مأساة الحل الوسط – جمال حمدان

المأساة الحقيقية في ذلك أن مصر لا تأخذ في وجه هذه الأزمات الحل الجذري الراديكالي قط، وإنما الحل الوسط المعتدل، أى المهدئات والمسكنات المؤقتة، والنتيجة أن الأزمة تتفاقم وتتراكم أكثر، ولكن مرة أخرى تهرب مصر من الحل الجذري إلي حل وسط جديد، وهكذا.
بعبارة أخرى، مأساة مصر في هذه النظرية هى الاعتدال، فلا تنهار قط، ولا هي تثور أبداً، ولا هى تموت أبداً، ولا هى تعيش تماماً، إنما هى فى وجه الأزمات والضربات المتلاحقة تظل فقط تنحدر وتتدهور، تطفو وتتعثر، دون حسم أو مواجهة حاسمة تقطع الموت بالحياة أو حتي الحياة بالموت، منزلقة أثناء هذا كله من القوة إلي الضعف ومن الصحة إلي المرض ومن الكيف إلي الكم، وأخيراً من القمة إلي القاع.

غير أن النتيجة النهائية لهذا الانحسار المستمر المساوم أبداً وصفقات التراجع إلي ما لا نهاية، هي أننا سنصل يوماً ما إلي نقطة الانكسار بعد الالتواء، وبدل المرونة سيحدث التصادم، ومحل المهدئات ستحل الجراحة، أي سنصل إلي نقطة اللاعودة إلي الحل الوسط، وعندئذ سيفرض الحل الجذري الراديكالي نفسه فرضاً، ولكن بعد أن يكون المستوي العام قد تدني إلي الحضيض، والكيف قد تدهور إلي مجرد كم، والمجد إلي محض تاريخ، وذلك هو الثمن الفادح للاعتدال.

إن ما تحتاجه مصر أساسا إنما هو ثورة نفسية، بمعني ثورة علي نفسها أولا، وعلي نفسيتها ثانيا، أي تغيير جذري في العقلية والمثل وأيديولوجية الحياة، قبل أي تغيير حقيقي في حياتها وكيانها ومصيرها. ثورة في الشخصية المصرية وعلي الشخصية المصرية، ذلك هو الشرط المسبق لتغيير شخصية مصر وكيان مصر ومستقبل مصر.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك