لماذا يستحيل وجود جحيم أو عذاب بعد الموت ؟

لماذا يستحيل وجود جحيم أو عذاب بعد الموت ؟

 

الجحيم؟ ــ الجحيم فكرة موجود في معظم الأديان المنتشرة حول العالم، وهي تمثل ركيزة من ركايز الأديان، حيث تعتمد عليها في مسألة الثواب والعقاب والارادة الحرة، ولكنها تحتل حيزاً خاصاً في الديانات الابراهيمية وتحديداً في المسيحية والإسلام، حيث أفردت لها هذه المعتقدات مساحة كبيرة في وصف اجواء الجحيم واشكال التعذيب للمخطئين والكفار.

لا جدال أن فكرة الجحيم هي فكرة لها تأثير فعال جداً في اعتناق البشر لدين معين، فهي تثير غريزة الخوف بداخله والتي تمثل أكبر نقاط الضعف الموجودة لدى الوعي البشري، فاستغلال هذه الغريزة ليس موجوداً في الاديان فقط بل في كل مناحي الحياة، ويتجلى استخدامها في السياسة، أي في الزمام الثاني الذي يتبع الدين لتسيير وتوجيه والتحكم في المجتمعات.

غالبا ما تتمثل فكرة التخويف من الجحيم في الآتي :

يقول المتحدث باسم دين من الأديان : إذا لم تؤمن بأسس هذا المعتقد – دون سواه – وتتبع أوامره وأفكاره فإن هناك جحيم وعذاب وضعه اله هذا الدين لكي يكون في انتظارك في الحياة الاخرى.

يجد المتلقي هذه النبرة ممتلئة بالثقة وممزوجة بالتهديد فيشعر بالخوف ويدفعه هذا الخوف لاعتناق هذا الدين تحسباً لوجود عذاب بالفعل، فتنجح الحيلة الدينية. ولكن دعونا نتحرى قليلا هذا الأمر…

يوجد من الديانات الكبرى والرئيسة حول العالم عدد 19 ديانة، لن نتطرق الى الديانات الصغيرة والتي يقدر عددها بالالاف، وتلك الديانات الكبرى مثل المسيحية والاسلام واليهودية والهندوسية والزرادشتية والبوذية والطاوية وغيرهم، وتضع كل ديانة من هذه الديانات تصور خاص للجحيم مختلف عن الاخر. المشكلة التي يقع فيها المؤمن بدين معين وبصفة خاصة الاسلام والمسيحية، وربما هذا بسبب احساس القوة المستمد من كثرة اعداد من يعتنقون هذا الدين، هي عدم استيعاب وجود عدد كبير جدا من المعتقدات الاخرى التي تحتكر الحقيقة أيضا والتي تحتوي على تصورات اخرى للجحيم في حالة عدم الايمان بها.

اذا سألت أحد المؤمنين بهذه الاديان سيجزم لك بأن دينه هو الصحيح، تماما مثلما يحدث مع المسلم او المسيحي، وسيجزم لك أن الاديان الاخرى هي افتراءات او اديان غير صحيحة.. وهنا نتساءل، ما رأيك اذا كنت شخصا مسلماً او مسيحياً ووجدت بعد موتك أن احدى الديانات الاخرى هي الصحيحة ؟

ــ الأزمة الحقيقية تتمثل في نقطة اخرى، وهي أنك لكي تؤمن بدين معين فلا بد لك أن تطلع على باقي الأديان، ليس هذا فقط، بل أن تعتنق باقي الأديان لتعيش طقوسها وتعاليمها وتعتقد بمعتقداتها وتترجم أفكارها بشكل عملي لكي يتسنى لك في النهاية أن تقرر قراراً منصفاً وتختار ديناً معينا من كل هذه الأديان عن قناعة ومن ثم يكون هناك عدلاً في أن تحاسب على اختيار هذا الدين دون ذاك. فليس من العدل أن تحاسب على اختيارك ديناً بشكل فيه تدخل من الظروف الخارجية والموروث كأن تولد مسلماً او مسيحياً في حين كان دينا اخر غيرهما هو الصحيح..

النقطة الاخرى الهامة هي أن لكل دين حججه التي تحاكي او تضاهي حجج الاديان الاخرى، وحسب تصور الشخص المؤمن بدين معين فإن الحجج الموجودة في دينه هي الحجج الصحيحة، بينما الاخرى خاطئة، فليس المسلم وحده او المسيحي من يقع في هذا الأمر.

اذا فعليك أن تقارن كل هذه الحجج وأن تعتنق كل هذه الديانات لكي يتسنى لك في النهاية اختيار الصحيح من بينهم.. ولكن متوسط عمر الانسان، حتى في حالة تفرغه التام طيلة حياته، لا يسمح له بفعل ذلك.. فلكي تعتنق دينا تحتاج لفترة طويلة كي تستطيع ادعاء أنك اعتنقته وجربت تعاليمه وافكاره ومن ثم وصلت الى قرار نهائي ومنصف باتباعه..

يقول المؤمن بالاسلام او بالمسيحية، أن شخصا ولد بوذياً او هندوسياً يستطيع أن يطلع على الاسلام ويعرف أنه دين الحق وبالتالي فهو محاسب اذا لم يؤمن به.. حسناً ولكن الأمر لا يسير بهذا لاشكل.. بل أن هذا الشخص البوذي لا بد له أن يطلع على كل الأديان الموجودة لكي يصل الى قرار موضوعي يستطيع أن يحاسب عليه بالفعل وليس الاسلام او المسيحية فقط..

باختصار.. وجود عدد كبير من الأديان يحل مسألة الجحيم بحيث يعفي الانسان من مسئولية الاختيار، لأن لا يوجد ما يكفي من عمر الانسان لتجربة كل هذه الاديان واختيار دين معين بحيث يكون مؤمنا بالفعل بهذا الدين عن قناعة وحرية اختيار بعد مقارنة ونقد ومعايشة كل الاديان، وهي الحالة التي يحاسب عليها شخص ويكون الحساب منصفاً وعادلاً.. وليس أن يولد شخصاً مسلماً  او مسيحياً او بوذياً فيعتنق الدين بالوراثة وبالتالي يفلت من العذاب لأنه اعتنق الدين الصحيح بحكم الوراثة او يعذب لأنه لم يعتنق الدين الصحيح بحكم الوراثة أيضاً..

إن أي جحيم ينتظر شخصا لم يحظى بفرصته الكاملة في الاختيار بشكل موضوعي، لسبب بسيط وهو عدم الكفاية من العمر البشري لتجربة الاديان واختيار دين محدد، هو عذاب غير مبرر بالمرة ويفتقر للعدل والموضوعية، وهو شيء يسيء للاله الذي خلق ذلك الجحيم.

 

لمتابعة الكاتب على فيسبوك : Eslam M Essmat

 

 

 

 

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك