذبل القسم الغربى من الامبراطورية الرومانية ، لخلوه من الهلينستية وسقطت الامبراطورية الرومانية بعد ما يقرب من القرن

فسنجد أن المرحلة الهلنستية ( بفترتيها الاغريقية والرومانية ) والتى أستمرت لحوالى ستة قرون فاعلة ( ثم أستمرت بطريقة أو بأخرى لزمن أطول من خلال الحضارة البيزنطية ) كانت الرحم او الحاضنة التى أنجبت الاديان الاديان التوحيدية فبعد أن استقرت الهيمنة الحضارية للغرب على الشرق الادنى ، واصبح هناك امبراطورية عالمية واحدة وحاكم واحد ظهرت الحاجة الى اله واحد ، وهكذا استجابت الاديان القديمة التى أصابها الضعف والشيخوخة الى مثل هذا التحدى ، اذ لم يكن بالامكان انجاب حضارة جديدة شمولية فكان لابد من انجاب ديانة أو عدة ديانات توحيدية شمولية ( سماوية ) .

بدأت الامور باعادة صياغة الاديان الوثنية هلنستيا ( توفيقيا ) من خلال دمج ألهة غربية مع ألهة شرقية  . ثم حورت الفلسفات الهلنستية والجديدة ( كالفيثاغورية الحديثة والافلاطونية الحديثة ) الارث الفلسفى الهيلينى الكلاسيكى واعادت انتاجه بصيغ جديدة ، وكذلك فعلت الفلسفات العلمية والاخلاقية ( الابيقورية والرواقية والشكية ) ، وفى مثل هذا الجو من الحرية الفكرية والروحية تحركت التياراات الباطنية والتى كانت كامنة تحت رماد الشرق والغرب معا وظهرت الحركات الهرمسية والغنوصية والمسارية فى الشرق الادنى وصارت هى حلقة الوصل بين الشرك والتوحيد ، بل صارت الرحم الحقيقى لولادة التوحيد . !

حدث هذا بشكل أساسى فى مراكز الثقافة الهلنستية الكبرى وهى ( الاسكندرية ، وانطاكيا ، وأفاميا ، والسامرة ، والجليل ، وسلوقيا ، وميسان ، وبابل ) وترادفت كلها بين صناعة أكاديمية وتيارات روحية وباطنية شعبية .

وهكذا انتقلت اليهودية من التفريد ( وهو توحيد ملتبس ) الى التوحيد الصريح ، ثم ظهرت المسيحية وهى تحمل تفريدها الخاص ( الاقنوم التثليثى ) ثم ظهر الاسلام بميله الشديد الى التوحيد الخالص . !

هذه الاديان الثلاث ظهرت من أصول ومؤثرات هرمسية وغنوصية ومسارية ومن التأثر ببعضها وكانت نقلة فريدة من العالم القديم الى العالم الوسيط وجوابا منسجما مع امبراطورية واحدة وامبراطور واحد ، اذ لابد من اله واحد أيضا .. ثم نشأت لها امبراطوريات واحدة وامبراطور واحد ( باستثناء اليهودية التى حاولت ولكنها فشلت ) ، ولكن الهاجس الباطنى بقى فى هذه الاديان الثلاثة رغم انه أنجز مهمته وانتهى منها ورغم انها حاربته عندما وقفت على أقدامها وظهرت الحركات الباطنية الغنوصية ، والهلينستية ، والمسارية الطابع فى هذه الاديان على شكل مذاهب وملل وفرق فى شتى الاصعدة ، وما زال الصراع بين هذه الاديان الظاهرية الثلاثة وباطنها الذى يغلى مستعرا ومشتعلا حتى يومنا هذا .!

فهذه هى قضية التوحيد وبذورها التى يبحر بنا فى عالمها واصولها العميقة وفى بذور نشأتها الفلسفية والدينية والسياسية أستاذنا ( خزعل الماجدى ) فى رحلة من أعماق التاريخ المطموس لكى يضيىء لنا جوانب ودوائر مفقودة لكى تتضح لنا صورة تشوشت مع عامل الزمن وحركية التاريخ ، فهذه هى قضية التوحيد وحلقاتها المفقودة فى ظهورها وهى الحلقة الباطنية ( المسارية ، الهرمسية ، الغنوصية ) والتى تعمدت الاديان التوحيدية طمرها واخفاءها وقطعها .

لقد أرادت الحضارة الكلاسيكية توحيد العالم سياسيا وحضاريا لكن الشرق رد عليها بتوحيد العالم دينيا .. وهكذا سرعان ما تفتت السياسة والحضارة وانتصر الدين التوحيدى وتسلق الى اوروبا وغزاها بالكامل .. ومن الممكن وصف العالم الهلينستى بأنه اول عالم جمع الشرق والغرب فى ساحة واحدة فأنتشرت مادة الغرب فى نسيج الشرق وأنتشرت روح الشرق فى جسد الغرب .

فقد كانت اجزاء الامبراطورية الرومانية الشمالية والغربية أكثر تجانسا مع روما المركز أما الاجزاء الشرقية والجنوبية منها ، فقد كان ينبض فيها عرق هلينستى قوى يعطينا المسوغ لان نطلق عليه أسم الرومانستى لكى يتم تمييز تلك الابراطورية من جهته الشمالية والغربية ، ولكى نجعلها امتداد للهلينستى من ناحية أخرى .

وللنظر الى المفارقة الاكبر ، فقد بدأ التاريخ الهلينستى فى 323 ق .م ، وهى سنة وفاة الاسكندر المقدونى وانتهى فى 30 ق . م عندما سقط عرش ( كليوباترا ) أخر الهلينستين العظام وبداية الرومانستية ، لكن التاريخ الرومانستى كما يقول د ( الماجدى ) أنتهى فى 323 م عندما أعلن قسطنطين مسيحيته وانفصل بالامبراطورية البيزنطية وبين 323 ق .م و 323 م السر الاكبر الغريب والذى سيستمر لحوالى ستة قرون ونصف حدث فيها العجب العجاب .

فقد جاءت النزعة التوحيدية الهلنستية من الفلسفة فى ذلك العصر ، بل ان النزعة التوحيدية الفلسفية الباطنية كانت الرحم الذى خرجت منه الاديان الموحدة بين الهلنستية وبعدهما .وقد أشار ( خزعل الماجدى ) بأن التوحيد الهلنستيى لم يكن دينا شاملا ، بل كان نخبويا فكريا فلسفيا فى بدايته وربما ظهر على شكل ألتماعات دينية هنا وهناك وكلها كانت تجرف التفريد نحو التوحيد لكنه وجد صيغته المثلى فى ظهور المسيحية

ومنها ابتدأت نزعات التوحيد الدينية تظهر مرافقة لنمو فلسفات التوحيد ، ففى وادى الرافدين حيث لم تنتشر مدارس فلسفية منظمة تعتنى بالتوحيد ظهر ميل دينى شديد لعبادة ألهة السماء من جهة وتنزيهها عن غيرها .

فالتوحيد الذى جاء من الاديان المتعددة الالهة القديمة كان مشوبا بالشك ولم يكن حاسما فى هذه المرحلة ، ففى وادى الرافدين مثلا عادت الحيوية لعبادة اله السماء ( أنو ) .

فأغلب الوثائق من العصر الهلينستى تؤكد أنتشار عبادة أنو  ( anu ) رب السموات والارض ورب رجال الدين وكان النوذج الاول لكل أب فى أسرته والملك فى مملكته ، لان السلطة تكليف منه أنزلها من السماء الى الارض وكلتاهما فلقتا بكلمة منه ومن هذا المنطلق سنلاحظ التطور فى مفهوم الاسرة حتى نصل الى النظام الاسرى البطريركى التسلطى ، غير أن عبادة ( أنو ) أنحسرت بين الارستقراطية الدينية ، وكبار رجال العلم والمعرفة ، خاصة وأن هذا الرب سومرى الاصل ، بينما نجد الربة ( عشتار ) التى عبدت فى الوركاء كربة للسماء بأسمها السومرى القديم نانايا أو أنينى ( سيدة السماء ) تحظى عبادتها برواج شعبى كبير بين عامة الناس كربة للجمال .

ومن هنا الالهات المرتبطات بالكواكب السماوية حظين بنصيب أكبر من نزعات التوحيد ، فأكثر ما يميز العصر الهلينستى الانتقال السريع لعالم الافكار والمعتقدات او الاشبه لحالة التزاوج الفكرى فقد كانت تلك الالهات فى الرافدين فى العصر الهلينستى ثم عبرت عبادتها البحر المتوسط الى بلاد الاغريق وعرفت بأسم ( أفروديت ) وأنتقلت بعد ذلك الى الرومان ليعبدوها بأسم ( فينوس ) ربة الحب والحرب فى وقت واحد . وكان رمزها ( كوكب الزهرة )

فلذلك يمكننا تقسيم نوعين جديدين من التوحيد خلقا  فى المرحلة الهلينستية :-

** أولا : التوحيد الباطنى

  • التوحيد المسارى : وهو التوحيد الاقدم فقد نزح من عبادة الالهة الزراعية الاصل والتى دفنتها عبادة لكواكب والطقس تحتها وظلت تمارس سريا فى الغالب . رغم كونها ديانات قريبة من قلوب الناس فقد كان توحيد يتركز على آله واحد مثل ( تموز ، وادونيس ، واوزوريس ، وايونسيوس … الخ )
  • التوحيد الهرمسى : وهو توحيد موجود فى مدونات هرمسية قديمة وكلها تشير الى وجود اله متعال بعيد واحد لا تدركه الابصار فى عالم النور وهو الذى يجب عبادته وهو اله الخير ، وهناك اله أخر شرير أنفصل عنه وعصاه ، وهو اله الشر وخالق العالم المادى الشرير والذى سجن الروح فى مادة جسدية عندما خلق الانسان . والخلاص برأى التوحيد الهرمسى يكون يكون بتحرر الروح من سجنها الجسدى وعودتها الى أصلها الالهى الذى هو الرب الاعلى والاسمى .
  • التوحيد الغنوصى : أستثمرت الغنوصية التوحيد الهرمسى وجسدته فى أديان حقيقية ربما كانت المندائية أقدمها ثم جاءت المسيحية الغنوصية ثم المانوية ، وهى التى ترى أن الرب الاسمى بعيد عن الوصف وهنا توحيديتها النقية الخالصة ، وتخلص كلها الى أن الاله الاسمى سيرسل رسوله ليخلص الروح السجينة فى الجسد البشرى حين تتعرف الى نفسها او حين يموت جسدها السجان وتصعد اليه .

** ثانيا : التوحيد الظاهرى :

  • اليهودية : من خلال ( يهوا ) الذى انتقل من طور التفريد الى التوحيد بفضل المؤثرات التوحيدية الباطنية والتى كانت الاقرب من ديانة ( أخناتون ) الفرعونية .
  • المسيحية : التى حولت المسيح ( الغنوصى ) الى ابن للاب وطابقت بين ( يهوا ) ثم أيل والاله الاب المتسامى ، ثم توصلت الى فكرة الثالوث فى الاب والابن والروح القدس .
  • الاسلام : الذى دعا مباشرة الى عبادة اله واحد هو ( الله ) ثم تغاضى عن ( الهيكل الغنوصى ) او الثالوث كمقاربات للاله المتسامى ، واعتبر كل الانبياء بشرا أرسلهم الله عن طريق الوحى فبشروا بعبادة الله بين الناس .

ومن هذا التسلسل للاحداث ومجريات التاريخ نقدر ان نستشف انه لم يكن للاغريق عهد بما فى سالف عصورهم ألا وهى عبادة ( عبادة الملوك وعبادة النجوم ) سابقا وهما عبادتان بجذور شرقية شهدتهما سابقا أرض الشرق الهلينستى .

فلم يعرفوا الاغريق تأليه الملوك أو عبادتهم على الاطلاق ولم تكن حادثة رفع الاسكندر الى مصاف الالهة من قبل العصبة الكورنثية الا حادثة سياسية فكانت وضعه الجديد فى الشرق نوع من ( المركزية السياسية ) أكثر منها عبادة دينية .

فقد سلك الاسكندر المقدونى المسلكين معا فقد رسم نفسه فرعونا فى معبد ( بتاح ) فى منف طبقا للطقوس المصرية وأدى القرابين فيها للالهة المصرية ومنها بتاح وأبيس واصبح منذ ذلك الوقت ( أبن أمون رع ) وهو اللقب الذى كان الفراعنة يحملونه منذ عهد ببعيد .. ثم أصبح ابن الاله الاغريقى ( زوس ) بل وجمع بين ( زيوس وأمون ) فى اله واحد هو ( زيوس أمون ) الذى أصبح الابن الاغريقى والمصرى للاسكندر . حمل الاسكندر لقب ابن الاله ( أبن أمون ) فحرض على زيارة أبيه الاله ( أمون ) فى واحة سيوة فى الصحراء الغربية فذهب الى هناك ليتلقى من الاله ( أمون ) الوحى وليكرس فكرة كونه ينحدر من أكبر الالهة المصرية مباشرة  ، وكان قرب المعبد نبع يسمى ( نبع الشمس ) وهو الذى كرس أسطورة ذهاب الاسكندر الى ( عين حمئه ) وفى معبد ( أمون ) فى سيوه دخل الى قدس الاقداس فى المعبد وعندما خرج قال انه ( سمع ما تمنى ) ، ولكنه لم يبح بذلك مطلقا ومن هنا ايضا تكريس لفكرة الخلوة والعزلة للتواصل مع المتسامى .. ومن ثم يتبين ان زيارة الاسكندر لمعبد الوحى فى سيوه تمخضت على الاقل عن الاعتراف بأصله الالهى وبحقه فى السيطرة على العالم أجمع ويقال انه فى عام 331 ق . م جاء منف رسل مليتوس لينشروا فى الناس ما أعلنه وحى برانخيدى من ان الاسكندر قد ولد من أب سماوى ، ومن أنه سيسيطر على العالم أجمع وهذا ما أكده أيضا وحى ( أرتريا ) فى ايونيا .

فلذلك أعتبر  المصريون الاسكندر مثل المخلص والمحرر ، وبناء على اختيار الشعب له كوريث شرعى فقد تم منح الاسكندر التاج المزدوج للاقليمين .. وتأكيد لهذا سكت العملات النقدية التى تحمل صورة الاسكندر بقرنى الكبش المقدس أمون ( فهو كبش لانه أبن أمون الكبش ) ويرجح ان هذه العملة وانتشارها كانت السبب فى شيوع صفة ( ذى القرنين ) المرتبطة بالاسكندر وخصوصا عند العرب .

كما ان الاسكندر أضاف تجاربه الشخصية انه بينما الاله هو حقا ابو كل الجنس البشرى ، ( فان الانبل والافضل هو الذى يختصه لنفسه ) .. ( بلوتارخ ) ، وهكذا شاع عن الاسكندر فى كل الامبراطورية المقدونية بأنه اله ابن اله ليس فى مصر فحسب  ، بل كاله عالمى وفى جميع البلاد الاغريقية .

فحينما اشاع انه كاله ابن اله ، فلكى لا يهمل مغزى تلك الحادثة العميقة ، فقد افتتح العصر ( الهلينستى ) زمنه بظهور اله مرسل من أبيه الاله السماوى ليخلص البشرية . ! .. وهو ما سيكون صداه مدويا فيما بعد ، وستتناسل هذه الفكرة بقوة حتى تصل الى ذروتها فى الديانة المسيحية ووقتها يكون الاسكندر قد اختفى ولابد من مجىء مخلص جديد يكون أيضا ابنا لاله سماوى وهو ما حدث مع المسيحية بالضبط .

وذلك فضلا عن التخريجات الروحية والفلسفية ، ظهر التوحيد بسبب تأليه الاسكندر واعتباره ابنا للاله السماوى وكانت الهلينستية حاضنته

فان فكرة الاله الاب ستجد صداها لاحقا وستكون ركيزة غنوصية مسيحية مهمة وبذلك يكون الاسكندر قد فتح ثغرة فى السماء تصل الاله بالبشر من خلاله وهو الذى تعتبره مخلصا بل نعتبره ( وحيا مجسدا ) .. ! وهذا ما سيمهد لفكرة الصلة الحية بين السماء والارض بل ان الامر يتخطى ذلك حين نعرف أن هناك من الفلاسفة والمفكرين من كان يرى ان أصل الالهة جاء من البشر ( وهى فكرة معاكسة لفكرة الاسكندر كابن للاله السماوى الاب ) وبذلك يكون قد كسرت الحواجز تماما بين أن يكون الانسان الها او ان يكون الاله انسانا ، وهذا ما يقرب صورة المزاج الدينى فى العصر الهلينستى .

ثم بالانتقال تاريخيا فيما بعد الى الدولة البطلمية وهى الدولة الوريثة لافكار العصر الهلينستى بشكل عملى فقد أعلن ( بطليموس الاول ) بعد توليه حكم مصر وملوكيتها عام 305 ق. م فقد قرر عبادة الاسكندر الاكبر عبادة رسمية فى مصر . !

وأحدى اهم الافكار البابلية التى استوحتها الحضارة الهلنستية بسبب التزاوج الثقافى ألا وهى الانسان انما هو ( كون مصغر ) فهو الشقيق المكمل للعالم الكبير ، وروحه شرارة من تلك النار السماوية التى تتوهج فى صفحة النجوم )

ومن هذا المنطلق قام البابليون بتطوير فكرة ( القضاء والقدر ) أى فكرة ( الجبرية القدرية ) وان الانسان محكوم بقدر محكم لا يستطيع الفكاك منه ، وعليه ان يخضع دائما وهو المذهب البابلى المسمى القدر المقدر او القضاء المحتوم الذى يتحكم بالنجوم والارض والبشر وهو المذهب الذى سبب للانسان العذاب الاشد استبداد وقهر بسبب خضوعه التام وتدمير حركته . !

ثم ينتقل بنا الكاتب فى رحلته فى اعماق التاريخ المطمور فى الفصل الثالث من الكتاب الى عالم ( الميثولوجيا ) الهلينستية والتى بقى مضمونها شرقيا فى حين كان شكلها اغريقيا وأما النتائج غير المباشرة والتى لم يكن يحلم بها الاسكندر وخلفاوه من البطالمه ، والسلوقيين ، والمقدونيين ، فهو ذلك الاتحاد العميق بين الميثولوجيا الشرقية فى نزعتها التفريدية والتألق الفلسفى الذى كان يتجه نحو التوحيد .

ومنها يشير الكاتب الى حديث ( بلوتارخ ) ويقول : ” بأن بطليموس الاول كون لجنة من علماء الدين كان من بين اعضائها الكاهن المصرى ( مانثو ) ، والاغريقى ( تيموثيوس ) واستقر رأى هذه اللجنة على أن يكون محور الديانة الجديدة ثالوثا يتألف من ( سيرابيس وايزيس وهربوكراتس ) ، ثم قامت اللجنة بتنظيم شؤون هذه الديانة .

فسنرى ان المشرفين على اعداد الالهة الجديدة نجحوا ، بقصد او بدون قصد فى جمع العبادة الظاهرية والعبادة الباطنية من جهة وفى رصد ايقاع الثالوث فى الديانتين وتوظيفه بشكل جديد .. ونرى أيضا ان عقيدة الثالوث هذه ستمهد للثالوث المسيحى كما أشار الكتاب سابقا ، الثالوث الذى نما اولا على أرض هلنستية كنعانية أرامية مصرية حافلة بايقاع الثالوث أيضا ، فالاب والام والابن هو أو ثالوث مسيحى مناظر للثالوث الهلنستيى ، ويقودنا هذا ايضا الى تأكيد صلة الرحم الهلينستى فى ولادة الديانتين الموحدتين ( اليهودية والمسيحية ) .. فالديانة اليهودية ديانى قربانية ، والديانة المسيحية تعتبر المسيح الفادى كذبيحة الهية أفتدت البشر .

وفى النهاية أختم اصدقائى وعذرا على الاطالة ولكن الوجبة الدسمة للكتاب هى من أجبرتنى ان أحاول الالمام بكافة جوانب وأفكار الكتاب الحافل كتاب : (كشف الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد ) للباحث / خزعل الماجدى — كتاب حافل بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، كتابا سيغوص معك فى رحلة من اعماق التاريخ المطموس والمطمور عن قصد وبدون قصد لاكتشاف حلقات مفقودة من تاريخ أديان المتعددة الآلهة والتوحيدية فيما بعد .. كن جاهز ياصديقى للابحار بدون خوف ولا تردد .. كن جاهز لرحلة فكرية عميقة كل العمق

إن هذه الحلقة المفقودة التي تجمع المسارية والهرمسية والغنوصية هي البادئة بفكرة التوحيد العرفاني الباطني الخالي من الوحي، والتي تحملت عناء الاصطدام مع كتلتين كبيرتين: الأولى هي كتلة الماضي الصلد للأديان التعددية (المشركة!)، والثانية هي كتلة الأديان ذات التوحيد الظاهري الناشئة حديثاً والمؤمنة بالوحي، والتي انتعشت بفضل المناخ الروحاني والفلسفي الذي أشاعته المرحلة الهلنستية. وبعد صراع طويل تمكن التوحيد الباطني من الانتصار على الأديان متعددة الآلهة، ولكنه فشل أمام الأديان التوحيدية الظاهرية الجديدة (غير العرفانية) التي أخذت التوحيد، وجعلت منه شعاراً مميزاً، وجعلته ظاهرياً لا باطنياً وأسبغت عليه صفة الوحي، وهيأت له شرائع متزمتة أصبحت، مع الزمن، موجهة لعقائده وفازت بالتوحيد النهائي، ولكنها دمرت كل تلك الجذور الأولى التي بدأها التوحيد العرفاني (الغنوصي)، ودمرت كل ما يمت بصلة للتوحيد العرفاني الباطني الذي تسلقت عليه وظهرت من خلاله.

هذا الكتاب محاولة لمعرفة ما جرى ومعرفة كيفية ظهور التوحيد الباطني العرفاني الذي سبق التوحيد السماوي أو الإلهي أو الوحييّ.

 

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك