المنبوذ (قصة قصيرة)

المنبوذ (قصة قصيرة) – بقلم: سامح عبد الله

“لا تدعوهم منبوذين لأن الله قد يكون أحبهم ” #رجفة_قلب مقاطعة اكستر.. شمال لندن 1944.

كان الخريف قد تهيأت له الأشجار وتساقطت وريقاتها برفق واستسلام، وكان كل شيء في هذه المقاطعة قد تهيأ أيضاً لفصل الخريف..الشمس أخذت رويداً رويداً في الاختباء ولم يعد يقطع ظلام الليل سوى نيران المدافئ التي تؤنس وحدة الغرباء..!

لكنّ شيئا لم يتغير عند توماس، هذا الرجل الأربعيني، فكل فصول العام عنده مثل الخريف، بيد أن الذي يتساقط ليس وريقات الشجر بل عمره..

رجل وحيد رحل عنه أبواه منذ الشباب استطاع أن يجد له وظيفة متواضعة بمحطة قطارات إكستر. كل حياته تتلخص في بضع ساعات يقضيها بين قطارات المحطة في الصباح، وبضع ساعات أخريات يقضيها بحانة العجوز أرنولد، هذا الرجل الأيرلندي الذي استطاع أن يجذب كل السكارى إلى حانته، وكان توماس أحد هؤلاء.

لم يعرف توماس كيف أصبح أسير هذه الحانة، وكيف أنه لم يعد يستطيع أن يقضي ليلة واحدة إلا وهو غائب عن الوعي أو بنصف وعي في أفضل الأحوال، ثم يعود إلى بيته الصغير مترنحاً يهذي بكلمات غير مفهومة، ولعله هو وحده الذي كان يدركها..!

وظل علي هذه الحاله حتي دعي هنا بين الناس منبوذا. لم يكن يقترب منه أحد سوى سلفانا تلك السيدة الجميلة التى تقطن في طريق عودته.. في الواقع كانت فتاة وجدت نفسها أم لطفلة، بعد أن تركها أبوها دون عودة.. لا أحد هنا يصدق أن لهذه الطفلة أبا، حتي ولو كان أبا وغدا وضيعا، فالجميع يدعونها طفلة سفاح..

كل القاطنين هنا أضحوا من القديسين ما عدا هذين البائسين.. توماس وسلفانا.. الأول أصبح منبوذا والثانية أضحت ساقطة.. كانت سلفاتا علي قدر كبير من الجمال رغم الفقر والحرمان.. شعرها الذهبي المتهدل فوق كتفيها يلامس ظهرها، عيناها البراقتان، جسدها الأملس الثائر دائماً رغم الانكسار..! وكانت هنا مأساة الجمال… إن الجمال عند البؤساء دائما خطيئة كبرى؛ لأن لا شيء يحصنه مهما كانت قوة أخلاق صاحبه.

أُرغمت سلفانا علي أن يكون بيتها بيت الخطيئة، وأن يكون جسدها مسكناً لهؤلاء الذين يبدون للناس مثل القديسين في الصباح وعند الليل تسقط أقنعة قداستهم بين جدران بيتها، لكن عار خطيئة لا يتلبس في النهاية سوى هذه البائسة المسكينة. كان توماس يعلم ذلك، وكان يعطف عليها، لم ينظر لها يوما سوي بعين رجل رؤوف، حتي ولو دعاه الناس منبوذا، وكانت هي الأخري تعرف كم هو رجل طيب وجار رفيق.. كان توماس يقضي ليله في الحانة حتي الثمالة، وكانت سلفانا تستصرخ ضوء الفجر من أجل أن يهدأ جسدها المكلوم من عبث هؤلاء الحمقى.

ذات يوم قرر توماس ألا يشرب الخمر، كانت ليلة سبت، لم يذهب إلي الحانة، وقضي الليل كله حبيس بيته منتظراً شروق أول ضوء شمس حتي يذهب إلي الكنيسة، وبالفعل قد حدث. كانت هذه هي المرة الأولي التي يذهب فيها إلي الكنيسة منذ عشرة أعوام، تقريباً منذ جنازة صديق مسن لوالده، لم يعد يذكر شيئا عن النصوص أو الطقوس، لكنها المرة الوحيدة التى كان يبدو فيها بكامل وعيه. تحسس الخطوات نحو بهو الكنيسه بعدما ارتدى ثيابا تليق بتلك الصلاة المهيبة، وما أن لمحه الأب فرنسيس بعينيه الحادتين حتي أمر بطرده فورا من الكنيسة.

طُرد توماس وهو لا يكاد يصدق أن الرب هو الذي طرده، إن الرب لايطرد أحدا جاء اليه هكذا. إن الذي طرده في الواقع هو الأب فرنسيس وليس الرب، وأخذ يحدث نفسه بصوت مرتفع وهو في طريقه للعودة. لماذا يطردني؟! أنا لم أحتسي كأس خمر واحد منذ ليلة الأمس، لقد جئت لأقابل الرب وليس القس فرنسيس، ثم لماذا يطردني أنا، لماذا لم يطرد عمدة القرية الذي يدفع المسكينة سلفانا إلى البغاء والذي لا يغادر بيتها كل ليلة إلا عند شروق الشمس؟! لماذا لم يطرد بنيامين المرابي الذي له في كل بيت رهن ورهينة؟! لماذا لم يطرد الطبيب ستيوارت الذي لم يعالج يوماً فقيراً أو ضعيفاً؟! لماذا لم يطرد هؤلاء التجار المحتكرين الذين ينتصفون بهو الكنيسة في خشوع الذئاب؟! لماذا لم يطرد الساحر والمشعوذ؟! لماذا يطردني أنا… لماذا ..لماذا..؟!!

أخذ توماس يصرخ طوال طريق عودته. كان توماس يصيح إلي السماء ربما ينتظر إجابة، لكنه يفيق فجأة علي حريق هائل ببيت سلفانا، النيران تتصاعد من بيت المسكينة، ماذا جري لها هي وطفلتها. لم يكن البيت يبعد كثيراً عن الكنيسة، حتي أن النيران قد تنبه لها كل الذين يؤدون الصلاة فخرجوا جميعا يشاهدون، فقط يشاهدون وتمتمات الصلوات مازالت تتأرجح فوق شفاههم.. شخص واحد هو الذي إقتحم النيران، وكلهم قالوا سكير مجنون.. من يجرؤ علي اقتحام مثل هذه النيران سوي سكير مجنون ! ثم قالوا.. هذا انتقام الرب.. لقد بعث النيران لكي تلتهم هذ البيت الملعون. كلهم قالوا هذا.. وكلهم كانوا من رواد هذا البيت..!

اقتحم توماس البيت واستطاع أن يخرج سلفانا و طفلتها، لكن النيران تمكنت من جسده، ظل بضعة أيام في بيته دون أن يقترب منه طبيب لأنه منبوذ. لم يكن بجانبه سوي تلك المرأة الخاطئة التى كان سبباً في أن تبقي علي قيد الحياة. وبعد ثلاث ليال أسلم الروح بعد أن أهدى سلفانا بضع أموال كان قد ادخرها. مات توماس بعد أن ساعده الله علي أن ينقذ روحين..

مات المنبوذ لكي يهب الحياة لإنسان بينما وقف القديسون يشاهدون الموت يلتهم إنسانا دون أن تتحرك أقدامهم. غادرت سلفانا و طفلتها هذه المقاطعة بعد أن وُرى جثمان توماس الثرى. ابتاعت له سلفانا مقبرة بأمواله وذهبت إلي دير الأم تربزا بعد أن وجدت لها عملا هناك، ومنذ تلك اللحظة لم يمس جسدها رجل، ولم تتخلف هي وابنتها يوم أحد عن المجئ إلي حيث هذه المقبرة التى استعملت نحاتا لينقش عليها هذه العبارة “لا تدعوهم منبوذين لأن الله قد يكون أحبهم ” وكلما سألتها طفلتها عن هذا الرجل القابع بالك المقبرة قالت لها: إنه القديس الذي وهب الله علي يده لنا الحياة.. وكلما وضعت بعض الزهور فوق قبره شعرت #برجفة_قلب عجيبة، وتذكرت تلك اللحظات التى قدم فيها هذا الذي كانوا يدعونه منبوذا روحه فداء من أجل أن تبقى هى وابنتها.

قصة المنبوذ من مجموعة رجفة قلب

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك