مأساة العقل العربي .. كيف نشأت أزماته ؟!

مأساة العقل العربي .. كيف نشأت أزماته ؟! – رمضان عيسى

من أعظم مظاهر مأساة العقل العربي هي كون أهم عناصر مكوناته ، هي أهم عناصر تجذر المأساة ، وهي الحاجز الأكبر أمام المعاصرة والتطور !! كيف ؟
تكمن جذور المأساة في العجز المزمن لدى العقل العربي عن تغيير ثقافته الموروثة من العصر الإسلامي والتي تصور له أن الفضيلة هي من نصيبه وحده وان الخطيئة هي من نصيب الآخرين، الجنة له وحده وجهنم من نصيب الآخرين، التقدم له وحده والتخلف من نصيب الآخرين، الحق معه وحده والباطل مع الآخرين، وأن العربي المسلم هو أَخيرْ البشر الذين يمشون على الأرض ، وقس على هذا فى كل جزئيات الثقافة الإنسانية التى لا يمكن حصرها؟
إن عجزه المزمن عن التسليم بالتنوع الثقافي ، وعدم قدرته على إدراك أن العلم قد أنهى عصور الفصل بين الثقافات المختلفة للإنسان والتي نشأت بحكم الجغرافية المختلفة للأرض ، وعجزه عن ادراك كم من الصراعات والحروب والكراهية نشأت بين البشر بسبب تلك الاختلافات الثقافية ، لهذا لم يستطع أن يصل الى إدراك المثل العليا والقيم الإنسانية التى يقوم على أساسها العالم الحديث المتقدم.
ان عولمة التواصل والاتصالات قد تجاوز الحواجز الجغرافية والقومية والدينية ، فبرزت ثقافة إنسانية واحدة قوامها الحرية السياسية وحرية العقيدة وحرية الحب والإخوة والتفاعل الإنساني.
ثقافة إنسانية واحدة يكمن فيها الحل لمشاكل الصراع بين البشر والبشر . ثقافة انسانية واحدة تقضي على المذهبية الدينية وافرازاتها الفكرية والاجتماعية والسلوكية !!
فما دامت أفكار مثل ” ما فرطنا في الكتاب من شيء ” ، وأن عندنا كل شيء ، وقد سبقنا العالم في كل شيء ، تطفو على قشرة العقل العربي بكثافة ، فهذا يعني الاصرار على الجهل والتخلف وتفشي الاحساس العميق بالدونية تجاه التقدم العلمى العالمي الذى يجرى بسرعة الضوء ونحن وراءه كالسلحفاة أو مصابون بالكساح .
ففي الطب لا زلنا نعتقد بفوائد ” حبة البركة” و” بول البعير ” ومقدرتهما السحرية على الاشفاء من أعتى الأمراض ، ودور وأثر ” الرقيَة الشرعية والدعاء والاستخارة والنذور ” في تغيير مسيرة الشخص الداعي الى الأفضل وفي اتقاء المصايب النازلة على رؤوسنا في المنطقة العربية رغم كثرة المآذن والزوايا !!
فلو اقتنينا أحدث السيارات وأحدث الطائرات وأحدث الحواسيب ، ستبقى علاقاتنا مع الآخرين مختلطة مع التوحش والصحراوية وسلطة القبيلة ، ولن نتقدم خطوة واحدة بهذا ما دمنا لم نتحلى بالجرأة للتخلص من ثقافة الصراعات والتميز الكاذب بأننا ” خير أمة أُخرجت للناس ” التي تزرعها فينا الثقافة الموروثة من العصور السابقة ، عصر التصارع على السلطة وخلافة آل البيت الى يومنا هذا .
== قال ماركس ((الإنسان يُصبح ثريًا بقدر ما يكون، لا بقدر ما يملك)). أي ثورياً وقت الثورة ، وعلميا في موقفه من العلم ، ومعاصراً للزمن لا متأخراً عنه ، وانسانا في التعامل مع الآخر !!
وستبقى كل مظاهر التخلف والظلم الاجتماعي والفقر سائدة في أحيائنا ، وستيقى فوضى المفاهيم المعكوسة تعشش في عقول أجيالنا ، ما لم نُغير ثقافتنا القديمة ، ونتبنى ثقافة انسانية جديدة تكون الأساس لمجتمع انساني ، علماني ، حضاري ، متطور ..

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك