هل كان فى سياسة عمر بن الخطاب شيء من العنصرية ؟

هل كان فى سياسة عمر بن الخطاب شيء من العنصرية ؟ – سامح عبد الله

” وأصر عمر علي ألا يترك بجزيرة العرب دين وقد أصبح للعرب في شبة الجزيرة العربية كلها دين واحد ارتضوه في عهد رسول الله “

فهل كان في ذلك شيء من عنصرية !

عمر والأقليات..!

إحدي وخمسون..

اتسعت رقعة الجزيرة العربية وأصبحت تخضع لعاصمة موحدة مقرها المدينة ولحاكم واحد هو عمر بن الخطاب..
اتحدت رقعة البلاد من شمال شبه الجزيرة إلي جنوبها وأصبحت لها عقيدتها وسياستها.. فأما الأولي فكانت الإسلام وأما الثانية فكانت من عمر وما صنعه من أدوات حكم امتدت إلي كافة شئون الدولة العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

لكن شيء هام يضفو فوق السطح ويطرح نفسه بإلحاح ألا وهو حقوق الأقليات..!
دعونا نتكلم عن واقع.. كان الإسلام قد تجاوز حدود الانتشار في هذه البقعة حتي يدخل فيه سوي ممن يصدق عليهم وصف الأقلية..!
ولا حرج أبدأ في استعمال هذا الوصف الذي يجد له سندا مما هو قائما الآن في العصر الحديث ، أوربا مثلا ورغم أن كافة دساتيرها تؤكد علي حقوق المواطنة ماتزال تري أن وصف الأقليات هو الوصف المناسب لبعض التجمعات العرقية والدينية ، وهكذا كان الحال بعد أن توحدت شبه الجزيرة العربية كما أشرنا وأقيمت بالإسلام
ولم يبق سوي يهود المدينة ونصاري نجران فقد اختاروا أن يظلون علي دينهم رغم هذا المد الإسلامي الذي أشرنا إليه.

ما الذي كان متوقعا من رجل دولة مثل عمر إزاء هذا الأمر هل يظل بشبه العربية دينين أم ماذا.. هل تقوم سياسته الداخلية علي مبدأ المواطنة كما هو اليوم في العصر الحديث أم أن لدولته شكل اخر.. هل تقوم الهوية علي التعدد كما هو أيضا قائم اليوم أم أن لهوية دولته صورة أخري.. هل كان يقبل عمر تعدد ثقافي أو حضاري أو عرقي إلي آخر هذه المصطلحات التى ولدت مع العصور الحديثة أم أن العقيدة الدينية المتمثلة في الإسلام ستختزل كل هذا ؟!

في الحقيقة لو تخيلت إجابة بسيطة وللوهلة الأولي ستكون بنعم… نعم عمر يقبل كل هذا وأكثر..
صحيح أن هذه المصطلحات لم يكن لها وجود في حينه لكن شخصية عمر وأسلوب إدارته يعطيان للمتأمل فيهما هذه الإجابة..
فلم يذكر في تاريخ دولته أنه فرق بين مسلم وغير مسلم بشأن الأمور المدنية التى تدار بها دولته.. كان الخطاب عاما كما هو خطاب المواطنة اليوم عند الأمم المتحضرة بل كان أعظم وسنري لاحقا كيف أقام الدنيا علي حاكم مصر عمرو بن العاص وابنه عندما أهان الأخير قبطيا استنادا إلي سلطان أبيه وكيف أنه وكيف أنه أمر برد السيئ من أهل الردة إلي عشائرهم وكيف أنه عزل قائد مثل خالد بن الوليد لأنه رأي أنه خرج في عدة مواضع عن أصول دولته وسياسته والأمثلة علي ذلك كثيرة..!

لكن الإجابة رغم ذلك قد تكون صادمة علي الأقل عند الوهلة الأولي..!
فعمر يأمر باجلاء نصاري نجران عن شبه الجزيرة العربية وهم الجمع الذي كان يمكن أو يوصف بالأقليات في وقته !
كان النبي صل الله عليه وسلم قد عاهدهم علي العيش بسلام بشبه الجزيرة كل علي دينه وكان خليفة رسول الله أبو بكر قد عاهدهم علي ذلك أيضا..!
فما الذي حدث مع عمر وهل أراد أن يخرج بسباسته عن هذه السياسة أم أنه لم يقبل هذا التعايش بين دينين أو هويتين..أم ماذا؟!
تقريبا لم يؤخذ علي عمر موقفا من المستشرقين أكثر من موقفه باجلاء نصاري نجران وأيضا من بقي من يهود المدينة إلي بقعة أخري غير بقعة شبة الجزيرة العربية التى سادها الإسلام، والحقيقة أن ظاهر هذا الأجراء يبقي واضحا لاسيما أمام بعض المستشرقين بأن فيه شيء من “عنصرية ” نري أنها ابعد ما تكون عن خليفة مثل عمر..!

فما الذي حدث إذن وكيف لرجل طبق الإشتراكية بمفهوم أكثر سعة وطبق والليبرالية بمفهوم أكثر تحضرا والعسكرية بمفهوم أكثر انسانية والعدل بمفهوم أعظم شأنا والعدالة الاجتماعية بمفهوم أنبل..
كيف لمثله أن ينزلق لمثل هذا الوصف
وما الضرر في أن يبقي بالجزيرة العربية من لم يدخل في الإسلام.. وما هو الخطر في بقاء أقلية وسط مجتمع الأغلبية ؟.

والرأي عندنا أن الذي حدث كان بعيد كل البعد عن هذا الوصف البغيض “العنصرية”
ولم يكن مبعثه أبدا خوف من دين أو من ثقافة أو من هوية غير إسلامية ولسنا لدينا مانؤيد به رأينا سوي دولة عمر نفسها وسياسته لا غيرها.

ظل يهود المدينة علي ديانتهم.. وظل نصاري نجران علي سياستهم رغم اقليتهم
وسنري عند الحديث عن فتح مصر أن أقباط مصر ظلوا علي ديانتهم وظلت كنائسهم وأديرتهم باقية حتى اليوم لم تمس ولو كان عمر قد أراد أن يقضي علي ثمة دين غير الإسلام لكان قد فعل.. ولو كان قد دخل في حرب مع مختلفي أو الهوية ما أبقي علي أحد منهم وكان قد ارتكب ما فعلته أمم حديثة جاءت بعده من تطهيرا عرقيا..!

ربما كان هذا الرأي الذي يتفق وقناعتنا فعمر أراد ألا يفتن هؤلاء عن دينهم إذا بقيوا كأقلية بين ربوع دولة بلغت حدودها في عهده مناطق غير عربية وورثت امبراطوريتين عظميين هما فارس والروم.

يقول الدكتور محمد حسين هيكل في الجزء الأول من مؤلفه الفاروق عمر.. “وتصرف عمر في هذا الأمر خليق بالحمد ، غير خليق بالتحامل ولا باللوم فقد كان أول ما أوصي به ألا يفتن نصاري نجران عن دينهم وأن يدع لهم الحرية كاملة في البقاء عليه أو التحول عنه إلي الإسلام وأن يعطيهم أرضا كأرضهم خارج شبه الجزيرة. بذلك لا يظلمون ولا يصنع معهم إلا ما تصنعه الدول المتحضرة اليوم، إذ تنقل أهل جنس من الأجناس إلي حيث تقيم كثرة من بنى جنسهم وحيث يأملون أن يضرهم الاختلاف في الجنس مع جيرانهم أشد مما يضر الكثرة الضخمة القائمة من حولهم “

هذه هي وجهة النظر بكل موضوعية ونهجنا دائما هنا عندما نتحدث عن عمر وكما قلنا مرارا لا نتحدث هن نبي أو رسول أو قديس إنما نتحدث عن عمر القائد الذي بلغت الدولة الإسلامية في عهده ذروتها من حيث تأثيرها وقوتها وسلامة بنيانها ، والأمر في النهاية ليس به خطوط حمراء يجب ألا نقترب منها فنحن نناقش عمل بشري يحتمل الصواب والخطأ وعمر كسائر البشر يصيب ويخطئ ولا نجزم برأي به جدل ولا نصل إلي مرتبة اليقين في شيء غير عقائدي إنما نتيح للبحث القدر الرحب الذي تنطلق فيه الفكرة بلا حدود كطائر حر طليق له حرية الاختيار في أن يحدد أين يتجه دون بوصلة تحدد له اتجاهه سوي قناعته هو..!
وللحديث بقية.
#عمر_بن_الخطاب_رؤية_معاصرة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك