اختر لي عقيدتي من فضلك !

اختر لي عقيدتي من فضلك !

إن الحديث عن مثل هذه القضايا لا يخدم ترسيخ أسس المواطنة والتعايش السلمي والسلام المجتمعي الذي نسعى إلى تحقيقه على أرض الواقع.

كان هذا تبرير وزارة الأوقاف في بيانها المتضمن قرارها بمنع أحد مشاهير الدعاة من صعود المنبر ما لم يصحح ما أثارته تصريحاته من قلق وتوتر، ويتعهد صراحة بعدم التعرض لعقائد الآخرين.

بين ضغوط السلطة والإعلام والمجتمع والجماعات والرؤى الدينية المتعددة من أقصى اليمين لأقصي اليسار تتفجر الأسئلة، وتحتد المواقف، وتتصاعد الاتهامات، ومفتاحها سؤال أولي:

ما الذي تريدون منا الاعتقاد به بالضبط؟

صديقي العلماني يصر دائمًا على التأكيد بيقين أنه لا سبيل للنهوض إلا بالفصل التام بين الدين والسياسة، ولكنه يصر – وبذات الحماس – على وجوب أن تقوم المؤسسات الدينية بدورها في التوعية بقيم المواطنة والانتماء للوطن والمساواة والإخاء بين مواطني الدولة لمجابهة التطرف والطائفية.

أي دين هذا الذي تتضمن عقائده وأحكامة المواطنة (والتي هى فكرة سياسية بحتة)؟ أليس من الأولى مطالبة الحكام بالإصلاح السياسي، بدلًا عن مطالبة الشيوخ والقساوسة بالحديث حوله؟

صديقي الحداثي لديه تفسيراته الخاصة للنصوص الدينية، وهي متوافقة تمامًا مع إيدولوجيته واختياراته السياسية، ورؤيته لروح العصر. ولكنه يصم كل من يخالفة بالجهل وفساد العقل والتصور، سواء كان من يخالفه من أهل العصر أو السلف الذين يضن عليهم بوصف الصالح، وأيًا كانت القضية، ومدى انتشارها بين عموم الناس أو خاصتهم، متمسكًا بحريته في الاعتقاد واهتدائه بنور عقله.

أليس للآخرين أيضًا نصيب في هذه الحرية، ولهم عقول يستضاء بها؟

صديقي الإسلامي له هو الآخر رؤيته وتصوره عن الدين والواقع، ومشروعة السياسي الذى يراه حلًا، وهو في الحقيقة متفهم ومتسامح، ليس كأولئك المتطرفين الذين لا يقبلون أدنى خلاف، وإنما يحدثني دائمًا عن آداب الخلاف، ويعظني مشكورًا أن أحذر هوى النفس وحب الغلبة فأرفض الحق وأسوغ الباطل، ولكنه ينسي كل عظاته كلما اختلفنا في مسألة.

أما الذي أظنه صديقي، ولست متأكدًا، فهو لا يكتفي بتأييدة للسلطة كاختيار سياسي شخصي، بل يصر على أن هذا التأييد واجب شرعي بشكل ما، بالإضافة لكونه واجبًا وطنيًا، فلولا رشد حكامنا ووطنيتهم لأكلنا المتطرفين أحياء، وهذا يغفر لهم كل شيء، حتى لو أكل حكامنا لحومنا وشربوا دماءنا، فقد كفونا شر المتطرفين.

وهذا لا أناقشه عادة؛ لأن مساواة أفكاره وآرائه بآراء الآخرين تعد إهانة لهم. والذي يجمع أربعتهم أنهم لا يعترفون بحقي الطبيعي في اعتقاد ما أشاء. وبالرغم من أن الدين يشغل حيزًا كبيرًا من تفكيرهم واهتمامهم، غلا أن اهتمامهم هذا ينصب على جانب واحد من جوانب الظاهرة الدينية؛ كونها تمثل حجر الزاوية في بنية السطوة الاجتماعية محور اهتمامهم الحقيقي.

فوظيفة الدين كوسيلة للخلاص الروحي ومعيارًا للهوية الشخصية، والصواب الأخلاقي للفرد لا يشغلهم.
فمن ينظرون للدين من هذه الزاوية لا تظهر آثار معتقداتهم في نشاطهم الاجتماعي، ومواقفهم من الشأن العام، إلا في إطار دعوى يحترم حرية الاختيار، والتي هي أساس التدين الحقيقي، فلا يمكنك أن تكون مؤمنًا بعقيدة، إلا إن كانت لديك الحرية في أن تكفر بها، فلماذا يجحدون حق الآخرين في هذا؟

لماذا تلك الأنانية والنزعة الاستبدادية التي تجعل الشخص يقرر ببساطة، وكأنها مسلمة أنه ليس من حق الآخرين اعتقاد ما يشاءون، بينما يقرر لنفسه، ومن يراهم أهلًا لذلك؛ لأنهم يوافقونه هذا الحق. فارق كبير بين الحق المطلق في الاعتقاد، وبين السلوكيات القابلة دومًا للتضييق والإدانة من أية سلطة أو مجتمع أو حتى عموم الأفراد.. فمن الطبيعي أن أرى سلوكًا أو آخر غير مقبول وأرفضه وأدينه، سواء كان هذا السلوك راجعًا لمعتقد ديني أو سياسي أو مجرد اختيار شخصي.

ولكن ليس من الطبيعي أن يشيع في الناس الهوس بالرغبة في التحكم في عقائد الآخرين والسيطرة على عقولهم وقلوبهم، تحت كل مسمى ممكن، الدين تارة، والوطنية أخرى، والتسامح، ويا للمفارقة!
يخبرنا أهل العلم أن هناك أنماطًا من الثقافة تسود المجتمعات، وتصبغها، فتلقي بظلالها على كافة الأفكار الشائعة في المجتمع.

ولما كانت مجتمعتنا صاحبة تاريخ موغل في الظلم وتقبله، والتبرير له، فلا غرابة إن تشربته النفوس، وخالط الأذهان؛ فشوش مفاهيمها، حتى أصبحت تطلب الشيء بنقيضه.

ففي مجتمعاتنا غير المتسامحة فقط، تجد من يطالب السلطة باتخاذ الإجراءات اللازمة لفرض التسامح، وإرغام الناس على أن يقولوا ما لا يعتقدون؛ لتكريس هذا التسامح والتفهم الزائف، والذي لا يمكن أن يؤدي إلا لغياب التسامح الحقيقي أكثر، وتعمق التطرف أكثر.

وذلك التدليس المزري في التغاضي عن دور الدولة في حماية مواطنيها، مقابل تحميل المجتمع مسئوليتها من ناحية، وتجزئة الحقوق والحريات الفردية بحسب الموضوع والأشخاص، فتكون حمايتها مهمة مقدسة، لا يعلوها شيء حينًا، ومسألة نسبية تخضع للاعتبارات السياسية، والمصلحة العليا أحيانًا.

لا تغيير حقيقي يمكن أن يحدث في مجتمع بإجراءات بسيطة سريعة مهما كانت جذرية، وإنما التغيير الحقيقي ينتج من مسار طويل تحكمة الخطوات الأولى، والتي أتمنى أن تهتدي إليها أقدامنا.

وربما الخطوات الأولى هي فض التشابك المفتعل بين مسئوليات الدولة والمجتمع والنسبية المزرية في التعامل مع الحقوق والحريات.

فالدولة تمارس بأداتها القانونية الرقابة على السلوكيات، لا العقائد، والمجتمع يمارس سلطته الأدبية في تقدير – أو الحط – من الأفكار والآراء، لا إرغام ولا ترهيب، والأفراد جميعًا متساوون في حق الاعتقاد مطلقًا ولا سلطان ولا أوصياء على عقولهم، ولا قلوبهم، أما سلوكهم فتحكمة القوانين بمساواة تامة، بلا تعسف ولا محاباه.
هل سنشهد هذه الدولة يومًا ما؟

أظن أنه لو رغب في قيامها عدد كاف منا لقامت.. ولكن هل حقًا هذا ما نرغب؟ أم تهوى أنفسنا نماذج أخرى ؟

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك