هل أمر عمر بن الخطاب عمرو بن العاص بحرق مكتبة الأسكندرية ؟- بقلم: سامح عبد الله

فى الحقيقية أن فتح مصر على يد عمر بن العاص وفى خلافة عمر بن الخطاب يطرح علينا عدة تساؤلات لا بد أن نقبل مناقشتها بهدوء وأن نجد إجابات لها أو نحاول تتسق مع الموضوعية والحيادية ودون أى تأثير بعاطفة حتى ولو كانت عاطفة مستمدة من الدين نفسه.

ففتح مصر مازال حتى اليوم حدثاً لا يبتعد عنه الجدل كثيراً ومن غير الإنصاف ألا نطرح وجهات النظر جميعها بخصوص هذا الشأن

ومن دون حرج فإن أكثر ما يقال بشأن هذا الفتح أمرين :

هل كان فتحاً سلمياً أم غزواً حربياً ؟

وهل قام عمرو بن العاص حقاً بحرق مكتبة الأسكندرية أم أن هذه كذبة كبرى فى التاريخ؟

فإذا أتينا إلي الأمر الثانى وهو الخاص بحرق مكتبة الأسكندرية ( مع إرجاء طرح الأول لاحقاً) نجدى أنه ليس هناك مايشير إلى تلك الحادثة إلا نص لابن القفطى ينقله أبن العبري يقول فيه أن شخصاً اشتهر بين الإسلاميين يدعى يحي النحوي وكان اسكندرياً وعاش إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية دخل على عمرو بن العاص وقد عرف عمرو قدره وشغفه بالعلوم فأكرمه عمرو وسمع منه ألفاظاً فلسفية مما لا عهد للسان عربى بها وعندما سأله عمرو عن ما يريده طلب منه الرجل كما تقول الرواية أربعة وخمسون ألفاً ومائة وعشرون كتاباً موضوعة فى الخزائن الملوكية فاستكثر عمرو ذلك وقال: لا يمكننى أن آمر بأمر إلا بعد استئذان أمير المؤمنين.

وكتب عمرو إلى إمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المدينة وأخبره بما حدث بشأن طالب الكتب المذكورة .
فورد كتاب عمر يقول: أما الكتب التى ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنها غنى وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة اليها، فتقدم واعدمها ،فشرع عمرو بن العاص فى توزيعها على حمامات الإسكندرية وأحراقها فى مواقد.

هذه هى الرواية التى يمكن أن يستند إليها أصحاب الرأى القائل بأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمر عمرو بن العاص بحرق مكتبة الأسكندرية.

والحقيقة كما قلنا أننا سنفند تلك الرواية غير معتنقين رأياً مبدئياً يتعارض مع الحكم الموضوعي على الأشياء ونقول الآتي :

أولاً: لا يوجد ما يؤيد تلك الرواية ولا يوجد أي اسناد يرجحها وهى لا تخرج عن كونها افتراضات لأصحابها ولم يذكرها مثلا الطبري ولا ابن خلدون أو غيرهم من المؤرخين أو كُتاب التاريخ بما يقطع التواتر عنها ويضعف حجتها.

ثانياً: إذا وجدت تلك المكتبة حقاً فيمكن القول أن الرومان الذين غادروا الإسكندرية كان بإمكانهم اخراجها معهم لاسيما إن كانت تلك الكتب تحمل أفكارهم بلغاتهم ، فما هو المبرر فى تركها فى يد العرب وهم مختلفوا الثقافة واللغة وما الذى يحول بينهم وبين ذلك ؟!

ثالثاً : كان بامكان عمرو بن العاص القاؤها فى البحر والتخلص منها فى فترة زمنية قصيرة بدلاً من إحراقها الذي استغرق سته أشهر مما يكشف زيف الرواية وعدم صدقها.

رابعاً: السوابق التاريخية تقول لنا أن المسلمون عند فتوحاتهم أو لمن يشأ عند غزواتهم لم يُذكر عنهم الحرق أو الهدم وربما كانت المرة الأولى والأخيرة هى التى قام فيها المسلمون بهدم الأصنام من محيط الكعبة عند فتح مكة ولم يُذكر سابقة أخرى تتعلق بهدم أو حرق غير ذلك.

خامساً: عند الحديث عن فتح بيت المقدس سنرى كيف أن أمير المؤمنين عمر قد أعطى سكانها من المسيحيين الآمان على كنائسهم وصلبانهم ورفض كما نعلم أن يصلى بكنيسة القيامة بعدما أعطاه البطريرك مفاتيحها حتى لا يقول المسلمون من بعده هنا صلى عمر فى إشارة واضحة إلى تعددية راسخة فى فكر الرجل تحول بينه وبين أن يأمر قائد فى جيشه أن يحرق ولو كتاباً واحداً.

سادساً :كان بالاسكندرية أسقف للقبط يقال له أبو بنيامين وكان هارباً فى الصحراء بسبب الاضطهاد المذهبي الذي تعرض له الأقباط على أيدي الرومان المسيحيين فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص إلى مصر كتب إلى القبط يعلمهم أنه لا تكون للروم دولة ويأمرهم باستقبال عمرو. وقد رُوى بعد ذلك أن أقباط مصر قد أخبروا عمر بن العاص بقصة الأب بنيامين المجاهد وكيف أنه عاش طريداً لقاء الحفاظ على مذهبه العقائدي وأن عمرو أمر بأن يعود الأب إلى موطنه بالأسكندرية وبالفعل قد عاد بعد ثلاث عشر سنة هائماً فى الصحراء. ولما رآه عمرو أكرمه وقال لأصحابه طبقاً لرواية ” إن فى جميع الكور التى ملكناها إلى الآن ما رأيت رجلاً يشبه هذا الرجل بحسن منظره وسكونه ووقاره “. الأمر الذي يمكن أن نستنبط منه أن تسامح المسلمون عند فتح مصر لا يمكن أن يُتصور معه أن يأتون فعلاً مثلما فعله المغول عند غزو العراق .

سابعا: أنه لا دليل قطعي من الأساس على وجود هذه المكتبة بالصورة التى ينقلها البعض فليست هناك أية آثار دالة على ذلك.

هذه ردود موضوعية أو أحسبها كذلك يمكن أن نرجح معها عدم صحة رواية حرق مكتبة الأسكندرية تاركين الجدل والنقاش بشأن هذا الأمر متاحين لكل صاحب حجة أو رأى.

أما بشأن وصف هذا الفتح وما إذا كان يصدق عليه وصف الغزو من عدمه فموضوعه الحديث المقبل.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك