عائد من الموت

عائد من الموت

في احدى الحدائق العامة وفي الساعات الاولى من الصباح كان يجلس على حافة المسطبة بوجه شاحب وبدلة مغبرة من الطراز القديم، حائرا متوترا ينظر مرة الى السماء واخرى الى حشائش الحديقة، اقترب منه رجل غريب وجلس بجانبه، هو لم يلحظه لكن الرجل اجبره على هذا بألقاء السلام عليه ثم سأله ماذا بك ؟
فنظر اليه بنظرة حزينة وقال لقد عدت من الموت! …
فاجابه الرجل ومن دون اي اندهاش حسنا يبدو هذا شيء مفرح فلماذا يبدو عليك الحزن؟
لا كيف يكون مفرح انا لست من محبي الحياة قالها وتحسر.
وبعد دقائق من الصمت التفت الرجل عليه وسأله كم هي المدة التي كنت ميتا فيها؟
اجابه عشرة اعوام، واكمل انا اريد ان اعرف من ارجعني للحياة لابد ان يكون شخصا من معارفي اشتاق الي واراد ان يراني، ربما استخدم السحر او الشعوذة ليرجعني،
فاجابه الرجل بوجهه الخالي من التعابير قائلا او امنية ياصديقي فالاماني الصادقة يمكن ان تتحقق، هل يمكن ان اناديك بصديقي؟
فأومأ هو برأسه واكمل الرجل، انظر انا سأقوم بمساعدتك اخبرني بمن تشك ولنذهب ونسألهم، لكن قبلها لنذهب لهذا المطعم الذي امامنا لتأكل شيئا فلا اعتقد بانك كنت تأكل جيدا وانت ميت.
وبعد الانتهاء من الطعام توجه الاثنان الى سيارة الرجل…
هو- وبعد ان فتح باب السيارة لكن قبل ان يركب- كيف تصدقني؟ اعني كيف تصدق بأني عائد من الموت؟
الرجل-لا يهم تصديقي يا صديقي، المهم انك تصدقه فما نصدقه هو الحقيقة
وانا انظر بعينيك واجدك تصدق ما تقول وهذا يكفيني.
الرجل-وبعد ركوب السيارة-الان اخبرني هل اعددت قائمة بالاشخاص المحتملين
هو-نعم، بالحقيقة هي ليست قائمة فانا اشك بثلاثة اشخاص فقط، فقد كنت شخصا قليل المعارف، لنذهب اولا الى صديقي مراد هو كان الاقرب الي في الفترة التي مت فيها، يسكن في الحي المجاور ولا اعتقد بانه انتقل من بيته نعم هو هذا النوع من الاشخاص
الرجل-يبدو بانك تعرفه جيدا …لكن هل انت متاكد باننا سنجده في المنزل الان؟
هو-بالتاكيد، هو لا يحب الخروج في ايام الاجازات، نعم انا اعرفه جيدا.
وبعد الوصول الى بيت مراد نزل الرجل ليتحدث معه ثم لم تمضي اكثر من عشرة دقائق ليعود الى السيارة وبوجهه حسرة
الرجل-هل انت متأكد بانه صديقك –قالها بعد ان نظر اليه بطرف عينه
هو-نعم كنت اقضي اغلب اوقاتي معه، ماذا؟ ماذا قال ؟
الرجل-بغض النظر عن ما قاله هو ليس من اعادك الى هنا
هو-مستغربا-حسنا اذن لا تريد ان تخبرني، قالها ونظر الى الرجل منتظرا منه ان يقول شيئا لكن الرجل لم يفعل، فأكمل الشخص الاخر الذي اريد ان نبحث عنه هو صديق ايضا اسمه رامي صديقي ايام المدرسة
الرجل-هل متاكد من انه حقا صديقك ام سيكون مثل مراد!
هو-انا ورامي عشنا مراهقتنا معا تعلمنا الحياة معا، نعم انقطعت علاقتنا بعد الانتهاء من المدرسة لكني متاكد بانه لم ينساني، فانا لم انساه، ذكرياتي مع رامي هي اجمل ذكريات المدرسة.
وبعد البحث عن مكان رامي وجدوه يعمل في محل لبيع الالبسة الرياضية
الرجل-لا افهم لماذا لا ترغب بان تنزل معي ونتحدث سوية مع اصدقائك
هو-لا ،لا ارغب بهذا ،انا ميت منذ عشرة سنين لا يمكن ان اظهر هكذا وبكل بساطة امام شخصا يعرفني كأن شيئا لم يحصل…
ينزل الرجل من السيارة ويدخل المحل وبعد النظر على علامة اسماء العمال وجد العلامة التي تحمل اسم رامي فتوجه اليه..
الرجل –وبعد السلام- سأله عن صديقه
رامي لم يتذكر في بادئ الامر ولكن تذكره بعد عدة محاولات
رامي-نعم الان تذكرته لكن ماذا عنه؟ لقد سمعت بانه انتحر منذ مدة طويلة، اكثر من سبعة سنين
الرجل ادعى بانه يعلم بامر انتحاره ولكي يجعل سؤاله عنه منطقيا اخبره بانه محقق بامر هذا الانتحار بسبب استجداد بعض المعلومات عن القضية
رامي-بما انك محقق فسأكون صريحا معك-انا وهو لم نكن حقا اصدقاء ثم اكمل بنبرة خجولة بالحقيقة كان جده يعطيني المال لاكون معه!!
خرج الرجل وبوجهه نفس الحسرة مضافا اليها قليل من الحزن وبعد ان دخل الى السيارة
الرجل-قلي الان من الشخص الاخر؟
هو-لحظة ارجوك اخبرني ماذا قال رامي وما الذي يحدث، ارجوك يجب ان اعرف
الرجل-حسنا ان كنت مصر، رامي اخبرني بان جدك كان يعطيه المال ليكون صديقك
هو بدى عليه الحزن والاحباط ولم يرد باي كلمة
الرجل-لا تحزن كل هذا اصبح من الماضي كلنا نصادف اصدقاء غير حقيقيين في حياتنا
هو-ليست الصداقة ما تحزنني –انا حزين على اموال جدي لو كان اعطاني اياها لكانت افضل من رامي ..
فضحك الاثنان ضحكة خفيفة وتوجهوا الى الشخص الثالث وهي اخته الغير شقيقة
وفي الطريق
الرجل-سائلا-اخبرني كيف مت ؟
هو-سقطت من اعلى المبني الذي كنت اعمل به
الرجل-نعم ذكر لي رامي شيئا عن الانتحار
هو-انتحار؟ماذا! لا لم انتحر انا سقطت فقط
كنت جالسا على حافة المبنى افكر في حياتي، احدث نفسي عن مستقبلي ويقاطعني الماضي ثم ..ثم انزلقت يدي ووجدت نفسي اسقط – ثم سكت لدقائق ونظر من نافذة السيارة الى الاشجار على جانب الطريق متذكرا لحظة موته ثم اكمل
وانا اسقط اكملت حديثي مع نفسي غير ان المستقبل لم يعد موجود في حواري وتبقى الماضي الذي انهى حديثه بمجموعة من الصور اراني اياها بسرعة.. بعض لقطات حياتي المهمة ثم مت ..
ثم ابتسم واكمل هل تصدق بان كثير من هذه الصور كانت عن مسلسلات وافلام كنت قد شاهدتها بحياتي !!
الرجل – ومن دون ان يبتسم- نعم اصدق…
ويصل الاثنان الى الحي الذي تسكن فيه الاخت وبعد السؤال عنها اخبروهم بانها ماتت منذ سنتين
هو-ومن غير ان يبدي اي مشاعر حزن – اذن سرطان الثدي هو السبب
الرجل-نعم ، اخبرني هل لديك اخوة اخرون ولماذا لم تفكر في والديك هل هم على قيد الحياة؟
هو-ان من رباني هو جدي وجدي مات قبل ان اموت بعدة سنوات، اما امي فماتت قبل ذلك بكثير، لقد كنت طفلا وقتها انا حتى لا اتذكرها، اما اخوتي الغير اشقاء فهم لا يحبوني وانا حتى لا اعرف بعضهم
الرجل-لم تذكر ابوك؟
هو-لا تذكرني بهذا العجوز الحقير، كان مازال حيا وقت وموتي ولا اريد ان اعلم الان ماذا حصل له …
الان اصبح هو اكثر حيرة مما سبق فلم يرجع الى الدنيا بسبب احدا ما، هو لا يعرف ماذا يفعل وماذا يعني كل هذا، كان يأمل ان يجد من اعاده ليسأله اما الان فقد راح هذا الامل، اصبح يفكر اكثر واكثر وبالطبع لا تزيده افكاره الا حيرة ..
وهو بحيرته هذه تخطر على باله فكرة فاندفع قائلا
-وجدتها ، من الممكن اني قد عدت لسبب ما – قد يكون عمل غير منجز اوشيء مهم يجب ان افعله
الرجل- حسنا اخبرني ماذا من الممكن ان يكون هذا العمل ولنذهب ونتاكد
هو- لابد ان يكون شيء متعلق بالشركة التي كنت اعمل محاسبا بها، شركة الميناء للاستيراد والتصدير خذني اليها
الرجل-هل تقصد الشركة ذات البناية الرصاصية المميزة-لقد اغلقت منذ ثمانية سنوات تقريبا-وتم القاء القبض على مديرها بتهمة السرقة والتلاعب بالحسابات
هو-السيد احسان سارق ورجل فاسد!! كان مثلي الاعلى !!
هو- كان لي فكرة مشروع لتحسين الحي الذي كنت اسكن فيه، وضع اشارات مرورية بالحي وتنظيم العبور وامور كهذه هل من الممكن ان يكون لاجلها؟
الرجل-الاشارات المروية في كل مكان الان، لا اعتقد من اجل هذا
ثم يجلس الاثنان صامتون في السيارة متجهين الى المتنزه الذي التقيا فيه ليقاطع الرجل الصمت قائلا وعلى وجهه ابتسامة
-هذا هو، ان الامر واضح جدا ياصديقي انت فقط وبكل بساطة عدت لتعيش انها فرصة ثانية لتعيش افضل مما كان، انت لم تعش حياة جيدة في السابق وها هي الحياة تعطيك فرصة اخرى
مازلت شابا ولا اعتقد بانك تجاوزت الثلاثين
فحاول ان تستغلها بالشكل الصحيح ابحث عن الاصدقاء الحقيقيين جرب الحب!! لا اعتقد بانك جربته في السابق، خذ فتاة جميلة في موعد على العشاء، سافر نعم سافر واضحك وجرب كل شيء
هو- متاثرا بهذه الكلمات التي وجدت له الحل وبعثب به التفائل –انت على حق…
ثم عادوا وجلسوا على نفس المسطبة التي بدؤوا رحلتهم منها، هو لم يجلس على الحافة الان بل جلس بكل اريحية واستمتع ولاول مرة بمنظر الزهور من حوله ومنظر الاطفال وهم يلعبون وحتى القط الصغير الذي يتجول في المنتزه ورغم كرهه للقطط الان وجد نفسه يستمتع بمشاهدته فهو الان يملك الاجوبة …
الرجل- اين كنت عندما كنت ميتا؟ماذا بعد الموت؟
هو-كنت في الجنة
الرجل- وكيف يبدو هذا المكان اوصفه لي؟
هو- مكان؟! الجنة ليست بمكان هي شعور، شعور بالراحة والسكينة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك