شعوب تتنفس الجهل. هل الجهل هو مصيرنا الحتمي؟

شعوب تتنفس الجهل. هل الجهل هو مصيرنا الحتمي؟

الجهل هو أصل كل الشرور. ربما كانت هذه الجملة لعبد الله القصيمي من أعظم الجمل التي كتبت في التاريخ، فهي تختصر كل شيء في بضعة كلمات، فالجهل هو بالفعل أصل كل شر، الجهل هو أصل الارهاب والجريمة والانحلال الاخلاقي والايمان بالخرافة ومحاربة العلم والاضطهاد والقمع والاستبداد بالرأي والانغلاق والفساد وكل شيء قد يضر بمصلحة المجتمع والانسان.

ان الجهل يجعل عقل المرء منغلقا ومطموساً فلا يمكنه استيعاب أي فكرة جديدة، حيث يتسبب في احداث ضمور بالعقل وبخلايا الدماغ، و يقتل كل منابع الابداع والتفكير والنقد، يجعل الانسان مجرد روبوت بيولوجي لا أكثر. وببعض الافكار التي تناولها عن طريق التلقين والتنشئة  يصبح كائناً مبرمجاً لا يمكنه نقد فكرة او ظاهره، يصبح مسيراً من قبل مبرمجيه، موجهاً من خلال وسائل خاصة كالاعلام والدين والسياسة، يفقد القدرة على تصفية الافكار الفاسدة ليجد فكرته ويسلك طريقه حراً.

في دول العالم الثالث والدول الفاشية تجد ألد أعداء السلطة العلم والثقافة والوعي والفن، تحاربهم السلطة الفاسدة بكل ما تملك، انهم الأعداء الذين يفوقون الجيوش المحيطة خطورةً، لأنهم ينخرون في كيان السلطة ويدمرونها تماما ويخلقون شكلا اخر من سلطة أكثر نزاهة وشرفاً وخوفاً من العقاب تعمل على صالح المجتمع وتقدم البلاد.

وربما تتجلى العلاقة بين السلطة والوعي في المقولة القصيرة التي قالها يوزف غوبلز وهو وزير الدعاية السياسية في الحكومة النازية: ’’كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي.‘‘ حيث تتضح هنا العدائية التي تكتنف العلاقة بين الوعي والسلطة وما يترتب على وجود طرف منهما في محيط الاخر.. إنها الحرب، الحرب بين التجهيل وبين الوعي، وهي حرب أبدية ستبقى دائما في مكان ما، حيث كل سلطة تسعى لتجهيل شعوبها لكي يسهل لها التحكم في مقدراته وموارده وآماله وطموحه ومستقبله، لكي يتسنى لها السيطرة الكاملة على الشعب ومعاملتهم كما قطيع من الخراف. ولقد نجحت دول العالم الثالث في ذلك، فنرى من حولنا الجهل يستشري في كل مجال وفي كل قطعة من أراضينا، تختلف اشكال الجهل فليس له شكل واحد، فقطع الطريق امام المارة دون ترتيب مسبق او استئذان لاجراء اصلاح في حانوت ما او حجز مكان امام حانوت ما لسيارة صاحب الحانوت من خلال خوازيق خرسانية للحيلولة دون انتظار سيارة اخرى هو جهل، وازعاج الاخر من خلال مكبرات الصوت هو جهل، ومخالفة النظام والدور في الصف للحصول على تذكرة مترو حيث تجد احدهم يتسلل من جانب الصف ويقحم وجهه امام شباك قطع التذاكر، والكثير والكثير من الامور، كلها صور من صور الجهل، والحكومة تسعد بذلك ولا يغرنك انها تمتعض من خلال ابواقها الاعلامية بعدم النظام او الفوضى، بل هي تطمئن في وجود الفوضى وعدم النظام لأنها تطمئن بوجود الجهل.

يقول العم جلال عامر “سوف نعبر هذه المحنة عندما تصبح مدرجات الجامعة أهم من مدرجات الكرة، ومعامل البحث العلمي أهم من مكاتب البحث الجنائي، وعندما نعرف أن أسوأ ما فى «الأمة» هو «الأمية».” ولكن ما تضعه الحكومات المتخلفة في أجندتها عكس ذلك.. فهي تضع في أجندتها كخطة أولى بعنوان “التصدي للوعي” والتضييق على المثقفين والفنانين، هكذا تستطيع مواصلة السرقات والفساد، وهكذا يغرق الشعب في الجهل أكثر وتنتشر الافكار الهدامة والسطحية.. يبدو أنه كتب علينا أن نعيش طوال حياتنا كعرب في هذه البقعة الممتلئة بالجهل، عاجزين عن اللحاق بركب الحضارة والرفاهية.. فحتى ثوراتنا باءت بالفشل، وهنا تكمن المأساة، ليس بسبب جهل الشعوب فقط، بل بسبب جهل المثقفين والنخبة أيضا!

للتواصل مع الكاتب على فيسبوك : Eslam M Essmat

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك