صيغ الوجود عند مارتن هيدجر

صيغ الوجود عند مارتن هيدجر – بقلم: عماد الحسناوي

يعتبر كتاب الوجود والزمان عند هيدغر من بين أهم كتبه الفلسفية، حيث إهتم فيه بقضايا عدة من بينها فكرة الوجود. يرى هيدجر أن معظم التصورات التي جاءت قبله لم تعطي أهمية للوجود على عكس الموجود, وهذا واضح منذ أفلاطون وكانط، وهيجل وهوسرل ثم نيتشه، فأفلاطون في نظرية التذكر يرى أن النفس كانت في البداية في عالم المثل و إرتكبت خطأ وثم سجنها في الجسد, أي أن الاحتكاك بالاشياء ماهو الا مناسبة لتذكر حقيقة الأشياء الموجودة في عالم المثل. ويرفض الديكارتية كونها تركز على مفهوم مصدر الذاتية، اي أنها تقصي العلاقة الموجودة بين الإنسان والله والأرض والسماء أو ما يسميها هيدجر بفكرة الرابوع.وينتقد الكانطية التي تقول بوجود مقولات قبلية أي أن الإنسان يأتي إلى العالم مجهز بمفاهيم. ينتقد هيجل في في فكرة الروح المطلقة وعدم فصله بين ماهو معقول وماهو واقعي.وإنتقد هوسرل لانه عاد للتجربة الاصلية أو ما يسميها بالعالم العيش. وينتقد نيتشه في عدم قدرته على تجاوز الميتافيزيقا لانه في نظر هيدغر تخلص من القيم القديمة لكنه وضع مكانها قيما جديدة تتأسس على إرادة القوة. وبهذا يقول أن كل هذه التصورات تلخص الوجود في الموجود وهنا يقول هيدغر ” الخطاب الميتافيزيقي هو خطاب يقيم تطابق بين الوجود والموجود ويلغي الإختلاف الأنطولوجي الموجود بين الوجود والموجود.” وقسم الوجود الى قسمين الوجود لذاته والوجود في ذاته وهيدغر يفضل الوجود لذاته لانه مرتبط بالعيش الى جانب الكائنات الأخرى وهذا ما جعله سيتخدم مفهوم الدازيين اي الإنسان الذي يعيش في العالم مع وبجوار الكائنات الأخرى. هذا يحيلنا الى إشكال ماهي صيغ علاقة الإنسان بالعالم ؟ صيغ وجود الإنسان في العالم هي :

1- صيغة الانشغال و الاهتمام : تعني هذه الصيغة أن الإنسان ينظر إلى العالم نظرة تأسس على المنفعة، فالعالم هو موضوع لإشباع الرغبات وحاجات الإنسان, بالتالي فالنظرة المتحكمة هي النظرة البراغماتية والاذاتية (تحول العالم الى أدوات). ولهذا يقول هيدجر أن صيغة الإنشغال والإهتمام هي عائق للبلوغ الى حقيقة الوجود. بالتالي لمعرفة حقيقة العالم عليه أن يتخلص من هذه النظرة الأذاتية، وإلا سيتحول بدوره إلا أذات وهنا أستحضر قولة (لاحد المفكرين عندما ردة على صديقه المتأثر بالاشياء المادية, كان يسأله دائما عن الاشياء المادية الثمينة.وقال له المقكر: الأشياء التي تمتلكها أصبحت تملكك) وهنا يقول هيدغر “سيفقد الانسان الإحساس بالعالم من حيث هو عالمه.” ويقول هيدغر أن الصورة البراغماتية هي صورة الانسان العامي الساذج وبالتالي فهي تحول نظرة الانسان من نظرة خالصة للوجود الى نظرة في الموجود، هذا ما ثم تكريسه في ظل الحضارة الصناعية. لكن الانسان يستطيع عبر هذه الصيغة باعتباره كائن يعيش داخل المجتمع أن يغير شكل العالم ومعناه ويضفي على العالم معنى جديد، وهذا ما جعل الإنسان عند هيدجر قدرة على الوجود، اي أن وجوده لم يكتمل بعد. بالتالي عندما يعي الإنسان ذاته كإمكانية فهو يسعى أن يؤصل وجوده ويكون وجوده ضروري وليس عرضي. هذه الصيغة تقودنا الى صيغة ثانية.

2- صيغة الهم : كل فرد كيفما كان يسعى بشكل كبير أن يتميز عن الأخرين بمختلف الطرق. فهو لا يكاد يتخلص من حاجة حتى يسقط في حاجات أخرى وتربطه بقيود جديدة فهي تشكل كما وصفها د.محمد أندلسي قوة تمارس الدكتاتورية بدون الديكتاتور، وكما أسميها أنا بالسلطة الخفية. ليست عبارة عن شخص فهي لاوجود لها ولا هوية لها (غفل) هذه القوة هي التي يطلق عليها هيدجر الهم يمكن القول أنها هي نفسها الانا الاعلى عند فرويد بمعنى كل ما يلتصق في ذاكرة الانسان من مشاعر وأحلام ومعتقدات وأوهام… بهذا يكون الهم يمنع كل إنسان من أن يتخد كل قرار لنفسه فهو يجعلنا بدون مسؤولية بل أكثر من ذلك بدون جرية و إستقلالية، يجعل الفرد يختار وفق ما يناسب متطلباته. إذن كيف يمكن التخلص من سلطة الهم ؟

3- صيغة الوجود المشروع والغير مشروع: فالوجود اللامشروع هو وجود بدون حرية وكرامة وقيمة، فهو الوجود العدمي للانسان. فهو وجود الشخص الخاضع لسلطة الهم. كيف يمكن التخلص من هذه القوة ؟ في نظر هيدغر الخوف والقلق هما القادرين على تحرير الانسان من الهم. فالخوف هو خوف من شيء ما محدد ويشكل تهديد للذات الإنسانية. بينما القلق هو مفهوم مهم عند هيدجر لان تجربته مع القبظلق في علاقته بفكرة العدم، فهو يرى أن الانسان يقلق وذلك راجع لإدراكه بأنه محكوم في النهاية بالموت الذي هو العدم نفسه، والقلق ليس هو الخوف؛ فالقلق الذي عايشه مارتن هيدجر ومنحه الإلهام لبناء نظريته ومفاهيمه، والذي تميز بكونه موضوعا غير مفهوم ومبهم، لم يكن مرتبطا بالشعور بالذنب بعد إرتكاب خطيئة ما كما عند سيرن كيركيجارد، وإنما نشأ من الخوف من العدم، وكان مصدره الوجود وهنا يقول هيدغر “وما القلق إلا حالة الخوف المطلق أمام العراء المطلق.” وبهذا يكون الخوف هو إنفعال يدفع الإنسان الى الهروب من الواقع عبر الثرثرة والفضول والإلتباس ،ويلتجئ الانسان الى هذه الأشياء خوفا من مواجهة العدم، في حين نجد القلق هو الذي يجعل الانسان يتعرف على وجوده اللامشروع وبهذا يكون القلق عند هيدجر الألية التي تهدم ما يبنيه الهم.

4- صيغة الوجود من أجل الموت : هذه الصيغة ليست كمالية للانسان وإنما تدميرية كليا له. يقول هيدغر “الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعلم أنه سيموت.” بالتالي فهو يعي أنه سيموت لوحده. بهذه الصيغة الجديدة يكون الإنسان عند هيدغر لم يكتمل بعد فوجوده مؤجل، فالموت يرغم الفرد أن يجعل منه سببا وحيدا لوجوده ، لان موته هو الإمكانية الأخيرة، وهذا ما يجعل حرية الإنسان عند هيدجر تكون سلبية لانها تضع الإنسان في حيرة وأمام إختيارين إما الحياة الكاذبة أو الموت. إذن الموت عند هيدجر هو الذي يجعل الفرد يمتلك ذاته في أعلى درجة، لان بمواجهة الموت تنكشف الحرية ليكون الإنسان ما يريد أن يكون، وكأن الموت لا يدفع بدوره الى الهروب من الحياة نحو ضلالات الهم، بل يدفعه إلى أقصى إمكانته والحرية العميقة .

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك