ماذا قدمت الأديان للانسان ؟

ماذا قدمت الأديان للانسان ؟

 

دائما عندما تخاض الصراعات الفكرية والاحاديث حول الأديان فإنها تدور حول صحتها أو بطلانها، ولكن قليلا ما يتم تناول فكرة الاديان من الناحية العملية، ربما لما تفرضه طبيعة تلك المواضيع من طابع قدسي ومثالي. أو ربما لأن ايادٍ خفية تحاول دائماً الحفاظ على دفع موضوع الدين في الطريق الدوغمائي الذي يستهلك الكثير من الطاقات الذهنية والعقلية دون الوصول لنتيجة نهائية، وليس الدفع في الطريق الذي يساعد على تناول موضوع الدين بحيث يؤدي الى افكار تساعد على تقدم البشر، او بالأحرى، تساعد على تقدم كل البشر!

 ولكن بعيداً عن صحة الأديان من عدم صحتها، دعونتا نتناول قضية الاديان من الجانب العملي، سواء كانت صحيحة وأنها جاءت من مصدر واحد وتم تحريفها، او كانت جميعها باطلة وليست سوى اختراع بشري، او كان من بينها ما هو صحيح مع بطلان البقية، فبعيداً عن كل ذلك دعونا نطرح هذا السؤال : ماذا قدمت الأديان للانسان؟

بالرجوع الى تاريخ الأديان لن نجد ما يسر وجهة النظر الدينية، فعلى مدار التاريخ تم استخدام الأديان لتحقيق أهداف عسكرية او سياسية او شخصية او حزبية عن طريق القمع والتعذيب ومحاكم التفتيش والتجهيل وإضعاف القدرة على النقد والقتل والفتن الطائفية والاضطهاد والاستبداد وفرض الجزية والحروب الدينية وغيرها من الوسائل التي أهدرت الكثير من عمر الانسانية وأعاقتها عن التقدم. ولا حاجة للاشارة بأن كل الاديان مرت بهذا التاريخ من الاستبداد، فليست المسيحية وحدها من اقترفت هذه الجرائم في العصور الوسطى ومن خلال محاكم التفتيش، فالاسلام ايضا كان وما زال يفعل ذلك في الوقت الحاضر من خلال التضييق على الحريات وتطبيق الحدود الدينية الغير انسانية بالقوة في بعض الدول الاسلامية التي لا تحتكم لدستور مدني، ونعت منتقد الدين او حتى من يحاول ابداع افكار جديدة، لمجرد أنها تتعارض مع الدين، فيتم نعته بالزندقة او الكفر او الالحاد او غيرها من النعوت والالقاب التي تسيء صورة ذلك الشخص في مجتمع لا يدرك تعاريف تلك الكلمات ويكتفي بأخذ الصورة السيئة عنها مما يخلق احتمالية تعرض ذلك الشخص للايذاء الجسدي الذي قد يصل الى القتل فضلا عن الايذاء النفسي المتمثل في الخوف من التهديدات التي يتلقاها يومياً، والفرق الوحيد بين الاسلام والمسيحية في تاريخ الاستبداد والقمع هو أن المسيحية قد تم ابعادها عن الحياة بصورة كبيرة بعد ثورة تنويرية غزت اوروبا على مدار قرون، أي تم تهميشها بفضل النظم العلمانية الحديثة، اما الاسلام فلا يزال رازحاً على عقل الانسان العربي يمنعه من نسيم الابداع والحرية والحضارة. الفرق بينهما هو الزمن، فبينما العالم الغربي قد تجاوز مسيحيته الى العلم والفن المطلق، لا يزال العرب مقيدين بالأصفاد الدينية عاجزين عن مواصلة الحياة محبوسين في فجوة زمنية لا يستيطعون الخروج منها. هذا ما يقوله التاريخ. فهو يقول بأن تقدم الدول والحضارات وادراك المرتبة الإنسانية لا يتم الا بعد عبور نفق الدين المظلم.

فماذا تقول وجهة النظر الدينية ؟

قد تجد من يقول بأن الاسلام قدم علماءً في مختلف المجالات، ففي حين كانت أوروبا تقبع في الظلام الديني تحت سلطة الكنيسة الباطشة ومحاكم التفتيش كان العالم الاسلامي يخرج علماء وضعوا بصمة على تقدم الانسانية.. فهل ذلك حدث بالفعل؟

ربما أكثر الاسماء التي تتردد لعلماء ينسبون الى الاسلام عنوة هي اسماء ابن سينا والفارابي والجاحظ وابن رشد فهل هؤلاء العلماء كان لهم ترحيب في الوسط الديني الاسلامي ؟ لنلقي نظرة على ذلك ..

يقول الامام الغزالي في كتابه “المنقذ من الضلال” عن ابن سينا :

“كافر بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر”

ويقول أيضاً

“ثم رد أرسطو طاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبلهم من الإلهيين ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ من جميعهم إلا أنه استقى أيضا من رذائل كفرهم بقايا لم يوفق للنزوع منها . 
فوجب تكفيره وتكفير من متفلسفة الإسلاميين كأبن سينا والفارابي وأمثالهما “

كذلك الجاحظ، فقد قال عنه ابن كثير في كتاب البداية والنهاية :

“كان سيء المخبر، رديء الإعتقاد، تنسب إليه البدع والضلالات، حكى الخطيب بسنده أنه كان لا يصلي، ورمي بالزندقة”

بينما يقول الحافظ الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء عن ابن رشد :

“ضال وملحد، ويقول بأن الأنبياء يخيلون للناس خلاف الواقع، وينكر البعث”

أما الرازي فيقول عنه ابن تيمية وهو الغني عن التعريف في كتابه درء التعارض :

“من كبار الزنادقة الملاحدة وهو يفوق كفر الفلاسفة القائلين بقدم الأفلاك”

اذن، فهؤلاء لم يكونوا مسلمين كما يدعي الادعياء الذين يتشدقون بالعصر الذهبي للاسلام… وما كان يحدث بالاسلام كان يحدث بالمسيحية ايضا من اتهام الكنيسة علماء اوروبا مثل جاليليو وهو أشهرهم بالزندقة..

قد يقول احدهم أن هذه مجرد أراء شيوخ لا تمثل الاسلام .. وهنا يجب أن نتوقف لنضع النقاط فوق الحروف كي ننهي هذا اللغط.. فقد يكون ذلك القول صحيحا ولكن في حالة واحدة وهي أن الاسلام كشيء معنوي يستطيع التعبير عن ذاته ، وهذا بالطبع غير واقعي، وبالتالي فإن الاسلام يتكلم على لسان المتحدثين باسمه، أي من يسمون أنفسهم – بعد تصديق العامة على هذه التسمية – علماء دين او ائمة الدين.. فالكلام الذي يقولونه هو الاسلام والا لما كان لهم قدر فوق قدر العامة من الناس كما ان اسماء ائمة الدين التي ذكرت في المقالة ليست اسماء بسيطة بل فطاحل لها ثقل وباع كبير في العلم الديني …

وقد نجد رداً جيداً حيث يقول، لقد قدم الدين للبشر الاخلاق

ربما هذه الاشكالية تأخذ مساحة كبيرة في النقاشات حول الأديان، الأخلاق.. ولكن حقيقة هذه الاشكالية تتلخص في أنك تلتزم أخلاقاً ( نسبية ) تبعاً لطقوس وتعاليم دينك، حتى لا تعذب في العالم الاخر.. وهذا في الحقيقة هو أبعد ما يكون عن مفهوم الأخلاق، فالاقدام على الفعل الاخلاقي في هذه الحالة لا يكون طواعية بل هو مرتبط بمبدأ العصا والجزرة، وهذا الأمر لا يمت للاخلاق بصلة بل هو يرتبط بأنانية المرء ( الغير أخلاقية ) في ادراك غاية من وراء الفعل تتمثل سواء في مقابل ايجابي وهو الجنة، او مقابل سلبي وهو الهروب من العذاب، وليس طواعية. وهذا الأمر في الحقيقة لا يساعد على نشر الأخلاق بل يساعد على نشر امر اخر متعارض مع الاخلاق وهو النفاق.. النفاق المجتمعي والنفاق الديني أيضاً، ويربي هذه الصفة منذ الصغر في الانسان بحيث يكبر ويكبر معه نفاقه.

كان كل  ذلك تناول نظري، رؤية تاريخية واقتباسات من كتب لائمة الدين وتأويل بعض الاحداث والافكار، ولكن ماذا عن الرؤوى الشخصية ؟

عندما طرحت هذا السؤال الذي هو عنوان المقالة على بعض الاصدقاء وجدت بعض الاجوبة التي تعبر عن الرؤية الشخصية لاصحابها وشعورهم ونظرتهم تجاه الدين

فلنستعرض بعض هذه الاجوبة

يقول علاء :

الخيانة للاوطان باسم الدين

القتل باسم الدين

الاغتصاب بكل اشكاله اغتصاب الارض والانسان والكرامة والحرية باسم الدين

حروب على مر التاريخ باسم الدين

 

أما تقى فتقول :

خوف. وقد اكتفت بتلك الكلمة وسأحاول تأويل الاجابة، ربما كان هذا الخوف هو الشعور الذي يزرع في الانسان منذ الصغر، يتطور في البداية من نتيجة عدم الالتزام بالتعاليم والطقوس، الى مرحلة أخطر وأعمق وهي الخوف من المصير الذي ينتظرنا في العالم الاخر حسب الرؤية الدينية، فهذا الشعور بالخوف يزداد ويكبر ويفسد على الانسان احساسه بالحياة.

يقول محمد :

العنصرية البحته، وربما يقصد التمييز الديني وهو أمر موجود بشكل واضح في كل الاديان، تقسيم البشر الى كافر ومؤمن.

ويقول احمد :

الجهل، واذ يسمح لي أقول بل التجهيل، فالدين ينتهي عند المعرفة والعلم.

واخيرا تقول ميرفت :

والله حتي رايي بقيت اخاف اقوله

واعتقد هذا ماقدم الدين للانسان

سأختتم المقالة بعنوانها، أي السؤال الذي انطلقت منه في حديثي، ولا أريد لهذا السؤال أن يتوقف عند قراء المكتبة العامة بل أتمنى أن يتردد في ذهن كل شخص يعيش في الوطن العربي كنوع من النقد الذاتي الذي نفتقده فنفقد بفقدانه الميزة الوحيدة التي تميزنا نحن البشر عن الحيوان وهي التفكير.. ماذا قدم الدين للبشر ؟

لمتابعة الكاتب على فيسبوك : Eslam M Essmat

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك