هل فعلاً القصص الموجودة في القرآن مقتبسة من أساطير الأولين ؟

هل فعلاً القصص الموجودة في القرآن مقتبسة من أساطير الأولين؟

جميعنا يعرف قصة خلق الانسان المذكورة في الأديان الابراهيمية، ولكن كم منا يعرف قصة الخلق المذكورة في الحضارة السومرية القديمة ؟

الحضارة السومرية هي أقدم حضارة في التاريخ حيث تعود لأكثر من عشرة الاف عام قبل الميلاد، وهي حضارة كانت موجودة في جنوب بلاد الرافدين. وقد عرف تاريخها من الألواح الطينية المدونة بالخط المسماري

أما قصة الخلق فقد ذكرت في ألواح تعود للحضارة السومرية، ثم وجدت أيضا تتكرر ولكن بصيغة اخرى في الحضارة البابلية إلى أن ذكرت في أول كتب الاديان الابراهيمية وهو التوراة..

ففي لوح اثري قديم يعود للحضارة السومرية تم اكتشافه في مدينة نيبور في العراق وجد نصا مكتوب يقول:

“منذ البدء كان الآلهة يقومون بكل الاعمال التي تقيم أودهم وتحفظ حياتهم. ولكنهم تعبوا من ذلك فراحوا يشتكون لأنكي الحكيم , ليجد لهم مخرجاً ولكنه , هو المضطجع بعيداً في الأغوار المائية , لم يسمع شكاتهم. فمضوا الى أمه الآلهة -نمو- المياه البدئية التي أنجبت الجيل الأول من الآلهة , لتكون واسطتهم اليه , فمضت اليه قائلة :
أي بني , انهض من مضجعك , انهض من ]..[
واصنع امراً حكيماً
اجعل للآلهة خدماً , يصنعون لهم معاشهم
فتأمل أنكي ملياً في الامر , ثم دعا الصناع الآلهيين المهرة وقال لأمه نمو:
ان الكائنات التي ارتأيت خلقها , ستظهر للوجود
ولسوف نعلق عليها صورة الآلهة
امزجي حفنة طين ,من فوق مياه الأعماق
وسيقوم الصناع الآلهيون المهرة بتكثيف الطين وعجنه
ثم كوني انت له اعضاءه
وستعمل معك ننماخ يداً بيد
وتقف الى جانبك , عند التكوين , ربات الولادة
ولسوف تقدرين للمولود الجديد , يا أماه , مصيره
وتعلق ننماخ عليه صورة الآلهة
(1)  ]..[ في هيئة انسان ]…[
 

أما في التوراة فنجد النص التوراتي يقول :

’’هذه مبادئ السماوات والأرض حين خُلقت. يوم عمل الرب الإله الأرض والسماوات، كل شجر الأرض لم يكن بعدُ في الأرض، وكل عشب البرية لم ينبت بعد، لأن الرب لم يكن قد أمطر على الأرض، ولا كان إنسان ليعمل في الأرض. ثم كان ضباب يطلع من الأرض ويسقي كل وجه الأرض. وجبلَ الرب الإله آدم تراباً من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حية. وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاً، ووضع هناك آدم الذي جبله..‘‘ –  سفر التكوين

وجدير بالاشارة أنه دائما عندما يأتي ذكر أرض العراق والتوراة معاً في موضوع واحد فإن ما يأتي ببالنا لأول لحظة هو السبي البابلي، حيث كان هذا الحدث التاريخي يمثل أول وجود لليهود بأرض العراق من خلال سبي الآشوريين اليهود لأرض بابل  وكان هذا هو أول احتكاك بين اليهود وحضارات العراق.. فهل ثمة علاقة بين هذا الحدث التاريخي، وبين تكرار، أو بالأحرى، اقتباس بعض النصوص والقصص من حضارات العراق وكتابتها في التوراة؟ فقصة الخلق ليست وحدها ما تم اقتباسه او تكرارها مع تحريف الصياغة بل هناك قصة الخلق الاولى أيضا، وكذلك هناك قصة تتشابه الى حد كبير مع ملحمة جلجامش وهي قصة طوفان نوح الموجودة في التوراة وفي القرآن.

الجدير بالذكر أيضا أن معنى كلمة “آدم” التي استخدمها سفر التكوين كاسم علم للرجل الأول، هي كلمة سورية قديمة تدل على الإنسان بشكل عام، وتعني “البشر”؛ وقد وردت بهذا المعنى في أكثر من موضع في نصوص مدينة أوغاريت. ومنها ما ورد في ملحمة كِرت، حيث نجد الإله الأعلى إيل يلقَّب بأبي آدم، أي أبو البشر: “وبينما كِرت يبكي وقع عليه السبات، بينما هو يذرف الدموع غلبه النعاس، ولكنه ما لبث أن أجفل، إذ ظهر له في الحلم إيل، في رؤاه ظهر أبو آدم”(2). مما يرجح فكرة أن النصوص التوراتية هي نصوص مقتبسة من حضارات مختلفة يربط بينهم رابط جغرافي وهو ارض الشام والعراق. 

ونعلم  أن احداث خلق الانسان ذكرت في القرآن بما يتشابه كثيرا مع ذكرها في التوراة ومن قبلها في حضارات العراق. ويبقى أن نتساءل: هل نفهم من ذلك أن نصوص وقصص كثيرة ذكرت في الاديان الابراهيمية تم اقتباسها من حضارات قديمة نتيجة الاحتكاك والتواصل بين قبائل الشام والجزيرة العربية والعراق سواء عن طريق التجارة او غيره، أم أن نفهم من ذلك كما يدعي البعض بأن تكرار هذه الاحداث يدل على صحتها وأنها حدثت بالفعل كما نزل الله من خلال الكتب السماوية فيما بعد، مع الأخذ في الاعتبار أن الحضارات القديمة لم تجيء على ذكر أي رسل او انبياء؟ والسؤال الاخر والاهم: هل اذا افترضنا وأن هذه الاحداث حصلت بالفعل وتكرارها يدل على أن مصدرها واحد وتم تناقلها من مكان الى مكان ومن قبيلة الى اخرى، هل وقتها يثبت صحة ادعاء الكفار عندما قالوا بأن ما يقوله محمد ليس الا أساطير الأولين

:
وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) الفرقان

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) الانعام

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)الانفال 

وبأنها بالفعل لم تكن وحياً منزلاً وانما هي قصص يتناولها التجار والرحالة من حضارة الى اخرى؟

المصادر

  • (1) صفحة 45،46 كتاب مغامرة العقل الأولى لـ فراس السواح
  • (2) كتاب مدخل إلى نصوص الشرق القديم، فصل ملحمة كرت

 

للتواصل مع الكاتب على فيسبوك : Eslam M Essmat

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك