الآراء المتناقضة حول عصر التنوير

الآراء المتناقضة حول عصر التنوير – د. أشرف منصور 

كان عصر التنوير الأوروبي، الذي يمتد من أواخر القرن السابع عشر وإلى نهاية القرن الثامن عشر، مثار نزاعات كثيرة بين المفكرين والمؤرخين، وشمل هذا النزاع كذلك أدباء وعلماء من كافة أفرع العلوم الإنسانية. فلم يكن هناك عصر مثله أثار آراء متناقضة أشد التناقض، والسبب في ذلك أنه كان عصراً محورياً مؤسساً لما بعده؛ وبالتالي نظر إليه المفكرون الذين يركزون على التقدم الذي حدث بعده على أنه كان أساس هذا التقدم، ونظر إليه المفكرون الذين أبرزوا كل الشرور والسلبيات التي ظهرت في الحضارة الغربية من بعده على أنه هو أيضاً أساسها

كان عصر التنوير هو عصر العقل والعقلانية، وعصر النقد، نقد السلطة ونقد التراث والمؤسسة الدينية، نقد الثقافة والمجتمع. كما كان عصر التأسيس الفكري للقيم والمبادئ التي قامت عليها الثورات اللاحقة في كل مكان، وأهمها الثورة الفرنسية. وقد وضع مفكرو عصر التنوير كل شيء محل النقد، وقاموا بمساءلة كل المسلمات التي ارتكنت إليها الإنسانية طويلاً، ومنها قدرات العقل البشري نفسه على التوسع والامتداد، ليستطيع استيعاب الطبيعة كلها ويفهم قوانينها ويصيغ هذه القوانين في لغة العقل، وهي لغة رياضية برهانية؛ ولما كان العقل يستطيع حسب عقيدة عصر التنوير استيعاب الطبيعة وقانونها وصياغة هذا القانون بلغة العقل، وفك ألغاز وغوامض الظواهر الطبيعية، فهو يمكنه التوسع والامتداد إلى التفكير في السياسة والدين والمجتمع، ومُساءلة شرعية السلطات القائمة، والتفكير في مبرر وجود المؤسسات الدينية، ومدى مصداقية الأديان التاريخية، وحقيقة إيمان المذاهب والطوائف الدينية المختلفة، وسبب وجود التراتبات الاجتماعية القائمة آنذاك على امتيازات طبقية وعلى هيمنة الطبقة الأرستقراطية اجتماعياً وسياسياً، ومدى شرعية الحكم الملكي المطلق. وعندما رفض مفكرو عصر التنوير النظم السياسية والدينية والاجتماعية القائمة، أسسوا لقيم جديدة، وهي المساواة والحرية والعدالة والعقلانية، وأصروا على ضرورة إعادة بناء المجتمع والسياسية على أساس هذه القيم، ومنها ظهرت أفكار الدين الطبيعي ومبادئ الحكم الجمهوري وقيم العدالة الاجتماعية والمساواة، والتي كان لها أبلغ الأثر في الثورة الفرنسية.

ولكن لم يكن عصر التنوير محل اتفاق بين كل المفكرين، سواء أثناء ذلك العصر نفسه أو بعده، على الرغم مما يبدو على القيم والمبادئ التي دعا إليها من طابع كلي مطلق وإنساني عام. فلم ينظر الكثير من المفكرين التالين إلى عصر التنوير على أنه ذلك العصر الذهبي المؤسس لكل ما ظهر بعده من تقدم وازدهار، بل حمَّلوه كل الشرور والمثالب التي أتت لاحقة له. ومن أهم الفلاسفة الذين نقدوا عصر التنوير من الجيل التالي مباشرة، الفيلسوف الألماني الشهير هيجل (1770 – 1831). قدم هيجل أول نقد سياسي وأيديولوجي من منظور فلسفي لعصر التنوير في كتابه “فينومينولوجيا الروح” سنة 1807. ففي هذا الكتاب وضع هيجل فصلاً في غاية الدلالة عنوانه “الحرية المطلقة والإرهاب”، وذهب فيه إلى أن الأفكار المجردة التي دعا إليها عصر التنوير، وعندما وضعها الثوار موضع التطبيق المباشر في شكل ثورة سياسية، أدى ذلك إلى الفوضى التامة والانهيار الاجتماعي والسياسي، مما نتج عنه ما يسمى بعصر الإرهاب في الثورة الفرنسية، حيث انقلب الثوار على بعضهم وحرقت الثورة أبناءها. والذي أكد عليه هيجل في تحليلاته أن القيم والمبادئ المجردة يمكن أن تتحول بسهولة إلى نقيضها، وذلك بسبب تجريديتها العالية هذه وطابعها الإطلاقي؛ فالحرية المطلقة تنقلب إلى فوضى، وذلك من جراء الاعتقاد في أن هذه الحرية غير مقيدة وبالتالي تصير منفلتة، وتصبح هي حرية الأفراد في أن يفعلوا ما يشاؤون.

وقد ذهبت طائفة من نقاد عصر التنوير إلى أن المساواة المطلقة تنقلب إلى تعميم الفقر، ومبدأ السيادة الشعبية يتحول إلى الديكتاتورية نظراً لأن الشعب غير المحكوم بأي ضوابط وغير القابل لتأسيس سلطة جديدة في حاجة إلى ديكتاتور يسيطر عليه ويقضي على حالة الفوضى. وينطوي مبدأ السيادة الشعبية في ذاته على بذور الديكتاتورية كما ذهب المفكر السياسي الفرنسي بنجامين كونستان (1767 – 1830)، ذلك لأن الاعتقاد في أن الشعب هو مصدر كل السلطات وصاحب الحق في أن يتصرف فيها كما يشاء، يؤدي حسب كونستان إلى الحق في أن يمنح الشعب كل هذه السلطات إلى شخص واحد يمثله، وبذلك يصنع الشعب ديكتاتوراً. كما أن مبدأ العدالة ومبدأ المساواة حسب الفيلسوف الفرنسي أليكسي دي توكفيل (1805 – 1859) في كتابه “النظام القديم والثورة الفرنسية” قد تحولا إلى نقيضهما بعد أن عملا على تدمير النظام الاجتماعي القائم والقضاء على الطبقات القديمة والتي كانت تُحدث شيئاً من التوازن في المجتمع، وذلك دون أن تتمكن القيم التنويرية القديمة من تأسيس نظام سياسي واجتماعي جديد ومستقر. وإلى نفس هذا الرأي ذهب جوستاف لوبون (1841 – 1931) في كتابه “روح الثورات والثورة الفرنسية”، حيث حمَّل مسؤولية الفوضى التي أثارتها الثورة على عاتق فلاسفة التنوير الذي عملوا على تهييج الناس ورفع سقف توقعاتهم إلى خارج ما هو متاح تحقيقه. والحقيقة أن جزءاً كبيراً من النقد المبكر الموجه لعصر التنوير قد أتى من الفكر المحافظ والرجعي المعادي للثورة الفرنسية.

والكشف عن انقلاب القيم التنويرية إلى عكس ما كانت تنادي به هو التحليل الجدلي لعصر التنوير، والذي يطلق عليه أعضاء مدرسة فرانكفورت في النقد الثقافي، خاصة تيودور أدورنو (1903 – 1969) وماكس هوركهايمر (1895 – 1973)، مصطلح “جدل التنوير” Dialectic of Enlightenment وهو عنوان الكتاب الذي أصدراه سنة 1944. والكتاب عبارة عن رؤية نقدية لتاريخ الحضارة الغربية، بالتركيز على عصر التنوير وتبعاته السياسية والأيديولوجية، وتسوده فكرة أساسية، وهي أن قيمة العقل التي دعا إليها عصر التنوير انقلبت إلى ضدها، إذ تحولت العقلانية من الرشادة في تنظيم حياة الفرد والمجتمع والسياسة، إلى أداة للسيطرة على الفرد والمجتمع بيروقراطياً وتكنولوجياً. فالعقلانية حسب أدورنو وهوركهايمر تحولت إلى عقلانية أداتية تهدف الوصول إلى غايات نفعية، وبعد أن كان العقل وسيلة للتحرر صار أداة للهيمنة. وبذلك كشفا عن الجدل المتضمن في تصور عصر التنوير للعقل: العقل كمبادئ كلية عليا، والعقل كسيطرة وتحكم. ومنشأ هذا الجدل أن الإنسانية كلما توصلت إلى وسيلة للتحرر، انقلب هذه الوسيلة بفعل الجدل التاريخي إلى وسيلة للهيمنة. والملفت للنظر في نقد أدورنو وهوركهايمر للتنوير أنه صادر من عَلَمين من أعلام الماركسية الجديدة واليسار الثقافي الجديد، وقد كان من المفترض وفق توجهاتهما الفكرية والأيديولوجية أن يكونا من مناصري أفكار عصر التنوير الذي كانت الاشتراكية إحدى ثمارها. لكن الذي حدث لهما أنهما بعد ما تعرضت له أوروبا من كوارث في الحربين العالميتين فقدا الثقة في أي أفكار ومبادئ مطلقة وانقلبا عليها وحملوها مسؤولية الحروب وتبعاتها من فاشية ونازية وعنصرية.

ويجب علينا الانتباه إلى أن نقد عصر التنوير قد جاء من قبل مفكرين مختلفين تماماً عن بعضم. فقد رأينا كيف أن النقد المبكر لعصر التنوير جاء من مفكرين باتجاهات محافظة ورجعية (كونستان، دي توكفيل، لوبون) وجاء أيضاً من مفكرين يساريين أو ماركسيين. وهذا لا يدل في نظري على اتفاق ما حول إنكار عصر التنوير ورفضه بقدر ما يدل على نفور حديث من القيم المطلقة والمبادئ الكلية المجردة إذا ما وُضِعت في التطبيق العملي؛ هذا هو النفور الذي يجمع مفكرين من خلفيات أيديولوجية معاكسة لبعضها البعض، ويعبر عن مزاج عقلي نشأ بعد عصر العلم، لا يثق في المطلقات والمجردات. وقد كان عصر التنوير هو عصر المطلقات والمجردات بامتياز. لكنه كان مضطراً للدفاع عن القيم والمبادئ الجديدة في صورة مطلقة ومجردة لأن السياق التاريخي الذي كان يعيشه كان في حاجة إلى طريقة الدفاع هذه بالذات، لمواجهة مطلقات ومجردات قديمة احتكرتها السلطة الملكية والمؤسسة الدينية.

المصدر: مصر المحروسة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك