سجائر رخيصة – قصة قصيرة

سجائر رخيصة – قصة قصيرة

 

مقربا السيجارة الى جبينه، كان يصيخ السمع الى الصوت الخافت لطقطقة التبغ وهو يحترق. يلمح بعينيه طرف السيجارة المشتعل الآخذ في التآكل، مصّاعدا منه خيط رفيع من الدخان الأزرق ينتهي بدوائر لولبية الى سحب في الهواء. يسحب الدخان من فلتر سيجارته، يمتص النيكوتين، ثم ينفث الدخان مرة اخرى من أنفه. يقوم بهذه السلسلة من الحركات عشرات المرات يومياً. نصحه زملاؤه بالابتعاد عن التدخين، ونصحه ما يمكن أن نسميهم المقربين بالتخفيف منه، لانهم يعلمون جيدا ان مسألة الانصراف عن التدخين نهائيا غير واردة في مخيلته. ولكنه لا يهتم اطلاقا – ككل شيء في حياته – برأيهم جميعا. لقد صارت اللا مبالاة اسلوبه في التواصل مع العالم. وباستثناء بعض اللحظات القليلة التي تتخلل يومه في العمل، لا يركز على شيء تماما، وكأنه يحيا بنصف وعي. هو لا يعرف بالضبط كيف وصل الى هذه الحالة من التخلي عن كل شيء تقريبا.

بالطبع كانت له أحلام وطموحات في احدى الأيام، ولكن تكرار الصدمات والانتكاسات واحدة تلو الاخرى أفقده القدرة على الشعور بالانفعال، وبعد عدة أحداث – هو لم يعد يذكرها بالتفصيل –  انصرف عن الحياة وصار يعيش بنصف وعيه. فهل يمكن أن تؤدي الانهيارات الى الحكمة؟ الى الزهد الحقيقي؟

أطفأ عقب سيجارته المتآكل البائس في المنفضة مزاحما اعقاب سجائره الرخيصة، وأسند ذراعه الى نافذة المقهى، – هذا المقهى الفقير المنزوي الذي يستقطب العاطلين والكسالى والهاربين من الحياة، الذين فقدوا فرصة الوجود بشكل لائق، والذين يضنون في سبيل مجاراة اللحظات التي تعبر بهم نحو لحظات جديدة اخرى في مدار زمني لا يؤدي الى شيء ولا يعطيهم شيئا سوى قضاء مزيد من الوقت في قصة لم يختاروها من البداية. فهؤلاء هم الجانب الآخر من المعادلة، الذين هم موجودون هنا في القصة لاستغلالهم في اكمال مشهد من بطولة غيرهم، فوجودهم ليس له قيمة سوى لغرض معادلة تصب في صالح الجانب المقابل لجانبهم، ان وجودهم فقط  هو ما يعطي قيمة المعادلة، أما ذواتهم فلا قيمة لها، هم الشخوص الثانوية المتواجدون لرغبة من قبل كاتب القصة، لا أكثر.

بعد مرور القليل من اللحظات، راح يراقب قطة تترصد يمامة هبطت تقضي حاجتها من الجوع على جانب الطريق، ثم شرد في اللا شيء وغاب للحظات عن الوعي بالاشياء. في تلك اللحظة عبرت من أمام المقهى حسناء فاتنة، فسرى جو من الجلبة داخل المقهى، جميع من يجلس بمواجهة الشارع أخذ يتابع تلك الحسناء تعبر مفتتنين بجمالها وحسنها، أخرجه من سهوه و لفت انتباهه هذه الجلبة التي دهمت المقهى فجأة وهذا الكم من الانظار الموجهة نحو الشارع فأثير بداخله شيء من فضول، وأدار وجهه نحو الشيء الجاذب للانظار حتى رآها، كانت أنثى قادرة على أن تنسف قواعد لا مبالاته، فأخذ بجمالها للحظات، ثم تأمل تفاصيلها، ملامحها الجميلة الهادئة، بشرتها البيضاء المائلة للحمرة، شعرها حالك السواد المنسدل على كتفيها ثائرا على الدنيا، جسمها اللدن، نهداها البارزان المستديران، ردفاها يهتزان كقطعة الجيلي، وساقيها الناعمتان، كانت حسناء تملك جاذبية لا يمكن لأعتى الرهبان مقاومتها، ظل مفتونا بتفاصيلها وأنوثتها وجمالها وهي تعبر الشارع، الى أن وقفت أمام أحدهم، كان شابا ثلاثينيا، ممشوق القامة، وعضلاته لم تكن ضخمة ولم تكن صغيرة كانت متسقة مع جسمه، وكان وسيم الملامح، يرتدي بذلة أنيقة، وعيناه متقدتان بالثقة. وقفا يتبادلان الحديث لثوانٍ مبتسمين ، ثم أخرج الثلاثيني من جيبه علبة صغيرة واخرج منها خاتما ووضعه في إصبعها، واستدارا سائرين الى أن وصلا إلى سيارة فارهة، فتح لها باب السيارة واستدار يتولى القيادة. وبأزيز صارخ انطلقت السيارة مندفعة فجأة مثيرة غبار الشارع في وجه كل من كانوا يراقبونهما في المقهى الصغير.

 أدار رأسه مرة اخرى عن الشارع الى طاولته، ابتسم ابتسامة بلهاء، أخرج سيجارة جديدة – كانت اخر سيجارة في العلبة التي بحوزته – أشعلها وأخذ يعيد تكرار عملية التدخين، مقربا السيجارة الى جبينه ، منصتا لصوت طقطقة التبغ وهو يحترق.

نهاية

لمتابعة الكاتب على فيسبوكEslam M Essmat

 الصورة لـ Edward Hopper

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك