وأصبحت فعالُنا حجة على الإسلام ودعوته !

وأصبحت فعالُنا حجة على الإسلام ودعوته !

 

قال سيد البرية   ـ صلى الله عليه وسلم ـ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ يَسْمَعُ بِي أحد من هذه الأمة لا يَهُودِيٌّ، وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كانَ مِنْ أَصْحَابِ النار” رواه الإمام مسلم.

ومعنى السماع به صلى الله عليه وسلم الوارد في الحديث هو العلم برسالته الشريفة، وبلوغ خبر إرساله لمن لم يؤمن به .

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن : هل سمع غير المسلمين في عصرنا المشؤوم بالنبي محمد  ـ صلى الله عليه وسلم ـ حقيقةً ،هذا النبي نبي الرحمة ، نبي العدل ، نبي الحكمة والموعظة الحسنة ، نبي الأخلاق النبيلة المدهش، نبي الإنسانية ،
أو انطبعت صورة في أذهان هؤلاء من غير المسلمين من أفعالنا المشينة وخلافتنا المرذولة وحروبنا الممدودة لبعضنا البعض عن نبي آخر؟!!!
 إن تلك الصورة التي شوهنا بها تعاليم نبينا حتى أصبحت صورته غير الصورة الحقيقة التي هو عليها ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عقول هؤلاء تجعل من حق غير المسلم أن يتردد حتى ولو لمرة قبل الدخول في الإسلام ،

وعلى ذلك أظن أن غير المسلمين لم يسمعوا عن هذا النبي الأعظم حقيقةً، ويجب على العقلاء أن يترددوا في القول بأن الحجة  قد قامت عليهم ،وفي الوقت نفسه متيقن من أن الحجة قد قامت علينا نحن ـ المسلمين ـ ولن يحمل أوزار هؤلاء إلا نحن!!

إن مسلمي اليوم وضعوا الإسلام في ورطة كبيرة في مشارق الأرض ومغاربها ،وأصبحوا عبئًا ثقيلًا عليه ووقفوا في طريق تحقيق عالمية الإسلام كدين عالمي،

وأرى لذلك : أن الذين يرفضون قبول الإسلام من غير المسلمين في العالم المعاصر اليوم كدين هم معذورون لا شك.

ولا يبعد القول بأن أمثال هؤلاء الذين وصلتهم رسالة الإسلام التي شوهنا مبادئها قولا وعملا إلى هذا الحد الوضيع  أنهم سيعاملون معاملة أهل الفترة ؛فيمتحنون في الآخرة ، لأن الله ـ تعالى ـ قال {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا }سورة الإسراء الآية 15.

يقول المفسرون : ظاهر هذه الآية الكريمة : أن الله جل وعلا لا يعذب أحدا من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة . حتى يبعث إليه رسولا ينذره ويحذره ، فيعصى ذلك الرسول ، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار . 

فإذا كنا نحن رسل الإسلام اليوم وهذا هو حالنا ؛فنحن بحق رسل سوء ،وحق لمن رأى حالنا المشين أن ينفر من رسالتنا ،بل ويبادرنا بأعتى أنواع  الهجوم.

ولن يتحمل تبعات كفر هؤلاء الذين نفروا من الإسلام ونصبوا له العداء جهارًا إلا نحن ـ مسلمي اليوم، ومهما بدت أسباب ما نحن فيه مقنعة لنا .

لقد كانت أخلاق المعلم الأول في هذا الدين النبي صلى الله عليه وسلم  ـ وهي النموذج الأعلى للإنسانية والدعوة بالأخلاق الحسنة والعمل الصالح ـ سببًا في دخول الكثيرين من أعتى كفار قريش إلى هذا الدين وكانت سببا في استمرار دولة الإسلام قائمة على أصولها.

يذكر التاريخ أن كثيرًا من غير المسلمين أفرادًا وجماعاتٍ انبهروا بالأخلاق العملية لهذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم، فكانت تلك الأخلاق العملية العظيمة سببًا في إسلام كثير منهم ، فها هو ملك عُمَان المعاصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الجُلَنْدى؛ الذي انبهر بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: “والله لقد دلَّني على هذا النبيِّ الأُمِّيِّ أنه لا يأْمُرُ بخير إلاَّ كان أوَّل آخذ به، ولا يَنْهَى عن شيء إلاَّ كان أوَّل تارك له، وأنه يَغْلب فلا يبطر، ويُغلب فلا يضجر، ويفي بالعهد، وينجز الموعود، وأشهد أنه نبي ” انظر: الشفاء بأحوال المصطفى للقاضي عياض 1 /155.

 إن هذا التطابق والامتزاج بين الأقوال والأفعال هو سر هذا الانبهار ،وتلك هي الدعوة  القدوة الحسنة .

وإن ذلك هو الذي دفع  الشاعر الألماني الكبير يوهان فولفغانغ غوته (1749م-1832م) للقول  “بحثتُ في التاريخ عن مَثَلٍ أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم .

وقد فهم الرعيل الأول ممن حملوا مشاعل تلك الدعوة هذا الجوهر فبدأوا يجعلون أنفسهم عنوانا لرسالة الإسلام الحق ،فمن كان يريد أن يرى حقيقة الإسلام وجوهره ما عليه إلا أن ينظر إلى هؤلاء الرجال في علاقاتهم مع الحياة والأحياء ؛فيرى الصورة النموذجية للإنسان الذي ارتقى بأخلاقه وعمله الصالح أعلى درجات السمو الإنساني ،فما كان ممن يرى هذا النموذج الحق إلا التسليم بأن هذا الدين حقًا صالح لأن ينقذ النفس البشرية من انهيارها الأخلاقي والديني .

حقًا إن الذين أسلموا قديما كانت تغريهم أخلاق أهل الإسلام ؛فيدخلون في دين الله أفواجًا ،وإن التاريخ ليشهد أن الإسلام انتشر في إفريقيا لا بسبب تكثيف عدد الدعاة ،إنما انتشر بسبب أخلاق التجار المسلمين وما كانوا عليه من رقي وحضارة ؛ فمثلوا الإسلام  الحقيقي بذلك أفضل تمثيل وأصبحوا سفراء جديرين بتلك المهمة العظيمة التي كلفوا بها من قبل الخالق سبحانه وتعالى .

هؤلاء فهموا أن الإسلام أقول ممزوجة بأفعال لا يمكن فصلهما بحال من قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا }  سورة الكهف الآية 107. لقد فهموا من هذه الآية  وغيرها أنه لا إيمان حقيقي بلا عمل ،وأن الإيمان وحده غير كافٍ لينال الإنسان رضا الله تعالى ،فانطلقوا في الأرض ضاربين في طولها وعرضها يعمرون الأرض ويصلحون ما فسد فيها ويبنون نموذجًا أخلاقيا وحضاريا  فريدا صالحا لمضرب المثل إلى يوم يبعثون.

ولقد فهم هؤلاء أيضا أن الأرض وعمارتها وتحقيق السيادة والعزة فيها مرهون بابتغاء الوسيلة إلى الله فيها باتباع السنن الكونية وحسن التعامل معها من قوله تعالى { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } سورة الأنبياء الآية 105 ، لقد فهموا من هذه الآية أن بناء الحضارة والتمكين في الأرض  ليس مرهونا بالإيمان ،إنما مرهون بالأخذ بأسباب بناء الحضارة وتشيدها واحترام تلك السنن الكونية التي جاد الكون بها على بني البشر؛ فأصبحوا بناة حضارة حقيقيين.

حتى إن هؤلاء  المسلمين الأوائل في حروبهم الدفاعية ضد عدوان المعتدين ضربوا أرقى الأمثلة فيما يجب أن تكون عليه القيم والأخلاق وأسست تلك الحروب لقوانين دولية أخلاقية لم يكن لها أثر من قبل يتعامل بها الخصم المنتصر مع الخصم المهزوم ، حتى إن تلك القواعد الأخلاقية المدهشة أبهرت العالم وكانت سببا في دخول آلاف من غير المسلمين إلى الإسلام طائعين محبين ،ولكن ما هو المثل الذي ضربناه نحن اليوم للعالم ؟!

هنا يمكننا أن نقول إن غير المسلمين الذين رأوا هذه النماذج الإنسانية العليا ومثلوا الإسلام خير تمثيل ولم يكلفوا أنفسهم  عناء البحث عن هذا الدين الذي خلق هذه النماذج المشرفة وكفروا بهذا الدين ظلما وعدوانا قد قامت عليه الحجة ولا ريب .

أما الآن فلا يمكن لعاقل أن يقول إن غير المسلمين قد قامت عليهم الحجة  ويستحقون خلودًا في النار بسبب كفرهم ،فإذا كانت تلك الصور المشرفة للإنسان الذي شكلها نبيه صلى الله عليه وسلم وأتباعه الأولون  هي التي أغرت غير  المسلمين أن يعتنفوا هذا الدين في سالف الأزمان ،فما الذي يغريهم الآن ؟!

هل تغريهم تلك الصورة المشوه للمسلم الذي أصبحت ألوانها التي شكلت طباعتها الكذب والغدر والخيانة  والتشفي والدماء ؟!!

هل يغريهم حال أمة أصبح أسوأ حال انحدرت فيه أمة عبر التاريخ ؟!
 هل يغريهم ذلك الجهل والمرض والاستبداد الذي يرتع فيه المسلمون ؟!

هل يغريهم دين انقسم أهله إلى سنة وشيعة يكفر بعضهم بعضا ويستحلون دماء بعضهم بعض ؟!

وهل لو دخل غير المسلم الإسلام فإلى أي طائفة ينتمي منهما وهو كافر لا محالة في نظر إحدى الطائفتين على كل حال ؟!

ومن الذي يضمن له عصمة دمه وماله وعرضه إذا مال إلى إحدى الطائفتين ؟!

لقد انطفأ مشعل هذا الدين وبهت بريقه بالأفعال المخزية  لمنتسبيه ،وأصبحت بلاد العرب والمسلمين علمًا وعنوانًا على الفقر والدماء والتخلف والرجعية والفساد !

لقد كانت دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلام دعوة للخلاص من كل أنواع الظلم والقهر والاستبداد والفساد ، ولقد عاين الناس في دولة الإسلام في المدينة المنورة وعصر الخلفاء الراشدين تلك المبادئ معاينة الناقد البصير ؛فجاءت الوفود طائعة مؤمنة بمبادئ هذا الإسلام والتزمت تعاليمه ؛أما الآن ـ فمع الأسف ـ فدول الإسلام هي مرتع للظلم والقهر والاستبداد والفساد ،فما الذي يغري إنسانًا عاقلا بأن يدخل دينًا هؤلاء ممثلوه ؟!

إن الحق ناصع لا يحتاج إلى تفصيل بيان ولا مزيد برهان: إن غير المسلمين ممن لم يؤمنوا بهذا الدين مواقفهم من أتباع هذا الدين ـ بكل تجرد وموضوعية ـ  مبررة بسبب هذا الخزي الذي  حمّلَه لهذا الدين أتباعُه المزيفون .

وإن الحق أيضًا الذي ينطق به العقل الراجح والدليل الظاهر هو الذي يدعونا وفورًا لأن نتوقف عن إلقاء اصطلاح الكفر والكفار على أمثال هؤلاء؛ حتى تقوم عليه الحجة الناصعة على هؤلاء وأن نبدأ تقيم أنفسنا وإصلاح النموذج الإنساني فينا المستوي على مواقد الإيمان الحقيقي وليس الإيمان الزائف القائم على الأقوال المفرغ من الأفعال؛ حتى يمكن أن نكون قائمين بالقسط في دين الله تعالى ونكون خير رسلٍ لهذا الدين.

ومما هو جدير بالملاحظة أن الأصل أن يفصل العاقلُ بين عدالة النظرية وسوء التطبيق ؛فيفصل الإنسان بين جوهر الإسلام وما عليه سلوك أتباعه .

إلا أن الواقع يشهد بأن حجة الإسلام اليوم  أصبحت مرتبطة  في أذهان العالمين بما نحن عليه من تقدم ورقي ،لقد انقضى عهد الدليل النظري الخالي من البرهان العملي على صدق الأقوال ،لم يعد العالم ينظر إلى الدليل العقلي وحده على أنه كافٍ لإثبات حق أو إبطال باطل ،بل يجب أن يقترن به واقع يتفاعل مع الدليل؛ فيكون خير شاهد وبيان .

فلو أردنا  حقيقة نصرة هذا الدين وأن يكون الإسلام حجة على العالمين حقيقة  ونبرأ من أوزار جحود المنكرين ؛يجب علينا أن نضرب المثل الأعلى للإنسان الذي صوره الإسلام حقيقة أقولا وفعالا ، وأن نسهم في بناء حضارة إنسانية ذات صبغة إسلامية تكون عنونا للعدل والحق والحرية ؛وإن لم نفعل ؛فقد حُملنا أوزارنا وأوزارا مع أوزارنا ،والصمت هنا يليق بنا .

 
 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك