مقتطفات من رسائل فان جوخ إلى أخيه (1)

مقتطفات من رسائل فان جوخ إلى أخيه (1)

فينسنت فان جوخ – لمن لا يعرفه – هو رسام هولندي حفلت حياته بالكثير من الصراعات النفسية والتقلبات الاجتماعية والعملية والمادية. ولد فان جوخ في هولندا في 30 مارس 1853 وكان والده قسيساً مما أضفى على تربيته صبغة دينية ومثالية، اصطدمت فيما بعد بطبيعة الواقع العملي للحياة. بدأ فان جوخ حياته العملية بالانضمام لمؤسسة لتجارة الفن بصحبة عمه الذي كان يشتغل بتلك التجارة. مكث فترة في فرع المؤسسة بـ لاهاي ثم انتقل الى فرعها في لندن، تعرف على امرأة تدعى أورسولا لوير وأعجب بها وصارحها بمشاعره الا أنه قوبل بالرفض ورد فعل جاف وحاد مما سبب له صدمه وجعله يلتجأ الى الدين بشكل متشدد وقد أثر ذلك على اداءه في العمل فتم نقله الى الفرع الموجود بباريس ولكنه ترك المؤسسة والتحق بمدرسة للتعليم الديني وكرس حياته للدين ودراسة التوراة والأنجيل ثم طلب بأن يكون رجل دين واسندت اليه مسئولية الوصاية على عمال المناجم ولكنه كان يبدي تأثرا ومشاعر ايثارية مبالغ فيها تجاههم حتى أنه كان يعطيهم طعامه وملبسه وقد تسببت تلك التصرفات المتطرفة والمبالغ فيها في استياء المسئولين بالكنيسة فقرروا ايقافه عن استكمال مهمته وكان ذلك يمثل فشلاً جديدا بالنسبة له.

ظل فان جوخ سنة كاملة في ظروف بائسة ووضع مالي سيء حتى قرر الالتحاق بدراسة الفن بإعانة مادية من أخيه ثيو. تعرف في تلك الفترة على امرأة تسمى “كي” ووقع في حبها ولكنه قوبل بالرفض مرة اخرى وكانت تلك واحدة من أكبر النكسات التي أثرت عليه.

كان فان جوخ مهتماً جداً بالفلاحين وكانت معظم لوحاته تتناول تفاصيل حياتهم، انقطع فترة عن نشاطاته بسبب موت أبيه والذي كانت علاقتهما قد ساءت في السنوات القليلة السابقة لموته، لكنه عاود مرة اخرى العمل، وبعد جهد كبير وتطوير في أساليب الرسم استطاع إنتاج لوحته العظيمة الأولى وهي ” آكلو البطاطا”. عمل فينسنت على لوحة آكلو البطاطا طوال شهر أبريل من العام 1885، وتشجع إثر ردود الفعل بشأنها. ولكن صديقه وزميله الفنان أنتون فان رابارد لم يعجب بعمله، وأدت تعليقاته حول لوحته إلى نهاية صداقتهما. بالرغم من أن فينسنت يغضب وينزعج من نقد أعماله، إلا أنه كان مسروراً من النتيجة عموماً، وهكذا بدأ مرحلة أفضل في حياته. واصل فان غوخ العمل طوال العام 1885، لكنه أصبح قلقاً مرة أخرى وبحاجة للتشجيع من جديد. انضم لفترة وجيزة إلى الأكاديمية في أنتويرب في بداية العام 1886، لكنه تركها بعد حوالي أربع أسابيع لاستيائه من صرامة المدرسين

آكلو البطاطا

أخذ فينسينت فان غوخ يتراسل مع أخيه ثيو بداية العام 1886 في محاولة لإقناعه بالانتقال إلى باريس. كان ثيو مدركاً لشخصية أخيه القاسية فوافق على طلبه.

. كان العام 1887 في باريس مرحلة تطور أخرى لفينسنت كفنان، لكنها أيضاً سببت له خسائر فادحة، عاطفية وجسدية. عندما أصر فينسنت على الانتقال والعيش مع ثيو، قام بذلك على أمل أن يحسن الاثنان من إدارة نفقاتهما وليتمكن فينسنت بسهولة أكثر من أن يكرس نفسه إلى الفن. ولكن عيشه مع أخيه أدى كذلك إلى الكثير من التوتر بينهما. كما كان الحال طوال حياته، جعل الطقس السيئ أثناء فصل الشتاء فينسنت عصبياً ومكتئباً

. في أثناء الشهور الشتائية الكئيبة في باريس – في عامي 1887 و1888 – أصبح فان غوخ أكثر قلقاً لأن الصور والألوان الكئيبة بدأت تسود لوحاته  وقرر الانتقال الى آرل، وبدأ بتشجيع صديقه الرسام بول غوغان للانضمام إليه في الجنوب، لكن الفرصة لم تكن محتملة، لأن انتقال غوغان يتطلب الكثير من العون المالي من ثيو، الذي لم يعد يتحمل المزيد. في أواخر يوليو توفي فينسنت (عم فان غوخ) وترك إرثاً لثيو. مكن ذلك المال ثيو من تبني انتقال غوغان إلى آرل. شعر ثيو بأن فينسنت سيكون أكثر سعادة واستقراراً برفقة غوغان، كما أمل ثيو في أن تكون لوحات غوغان مربحة بالنسبة إليه. بخلاف أخيه. ولكن فيما بعد تدهورت العلاقة بين فينسنت وغوغان، فأصبحت مجادلاتهما الساخنة كثيرة الحدوث وخاصة بعدما عرض فينسنت على غوغان أن يقيم مشروعاً فنيا في مكان اقامتهما ولكن غوغان رفض الفكرة وأهمل محاولات فان جوخ لاقناعه.

في 23 ديسمبر أصيب فان غوخ بنوبة عقلية جنونية، فقطع أذنه اليسرى بالكامل بواسطة شفرة حلاقة، ثم انهار. اكتشفته الشرطة ثم أدخل إلى مستشفى هوتيل ديو في آرل. بعد أن أرسل غوغان برقية إلى ثيو اتجه فوراً إلى باريس دون أن يزور فان غوخ في المستشفى. تراسل فان غوخ وغوغان لاحقاً لكنهما لم يجتمعا شخصياً مرة أخرى..

دهمت فان جوخ في الفترة اللاحقة نوبات متعددة من الهلاوس والاضطرابات النفسية والعقلية دخل على اثرها المصحة النفسية اكثر من مرة وفي واحدة منهم رسم لوحته الأفضل وهي ليلة النجوم. تحسنت صحة فان جوخ وخرج من المصحة الا أن نوبات الاضطراب العقلي توالت على فان جوخ فيما بعد حتى وصلت ذروتها في الشهور الأولى من العام 1890. كانت تلك الفترة الأسوأ بالنسبة لحالته العقلية على الاطلاق. شعر أخيه ثيو بأنه من الأفضل لفينسنت أن يعود إلى باريس ويوضع  تحت عناية الدكتور بول غاشي

ليلة مضيئة بالنجوم

وصل فينسنت الى باريس لكنه شعر ببعض الإجهاد فاختار ترك باريس والذهاب إلى أوفير سور أوايز. كان فينسنت مسروراً من أوفير سور أوايز التي أعطته الحرية التي لم يحصل عليها في سان ريمي، وفي نفس الوقت زودته بالمواضيع الكافية لرسمه. أسابيع فينسنت الأولى هناك انقضت بشكل هادئ وبقى في حالة نفسية جيدة وكان كثير الإنتاج، فرسم بعض أعماله المعروفة مثل “صورة الدكتور غاشي” ولوحة “الكنيسة في أوفيرس”. علم فينسنت بعد ذلك بخبر غير جيد وهو أن ابن أخيه أصبح مريضاً جداً. كان ثيو يمر بأكثر الأوقات صعوبة منذ الشهور السابقة. بعد تحسن الطفل الرضيع، قرر فينسنت زيارة ثيو وعائلته فذهب إليهم مبكراً بواسطة القطار ثم عاد إلى أوفيرس. في أثناء الأسابيع الثلاث التالية، استأنف فينسنت الرسم وكان سعيداً.. 

مساء يوم الأحد الموافق 27 يوليو 1890 أخذ فينسينت فان غوخ مسدساً وذهب الى حقل يقع بالقرب من العاصمة باريس وأطلق رصاصة على صدره لكنه لم يمت مباشرة ، استطاع العودة إلى رافو وهو يتمايل حيث انهار على السرير حتى تم اكتشاف حالته واستدعاء أخيه ثيو. بقى فينسنت وثيو سوية حتى الساعات الأخيرة من حياته. ذكر ثيو لاحقاً بأن فينسنت أراد الموت بنفسه، فعندما جلس إلى جانب سريره قال له فينسنت

“إن الحزن سيبقى إلى الأبد”

مات فينسنت فان غوخ في الساعة الحادية والنصف صباح يوم 29 يوليو1890 عن 37 سنة. رفضت الكنيسة الكاثوليكية في أوفيرس السماح بدفنه لأنه مات منتحراً، لكن مدينة ميري القريبة وافقت على الدفن والجنازة.

توفى ثيو في أوفر سور أوايز بفرنسا بعد رحيل فينسنت بست شهور. دفن في أوتريخت لكن زوجته جوانا طلبت في عام 1914 بإعادة دفن جسده في مقبرة أوفيرس إلى جانب فينسنت.

ترك فان جوخ ما يصل الى 700 رسالة الى أخيه والذي كانت علاقتهما علاقة وطيدة وقوية الى أبعد حد وتتضمن تلك الرسائل وصف مشاعره وحالاته وأوضاعه، كما ترك الكثير والكثير من اللوحات التي احدثت نقلة في عالم الرسم.  سنسرد هنا على موقع المكتبة العامة بعض المقتطفات من رسائل فان جوخ مقسمة على عدة مقالات للاطلاع على جانب من هذه الشخصية الغامضة والمثيرة والأكثر شهرة في عالم الفن.

من الرسالة الأولى

عزيزي ثيو

لقد سعدت بردك على خطابي بهذه السرعة وبأنك أحببت بروكسل حيث وجدت فيها مدرسة داخلية جيدة.لا تفقد عزمك إذا وجدت الأمور صعبة في بعض الاحيان، وتأكد أن كل شيء سيسير على ما يرام لأنه ليس هناك من يستطيع أن يحقق ما يتمناه منذ البداية.

إنني أتمنى أن تصلني رسالة من الأخت آنا قريبا فهي متقاعسة نوعا ما عن الكتابة على غير العادة. اقترح عليك أن تفاجئها برسالة لأنها سوف تدخل السعادة إلى نفسها بدرجة كبيرة. انني أعتقد بأنك مشغول جدا ولكن ذلك ليس أمراً سيئاً. الجو بارد هنا وقد بدأ الناس بممارسة رياضة التزحلق. إنني أمشي كثيراً وبالقدر الذي أستطيعه وأتساءل ان كانت لديك أية فرصة للقيام بالتزحلق أيضا. تجد مع هذه الرسالة صورة لي ولكن إذا أرسلت خطابا الى الوطن فلا تذكر لهم ذلك لأنها كما تعرف مخصصة لعيد ميلاد والدي. لقد أرسلت لك تهانيّ من قبل بخصوص ذلك اليوم أبلغ تحياتي إلى العم والعمة وأيضا السيد شميدت وادوارد.

من الرسالة الثانية

عزيزي ثيو، لقد سعدت لقيامك بقراءة “ميتشليت” وبأنك تفهمه بشكل جيد. إن هذا النوع من الكتب يعلمنا أن الحب يمنحنا أكثر مما يظنه الناس عموما. لقد كان هذا الكتاب مصدر الهام لي.

إن المرأة مختلفة تماماً عن الرجل وهي كائن لم نتعرف عليه بعد، بل أننا نعرفها فقط من الخارج، كما قلت، وأنا متأكد من ذلك.

من الرسالة الخامسة

إن الاحساس حتى ولو كان احساسا عارماً بجمال الطبيعة لا يماثل أبدا الاحساس الديني على الرغم من اعتقادي أن كلاهما لهما علاقة مباشرة ببعضهما البعض. ان كلا منا تقريبا لديه نوع من الاحساس بالطبيعة فأحدهم قد يكون لديه احساس أكبر والاخر بشكل أقل وهكذا ولكن هناك القليلون الذين يشعرون بأن الخالق هو عبارة عن روح واولئك الذين يعبدونه يجب أن يعبدوه كروح وكحقيقة معا، ووالدينا هما من بين هؤلاء القلة وانا اعتقد ان العم فنسنت هو أيضا من بين هؤلاء.

هل تعرف بأنه قد كتب أن “الدنيا تنقضي وتنتهي لهفتنا عليها أيضا” وقد ورد ذكر عن “الجزء الطيب الذي سوف لن يؤخذ منا” وعن “بئر الماء الذي يتدفق عاليا في الحياة السرمدية” دعنا أيضا أن ندعو أن يزيد ايماننا بالله ولكن لا تفكر بشكل متعمق في هذه الأشياء لأنها سوف تتضح لك تدريجيا، وافعل مثلما اقترحت عليك. دعنا نطلب أن يكون دورنا في الحياة أن نصبح فقراء في مملكة الله…خدما لله. اننا مازلنا بعيدين عنه.. دعنا ندعو أن تصبح أعيننا منصبة عليه لكي يصبح جسدنا حينها ممتلئاً بالنور.

من الرسالة السادسة

عزيزي ثيو، ان الطريق ضيق لذلك يجب أن نكون حذرين. انك تعرف أن الاخرين قد وصلوا الى حيث نريد أن نصل، فدعنا نسلك ذلك الطريق السهل أيضا. صلي وأعمل ودعنا نقوم بعملنا اليومي، ما وجدت اليد ما تفعله، بكل قوتنا وطاقتنا، ودعنا نؤمن بأن الله سوف يمنحنا خيره وعطاياه الطيبة.

سوف أقوم بتدمير جميع كتبي من مؤلفات “ميتشليت” وغيره وأتمنى أن تقوم بنفس الشيء أيضاً. كم أنني مشتاق للكريسماس ولكن دعنا نتحلى بالصبر، فسوف يأتي قريبا جدا.

تحياتي بالشجاعة ياولد، مع تحياتي إلى جميع الاصدقاء، وصدقني.

من الرسالة السابعة

أرسل لك مرة أخرى بضع كلمات لأرفه بها عن نفسي. لقد نصحتك بتدمير كتبك وأقول ذلك الان، نعم.. افعل ذلك وسوف تشعر بالارتياح ولكن حذاري من أن تصبح ضيق الأفق وتخشى من قراءة ما كتب بشكل جيد، بل بالعكس فإن قيامك بذلك هو نوع من الراحة في الحياة. مهما كانت الاشياء حقيقية، مهما كانت صادقة، مهما كانت عادلة، مهما كانت نقية، مهما كانت جميلة، مهما كانت الأشياء ذا سمعة طيبة،اذا كانت تتميز بأي فضيلة او اذا كان بها ما يدعو للاطراء ففكر بهذه الأشياء.

ابحث عن النور والحرية ولا تفكر بعمق في الشر.

يتبع..

لمتابعة كاتب المقال على فيسبوك : Eslam M Essmat

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك