عندما يتجرد الإنسان من أخلاقه ويكتسب سلطة الطغيان .. عن تجربة سجن ستانفورد الرهيبة

عندما يتجرد الإنسان من أخلاقه ويكتسب سلطة الطغيان .. عن تجربة سجن ستانفورد الرهيبة

ماذا يحدث عندما تضع أناس جيدة في مكان سيئ؟

هل تستطيع الإنسانية أن تفوز على الشر؟ وهل باستطاعة الإنسان أن يتمتع بكامل أخلاقياته وإنسانيته في حال اكتسابه للقوة والسلطة؟

كل هذه الأسئلة دفعت بفريق من الباحثين يقوده فيليب زيمباردو من جامعة ستانفورد للقيام بأغرب تجربة نفسية لا أخلاقية، عنيت بالاستجابات الإنسانية والظروف الحقيقية لحياة السجن.

ودعيت هذه الدراسة بتجربة سجن ستانفورد وكانت شبيهة بتجربة ميلغرام عام 1963.

المتطوعون:

تم إجراء الاختبار في الفترة مابين 14 إلى 20 أغسطس 1971، بتمويل من البحرية الأمريكية وتم الإعلان في الصحف للحصول على متطوعين مقابل 15$ لكل يوم من أيام التجربة، وقد استجاب أكثر من 70 مشاركا وقدموا مقابلات واختبارات شخصية لإنتقاء مشاركين لايعانون من مشاكل نفسية أوإعاقات طبية أوتاريخ من الجرائم أوتعاطي مخدرات، وتم انتقاء عينة من 24 طالب جامعي من الولايات المتحدة وكندا.
تم تقسيم هؤلاء الشبان بشكل تعسفي إلى مجموعتين عن طريق قطعة النقود، مجموعة حراس ومجموعة سجناء، ويجب أن نتذكر أنه في بداية التجربة لم تكن هناك اختلافات بين المتطوعين ليتم انتقاء الحراس منهم والسجناء.


*كيف تمت التجربة*:

تم إنشاء بيئة تحاكي بيئة السجن بشكل وثيق وذلك بالاستعانة بخدمات خبراء استشاريين ذوي خبرة، منهم سجناء سابقين خدموا قرابة سبعة عشر عاماً خلف القضبان، وقدموا معلومات تفيد بكيفية التصرف كسجناء.
تم إعداد السجن في قبو مبنى علم النفس في جامعة ستانفورد، ولإنشاء غرف السجن أخذوا أبواب بعض غرف المختبرات وتم استبدالها بأبواب مع قضبان وأرقام الغرف، وفي نهاية إحدى القاعات كان يوجد فتحة صغيرة تم من خلالها تصوير وتسجيل الأحداث التي وقعت.


وعلى جانب الممر المقابل لغرف السجن كانت حجرة صغيرة كالخزانة والتي أصبحت الحبس الانفرادي وكانت مظلمة وصغيرة جدا.
وقد سمح نظام الاتصال الداخلي بخرق الزنزانات سرا لمراقبة مايناقشه السجناء، وبعد هذه التجهيزات أصبح السجن معدا لاستقبال أول سجناء كانوا ينتظرون في زنزانات الاحتجاز التابعة لشرطة بالو ألتو.
وماحدث أنه في حالة من الصدمة الخفيفة تم اعتقال الشبان مفاجأة من قبل شرطة المدينة وتم وضعهم معصوبي العينين في سجن مقاطعة ستانفورد وثم تم إحضارهم بعد ذلك إلى السجن المحضر واستقبلهم المأمور الذي أخبرهم بخطورة جريمتهم ووضعهم الجديد كسجناء.


بعدها تم تفتيش كل سجين بصورة منتظمة وتعريته ورشه ليعتقد بأنه مصاب بالقمل والجراثيم، وقد تم الاتفاق لحصول هذه الإجراءات المهينة لإذلال السجناء من جهة وللتأكد من خلوهم من أية جراثيم من جهة أخرى حرصا على نظافة السجن.

أُعطي المساجين ملابسا فضفاضة لارتدائها من دون ملابس داخلية وكان عليهم أن يظلوا في هذه الملابس طيلة الوقت مع أحذية مطاطية وسلاسل مقيدة بكاحلهم، وخيطت الأرقام على ملابسهم وارتدوا قبعات ضيقة من النايلون.

في الواقع حالما تم وضع بعض السجناء في هذا الزي الرسمي بدأوا في السير والجلوس بشكل مختلف.
كانت السلاسل التي وضعت في أقدامهم-وهذا غير شائع في معظم السجون- قد استخدمت لتذكيرهم ببيئتهم المقموعة.
من الجدير بالذكر أن الحراس لم يتلقوا أي تدريب حول كيفية أن يكونوا حراسا، وكانت لهم حرية القيام بكل مايعتقدون بأنه ضروري للحفاظ على النظام والقانون في السجن، فشكلوا مجموعة من القواعد الخاصة بهم وقاموا بتنفيذها على الرغم من تحذيرهم من الخطورة المحتملة لمهمتهم.
وفي ساعة مبكرة من الفجر استيقظ السجناء عن طريق صفارات الحراس بطريقة مزعجة، وهذه الأحداث كانت مناسبة للحراس لممارسة السيطرة على السجناء الذين لم يكونوا بعد قد أخذوا مهمتهم على محمل الجد، وكانت هذت بداية سلسلة من المواجهات المباشرة بين الحراس والسجناء.

شكلت تمارين الضغط شكلا من أشكال العقاب البدني الشائعة الذي فرضه الحراس لمعاقبة من خالف القواعد أو من أساء للحراس أو المؤسسة، وعلى الرغم من الاعتقاد بأن هذا العقاب هو الحد الأدنى من أشكال العقاب، إلا أنه تبين بأنه كان مستخدما في معسكرات الاعتقال النازية.


وفي صباح اليوم الثاني اندلع تمرد من قبل السجناء وقاموا بإزالة قبعاتهم وحاصروا أنفسهم داخل الزنزانات عن طريق وضع أسرتهم مقابل الأبواب، مما جعل الحراس في حالة غضب فأصدروا في البداية بلاغا بوجوب دعم التعزيزات، فتطوع الحراس للعمل ساعات إضافية للقضاء على التمرد، كما قرروا التعامل مع القوة بالقوة.
قرر الحراس فيما بعد اعتماد التكتيكات النفسية بدلا من الجسدية، فقاموا بتفريق السجناء من خلال تقسيمهم إلى زنزانتين أحدهما “للجيدين” وأخرى “للسيئين” لإيهام السجناء بوجود مخبرين، وقد نجحت الخطة في القضاء على أي تمرد وشيك الحدوث.
لكن سرعان ما تحول السجن لبيئة سيئة جدا ومكان غير صحي بسبب تراكم الفضلات والبراز والبول داخل الزنزانات حيث جعل الحراس دخول الحمامات امتيازا، وقد حرم الكثير من السجناء من الطعام، وأجبر السجناء على تنظيف الحمامات بأيديهم.


بدأت الاضطرابات العاطفية تظهر على السجناء وشاعت مظاهر الغضب والبكاء الذي لا يمكن السيطرة عليه.


وبعد السماع عن مؤامرة الهروب الجماعي التي يخطط لها السجناء، قرر الكادر المشرف نقل السجناء إلى السجن القديم لشرطة بالو ألتو ولكن تم رفض طلبهم من إدارة الشرطة، وقد كان زيمباردو مستاء من عدم التعاون معه من قبل الشرطة ومؤسسات أخرى، كما تبين فيما بعد أن الهروب مجرد إشاعة.

تم إنهاء الاختبار بعد فقدان السيطرة على السجناء الذين كانوا في حالة مزرية، والذين أفادوا فيما بعد أنهم عانوا من فقدان هويتهم وتصديقهم بأنهم كانوا سجناء حقيقيين، كذلك الحراس الذين استمروا في ممارساتهم القاسية على السجناء في حالة تصديق تامة بأنهم سلطة حقيقية من واجبها إخضاع السجناء وإذلالهم.
ويذكر بأن الاختبار كان من المفروض أن يستمر لأسبوعين.
*الخلاصة ونقد الاختبار*:

كان هذا الاختبار عرضاً لما يمكن أن يفعله الناس عندما يحظون بسلطة مدعومة اجتماعياً ومؤسساتياً في محاولة لفرض الطاعة والانصياع.
وقد انتقدت هذه التجربة على نطاق واسع أخلاقيا وعلميا، حيث رأى بعض النقاد بأن المشاركين انتهجوا سلوكا كان يفترض بهم أن يسلكوه وبأن الظروف التي فرضت على المتطوعين قاسية وغير إنسانسة ولا أخلاقية
كما يعتبر حجم العينة صغير جدا وفي مدة قصيرة نسبيا.
من الجدير بالذكر أنه تم إنتاج عدة أفلام تصور الحادثة كالفيلم الأمريكي The Experiment في 2010 وأخر في عام 2015 سمي تجربة سجن ستانفورد يحكي نفس القصة.

في النهاية يمكننا أن نفهم كيف تجرد السجون الناس من إنسانيتهم وتحولهم إلى جماد وتغرس فيهم مشاعر اليأس، وبالنسبة للحراس فقد أدركنا كيف يتحول الشخص من الخير إلى الشر.
والسؤال الآن هون كيفية تغيير مؤسساتنا بحيث تعزز القيم الإنسانية بدلا من تدميرها!

المصادر:
http://www.prisonexp.org/the-story

https://en.m.wikipedia.org/wiki/Stanford_prison_experiment

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك