مقتطفات من رسائل فان جوخ إلى أخيه (3)

مقتطفات من رسائل فان جوخ إلى أخيه (3)

استكمالا لما بدأناه من سلسلة من المقالات التي سوف نورد خلالها أهم المقتطفات من رسائل فيسنسنت فان جوخ إلى أخيه، سنعرض من خلال هذه المقالة الجزء الثالث  من الرسائل المترجمة .. يمكنك الاطلاع على المقالة الأولى تشمل الجزء الاول مجموعة الرسائل و نبذة عن حياته بالضغط على العنوان التالي :

مقتطفات من رسائل فان جوخ إلى أخيه (1)

او للاطلاع على المقالة الثانية من سلسلة المقالات :

مقتطفات من رسائل فان جوخ إلى أخيه (2)

ترك فان جوخ ما يصل الى 700 رسالة الى أخيه والذي كانت علاقتهما علاقة وطيدة وقوية الى أبعد حد وتتضمن تلك الرسائل وصف مشاعره وحالاته وأوضاعه، كما ترك الكثير والكثير من اللوحات التي احدثت نقلة في عالم الرسم.  سنسرد هنا على مواقع المكتبة العامة بعض المقتطفات من رسائل فان جوخ مقسمة على عدة مقالات للاطلاع على جانب من هذه الشخصية الغامضة والمثيرة والأكثر شهرة في عالم الفن.

 

امستردام 18 سبتمبر 1877

عزيزي ثيو، أصبح موعد ذهابك في رحلة عمل الى السادة جوبيل وكمبني قريباً جداً وانني استمتع من الان بالوقت الذي سوف أقضيه معك مرة أخرى. أريد أن اسألك شيئاً واحداً، ألا يمكنك أن ترتب وضعك بحيث نتمكن أن نقضي معاً يوماً واحداً على الأقل في هدوء وسكون ؟

إنني غارق حتى اذني في العمل لأنه بدأ يتضح لي شيئاً فشيئاً ما هي الأشياء التي يجب عليّ أن أعرفها.. ماذا يعرفون وما هي الاشياء التي تلهم اولئك الذين أحب أن أتبعهم. “تفحص-الكتب المقدسة” لم تكتب اعتباطاً لكن تلك الكلمة هي دليل جيد وأنا أريد أن أصبح معلماً يستطيع من خلال هذا الكنز أن يأتي بالأشياء القديمة والجديدة.

لقد كتب لي الوالد بأنك قد ذهبت الى انتويرب.. انني مشتاق لمعرفة الأشياء التي رأيتها هناك. منذ زمن بعيد شاهدت أنا ايضا الصورة القديمة في المتحف كما أعتقد بأنني أذكر حتى البورتريه الجميل الذي رسمه رامبراندت. لو كان بوسع المرء أن يتذكر الأشياء بوضوح لكان ذلك شيئاً حسناً ولكنها مثل المنظر الذي تراه في شارع طويل، فعلى البعد تبدو الأشياء اصغر حجما وفي السديم أيضا.

الشفق يسدل استاره.. “الشفق المقدس” ..قالها ديكنز، وكان محقاً في ذلك بالتأكيد. الشفق المقدس وخاصة عندما يجتمع اثنان أو ثلاثة منه معاً في تناغم الفكر.. مثل الكتاب الذي يأتون من كنوزه بالأشياء القديمة والجديدة. الشفق المقدس عندما يجتمع اثنان او ثلاثة منه باسم القدير وهو في وسطهم…وبارك الله في الرجل الذي يعرف هذه الأشياء ويتبعها أيضاً.

رامبراندت عرف ذلك لأنه من الكنز الغني في قلبه قدم لنا من بين أشياء اخرى تلك الرسمة مستخدما الفحم والحبر . في تلك الحجرة انسدل الشفق..عظمة الخالق.. نبيلاً ومثيراً للدهشة.. واقفاً بشكل جدي ومظلم مقابل النافذة التي ينسل منها الشفق الى الداخل. وقريباً من قدمى المسيح تجلس مريم العذارء التي اختارت ذلك الجزء الطيب الذي سوف لن يؤخذ منها ومارثا في الغرفة منشغلة بشيء ما.. فاذا كنت أتذكر جيداً كانت تحرك النار او ما يشبه ذلك. تلك الرسمة التي أتمنى أن لا انساها ولا الكلمات التي كانت يبدو بأنها ستقولها لي : ” انا نور العالم والذي يتبعني سوف لن يسير في الظلمة بل سيكون له نور الحياة”.

تلك الأشياء التي يقولها الشفق الى أولئك الذين لهم آذان يسمون بها وقلباً يفهمون به ويؤمنون بالله.. الشفق المقدس! وفي تلك الصورة التي رسمها ريبيريز “محاكاة يسوع المسيح” انه الشفق وكذلك في لوحة أخرى لرامبراندت “داوود يصلي لله”.

استمتع بوقت طيب واكتب بسرعة واحضر بسرعة لأنه من الجميل أن نرى بعضنا مرة أخرى ونتحدث ونتفاكر في الأشياء وربما في هذا الصيف قد يمكننا أن نذهب ونشاهد المعرض الذي سوف يفتتح بعد عدة أيام من الآن. تحياتي الى جميع أفراد عائلة روس. وداعاً.

امستردام 3 ابريل 1878

اولئك الذين قالوا “اننا اليوم كما كنا بالأمس” كانوا رجالاً صادقين. ويتجلى ذلك في الدستور الذي وضعوه والذي سوف يبقى لجميع الأزمنة والذي قيل أنه قد كتب بشعاع من السماء وبأصبع من نار. انه من الحسن أن يصبح المرء رجلاً صادقاً ويحاول أن يكون كذلك أكثر فأكثر وذلك الشخص الذي يؤمن بأن “الرجل الباطني والروحاني” هو جزء من ذلك أيضا هو رأي صحيح. إن الرجل الذي يدرك بطمأنينة وثقة بأنه ينتمي إلى أولئك فسوف يمضي في طريقه دائماً بهدوء وسلام دون أن يساوره أي شك في النتيجة الجيدة التي ستأتي في النهاية.

لكي يصير الانسان رجلا باطنياً وروحانياً ألا يمكنه أن يحقق ذلك عن طريق معرفة التاريخ بشكل عام وعن انسان محددين من كافة العصور وخاصة من تاريخ الانجيل الى تاريخ الثورة ومن الأوديسة الى كتب ديكنز وميتشليت؟ ألا يمكن للمرء أن يتعلم شيئاً من أعمال رامبراندت مثلا أو من الاعشاب البنفسجية لبريتون او ساعات النهار لميليت او الراهب البنديكيتي لـ دي جروكس او برايون او المجند الالزامي لجروكس او ذلك الذي كتبه كونساينس او اشجار السنديان الضخمة لديبريه او حتى من الطواحين والسهول الرملية لميشيل ؟

لقد تحدثنا مطولا عن واجباتنا وكيف يمكننا أن نحقق الهدف الصحيح وتوصلنا الى استنتاج أن علينا أولا أن نجد لأنفسنا موقعاً ثابتاً ومهنة نكرس لها أنفسنا بشكل تام. واعتقد بأننا اتفقنا أيضا على هذه النقطة على أنه على المرء أن يأخذ النهاية في الاعتبار وأن النصر الذي يحرزه المرء بعد حياة حافلة بالعمل والجهد هو أفضل من النصر الذي يحققه على عجل. اولئك الذين يعيشون باخلاص ويواجهون الكثير من المصاعب وخيبة الأمل ولكنهم لا يستسلمون لها فإنهم أكثر قيمة من اولئك الذين يبحرون دائماً أمام الرياح ولم يعرفوا سوى النجاح النسبي. لمن تلك الاشياء التي توضح بعض علامات الحياة العلوية؟ انها لأولئك الذين تنطبق عليهم هذه الكلمات : ” أيها العمال إن حياتكم حزينة.. ايها العمال  انكم تعانون المر في هذه الحياة.. ايها العمال ان ايديكم مباركة” .. انهم اولئك الذين يتحملون علامات “حياة مليئة بالكفاح والكد بدون أن يركعوا أبداً”. انه من الحسن أن نحاول أن نصل الى هذه الدرجة .. وهكذا نمضي سائرين في طريقنا “لا نعرف الكلل او التعب بفضل نعمة الرب علينا”.

أما بالنسبة لي فغنه يجب علي أن اصبح قساً صالحاً لديه ما يقوله ويكون شيئا صحيحا ويكون له منفعة في العالم وربما يكون من الافضل أن أخضع نفسي لعملية تهيئة طويلة لكي أرتبط بقوة بقناعة راسخة ومتينة قبل أن يطلبوني للتحدث الى الآخرين عنها… لو أننا نحاول فقط أن نحيا مخلصين فسوف تسير الأمور بشكل جيد معنا حتى ولو كنا مأكدين بأننا سوف نواجه الحزن الحقيقي والاحباطات العظيمة وربما أيضا نرتكب اخطاء عظيمة ونقوم بأعمال خاطئة ولكن من المؤكد حقا أنه من الافضل أن نكون جريئين حتى لو أضطر المرء أن يرتكب المزيد من الأخطاء من أن نكون ضيقي الأفق ونحرص على التعقل والحذر في كل تصرفاتنا. انه من الحسن أن نحب أشياء كثيرة لأن فيها توجد القوة الحقيقية… والذي يحب أكثر يعمل أكثر ويستطيع أن ينجز أكثر والذي يتم انجازه بمحبة يكون عملاً رائعاً. لو أعجب المرء بأحد الكتب ككتب ميتشليت مثلا فلأنها كتبت من القلب وببساطة وخنوع الفكر. انه من الأفضل أن ننطق بكلمات قليلة لها أهمية حقيقية من أن ننطق بكلمات كثيرة لا قيمة لها.

لو استمر المرء في أن يحب باخلاص ما يستحق الحب بحق دون أن يضيع وقته في أن يحب أشياء غير مهمة ولا معنى لها ولا تستحق تلك المحبة فسوف ينال المزيد من النور شيئاً فشيئاً وتزيد قوته أكثر فأكثر.

كلما أسرع المرء في اتقان معنة معينة واتبع طريقة مستقلة في التفكير والتصرف وكلما التزم المرء بقوانين وانظمة صارمة كلما اكتسب شخصية أكثر صلابة وكل ما يحتاجه المرء لتحقيق ذلك هو أن لا يكون ضيق الأفق.
انه من الحكمة أن نفعل ذلك لأن الحياة قصيرة والوقت يمضي سريعاً فاذا أتقن المرء شيئاً واحداً وفهمه بشكل جيد فسوف يتاح له في نفس الوقت أن يتبصر ويفهم أشياء كثيرة من ضمن الصفقة. ويجدر بالمرء في بعض الأحيان أن يدخل الى العالم ويتصادم مع الآخرين مع أن المرء يكون مضطراً في بعض الاوقات أن يفعل ذلك، ولكن ذلك الذي يفضل أن يعمل وحيداً بهدوء ويصادق عددا قليلاً من الناس فسوف يمضي بسلام عبر العالم وبين الناس.

عند بوابة الخلود

عند بوابة الخلود

يجب على المرء أن لا يثق بالزمان أبدا عندما لا يواجه أي مصاعب، او أي هموم أو مشاكل كما يجب على المرء أن لا يأخذ الامور ببساطة شديدة. وحتى في أكثر الأوساط نقاءً وفي أفضل الظروف يجب على المرء أن يحتفظ بشيء من الشخصية الاصلية لروبنسون كروزو او شخصية الزاهد والا فسوف لن يكون له جذوراً في نفسه. يجب على المرء أن لا يترك النار تنطفيء في روحه بل يجب أن يتركها مشتعلة. والذي يختار الفقر لنفسه ويحبه فانه ينال كنزا عظيما ويسمع دائماً صوت ضميره واضحاً. ذلك الذي يسمع ويطيع ذلك الصوت الذي هو أغلى هبة من الله، يجد في النهاية صديقاً في ذلك ولن يبقى وحيداً أبداً…

لمتابعة كاتب المقالة على فيسبوك : Eslam M Essmat

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك