هل تصدق أنَّ مليارات المخلوقات تعيش معك في غرفتك دون أن تدري؟!

هل تصدق أنَّ مليارات المخلوقات تعيش معك في غرفتك دون أن تدري؟! – طاهر يونس حسين

يحتوي الغرام الواحد من التربة على ما يقارب 40 مليون من البكتريا .. بمعنى يعيش على غرام واحد من التربة مخلوقات أكثر من عدد سكان بلاد الشام مجتمعين.. قد يقول أحدهم أنَّ البكتريا بالنسبة للإنسان مخلوق تافه لا يُرى بالعين المجردة و ليس له قيمة .. نقول له: أنَّ الشمس التي تتسع لمليون كرة أرضية بداخلها تصبح نقطة تافهة غير مرئية ليس بالنسبة للكون و إنما بالنسبة للمجرة .. بالنهاية هو مخلوق يتمتع بشيء اسمه الحياة له متطلبات وحاجات قد لا تدري عنها شيئا .
كنت قد تكلمت في مقال سابق عن عملية تكبير أنظف مخدة في أمريكا بواسطة مجهر يُكَبِر عَشَرات آلاف المرات .. فظهرَ لهم دابةً من فصيلةِ العناكب تُشبه الخروف، و هي ترعى على هذه المخدة كما يرعى الخروف في المرج الأخضر، و هي تأكُل فراكة جلد الإنسان التي تسقُط على هذه المخدة .
إن هذا العدد المرعب موجود فقط ضمن غرام واحد من التربة، فكيف بالمخدة التي تم تكبيرها بواسطة مجهر يكبر عشرات الآلاف من المرات.. ليجدوا مخلوقاً يرعى و يسرح ويمرح و أنت لا تدري.. مخدتك التي تنام عليها لوحدها قد تحتوي مليارات من المخلوقات و الأمم التي لا تدري عنها شيئا، و هي أيضاً لا تبالي حتى بوجودنا و لا تعرف عنه شيئا.
صراحة لا أمل من تكرار مثال المخدة، لأنه مدهش و مذهل بشكل كبير، فعندما تشاهد مخلوقاً متكاملاً بعد عملية تكبير بالمجهر لثلاثين ألف مرة مثلاً .. يقودك لسؤال خطير أين يقع هذا المكان الذي رأيناه بعد تكبير لثلاثين ألف مرة و الذي يعيش فيه هذا المخلوق حياة نظامية متكاملة، و ما هو مستوى الزمان فيه و ما هو مستوى الأبعاد فيه.. و كأننا ندخل من فتحة تنقلنا لزمان و مكان جديد منفصل كل الانفصال عن مكاننا و زماننا.

” وَ مَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون” الأنعام: 38

” الخاروف الذي يرعى على مخدتك دون أن تدري به .. وهي صورة اقتبستها من برنامج العلم و الإيمان للدكتور مصطفى محمود “

كنت قد تناقشت مع رجل ملحد ممن يحضرون لنيل شهادة الدكتوراة في إحدى الجامعات الأوربية، وحاول الرجل أن يبهرني بنظرية التطور من خلال اللعب بالألفاظ و الفلسفة الفارغة التي لا تخدع إلا البسطاء، و كنت أقرأ كلماته و هو يحاول أن يبين لي كيف أن داروين قد قضى على الإله حسب زعمه ( كان من الأولى لداروين أن يمنع عن نفسه الموت قبل أن يقضي على الإله)، و لكن هو أثبت سطحية ما بعدها سطحية، وهو نفس منهج جميع الملحدين المنبهرين بنظرية التطور و غيرها من النظريات العلمية التي يبنون عليها حكماً مطلقاً بعدم الإيمان بوجود الخالق.
سأبين بشكل مفصل الخطأ الكبير الذي وقع به مثل هؤلاء.. إنَّ نظرية التطور تقول باختصار شديد: أنَّ الحياة قد نشأت نتيجة لتحول تراب الأرض بطريقة ما إلى كائنات حية بدائية.. ثمّ بدأت هذه الكائنات بالتطور بشكل تدريجي عبر عملية تراكمية استمرت لمليارات السنين، حتى أنتجت لنا هذا الكم الهائل من أشكال الحياة.
هؤلاء السادة يحاولون أن يبهرونا بنظرية التطور و هم تناسوا أو تغافلوا أن نظرية التطور ليس لديها أي جواب عن استفسارات مثل من أين جاءت البذرة الأولى للحياة؟ و كيف دبت الحياة فيها؛ لأنها غير مهيأة بالأساس للإجابة على هذه الاستفسارات.. كون هذه النظرية لا تبحث عن الأصل الذي جاءت منه البذرة الأولى للحياة.. بقدر ما تفصل في آلية التطور حتى وصلنا إلى هذا التنوع الرهيب من الكائنات الحية، فنظرية التطور ليس من اختصاصها معرفة أصل الحياة على وجه الأرض، و تراهم يتكلمون عن تفسير منطقي تتفرد به الداروينية، وكأنَّ الداروينية قد حلت لغز الحياة! !.. قصارى ما بلغته الداروينية هو تفسير نشأة بعض الأنواع من بعضها الآخر، و حتى التطورية المعاصرة لم تتطاول لتفسر نشأة الحياة من حيث هي، فهناك فرق جوهري و كبير بين نشوء و تطور الأنواع من بعضها البعض، وبين نشأة الحياة نفسها، فحتى الآن لا يوجد أي مخلوق على وجه هذه الأرض يعلم بشكل مطلق كيف نشأت البذرة الأولى للحياة، ومن أين أتت؟.
نقطة أخرى هم لا يزالون يتكلمون عن نظرية داروين الأولى التي عفا عليها الزمن، و نسوا أنَّ الاكتشاف الذي أصاب علماء التطور بصدمة كبيرة.. هو اكتشاف الشيفرات الوراثية في منتصف القرن العشرين، حيث تبين أن جميع مواصفات تصنيع الكائن الحي قد تمت كتابتها بطريقة رقمية مشفرة على شريط الحامض النووي DNA الموجود في كل خلية من خلاياه، و قد تبين أن جميع أنواع الكائنات الحية يبدأ تصنيعها من خلية واحدة تنقسم بشكل متكرر تحت سيطرة هذا الشريط الذي يقوم بتصنيع كل جزء من أجزاء هذا الكائن، كما أن المعلومات الوراثية تكون مكتوبة على هذا الشريط بنفس الطريقة الرقمية التي يتم فيها تخزين المعلومات في أجهزة الحاسوب، و يعود سبب هذه الصدمة إلى اكتشافهم الذي يقول: أنَّه لا يمكن تعديل أيّ جزء من أجزاء الكائن الحي مهما بلغت بساطة تركيبه إلا من خلال تعديل المعلومات المشفرة المكتوبة على هذا الشريط، و هذا يعني أن عملية تطور أيّ كائن حي إلى كائن حي آخر يتطلب إعادة كتابة برنامج التشفير الرقمي المخزن على شريط DNA، وهذا يتناقض مع التصورات التي وضعها دارون لعملية تطور الكائنات، و بعد هذا الاكتشاف اضطر علماء التطور إلى تعديل نظرية التطور بشكل يتناسب مع معطيات هذا الاكتشاف، و قد أطلقوا اسم نظرية التطور الحديثة على هذه النظرية المعدلة، و تعتبر الطفرات الوراثية و ما يسمى بالانحراف الجيني أهم آليات التطور في هذه النظرية الجديدة، و ذلك بعد أنَّ تبين أن آلية الانتخاب الطبيعي تلعب دوراً هامشياً في عملية التطور، و الطفرات باختصار شديد هي التغيرات الحاصلة في تسلسل المعلومات الوراثية المبرمجة و الموجودة على شريط الـ DNA ، و التي يتم تمريرها إلى الأبناء، و نتيجة تراكم هذه التغيرات عبر الأجيال تؤدي في النهاية إلى حصول تغيرات جذرية في الكائنات الحية، و ذلك عبر مسيرة تطور تمتد عبر مئات من ملايين السنين.
باختصار شديد.. كل الكائنات الحية الموجودة على سطح هذه الكرة الأرضية يتم تخليقها بناء على المعلومات الوراثية المخزنة على شريط الـ DNA .. أي أن الإنسان عبارة عن معلومات برمجية مشفرة داخل جزيء الدنا، و عن طريق آلية معينة داخل الخلايا يتم فك تشفير هذه المعلومات ثم تحويلها إلى إنسان حقيقي من لحم و دم.

إنَّ الخلية الحية تشكل الوحدة الأساسية التي يتركب منها الكائن الحي، و الخلية بحد ذاتها عبارة عن كيان معقد بشكل عجيب، فهي عبارة عن مصنع ضخم يقوم بعمليات بالغة في التعقيد، ففي داخل كل خلية نرى نموذجاً مُصغرا للكائن الحي بأكمله، و هناك كائنات حية تتكون من خلية واحدة فقط مثل الأميبا و البراميسيوم، و هي عبارة عن خلية واحدة قائمة بذاتها تقوم بكافة الوظائف الحيوية لذلك الكائن، و جميع الخلايا الحية تشترك في مجموعة من السمات المشتركة تشمل الشفرة الوراثية متمثلة بجزيء الــ DNA الذي يتم فيه تخزينُ المعلومات الخاصة بكيفيةِ عملِ الخلية، و كذلك صفاتُ الكائن الحي التي سيتمُ تمريرُها إلى الأجيالِ القادمة، و تكون هذه المعلومات مُشَفرة “كما نُشَفر المعلومات و ننقلها عبر الانترنت”..حيث يتم نقل المعلومات المشفرة من ال DNA إلى أجسامٍ موجودة خارج الخلية اسمها الريبوزرومات، و يقوم بنقل المعلومات حمضٌ نووي اسمه RNA “يقابل الأسلاك في الشبكة”، و تقومُ الريبوزومات بفك الشيفرة، و فهم محتوَاها و تُكَوِّن الأحماض الأمينية و البروتينيات التي تقوم بمعظم وظائف الخلية.. أي تحويل هذه المعلومات إلى كيانات حقيقية ممثلة في البروتين الذي يقوم بوظيفة معينة أو يدخل فى هيكل و بناء الكائن الحي.. بالإضافة إلى غشاء الخلية الذي يعمل كحاوية و بوابة ذكية للخلية.. كما تضم الخلية مئات من الأنزيمات و المسارات الأيضية اللازمة لتوليد المواد اللازمة للتفاعلات السابقة .. إنَّ كل هذا التعقيد يتم في خلية واحدة، و جسم الإنسان يحوي عشرات المليارات من الخلايا .
عندما سألناهم كيف يمكن للطبيعة أن تكتب معلومات برمجية – و ياليتها اكتفت فقط بكتابتها بل قامت أيضاً بتشفيرها، ثم بطريقة ما يتم فك شيفرة المعلومات البرمجية وتحويلها الى كائن حي- كانوا يقولون أن هذا التعقيد والتشفير لم ينشأ مرة واحدة.. بل هو تراكم تطوري عمره بعمر الحياة أي أربعة مليارات سنة من التفاعلات الكيميائية بين العناصر الثقيلة، وهذه العناصر جاءت من النجوم، والنجوم تكونت من الهيدروجين، والهيدروجين تكون من الجزيئات التحت-ذرية، وهذه جاءت من الجزيئات الافتراضية التي لها القدرة على النشوء من العدم والعودة للعدم، و على الرغم من أنه كلام تافه وسخيف و لا يقنع حتى الأطفال، و كأن الأمر هوشة عرب و خبط عشواء.. كيف يمكن للجزيئات الكيميائية الصماء الغير عاقلة أن تبرمج معلومات و تشفرها فضلاً عن تحويلها إلى كائن معقد عجيب كالإنسان، و مع ذلك سقنا معهم وقبلنا هذا الكلام التافه، و لكن نسوا أن أول بذرة للحياة كانت تحتوي على معلومات وراثية مشفرة على أساسها تم تخليق أول كائن حي، ومهما بلغت بساطته إلا أنه يحتوي على معلومات مشفرة غاية في التعقيد.. من الذي برمجها و شفرها قبل عملية التطور التي استمرت لمليارات السنين؟!.. لو أردنا تشكيل جزيء الدنا الذي لا يرى بالعين المجردة على مبدأ الصدفة الذي يقولون به.. أي اجتماع جزيئات كيميائية مع بعضها البعض بطريقة عشوائية لتشكيل هذه المعلومات المشفرة، فإننا نحتاج لتشكيله إلى زمن أكبر من زمن الكون .. كما أننا نحتاج إلى مادة أكبر من مادة الكون مجتمعة، لأنك لو أردت أن تشكل غرفة منزل عن طريق الصدفة احتماليا كأن تجتمع المواد مع بعضها البعض، فإن عملية التجميع هذه تحتاج إلى مواد من بحص وحديد و شمينتو..إلخ، و في كل عملية تجميع سوف نستهلك هذه المواد حتى نفرغ من مادة الكون كون عدد احتمالات التشكيل مرعب لا يتخيله عقل بشر .
جزيء لا يرى بالعين المجردة نحتاج لتشكيله رياضياً إلى زمن أكبر من زمن الكون و مادة أكثر من مادة الكون، ولازال هؤلاء يستخفون ومصرين على الاستخفاف بعقول البشر.
إنَّ قول هؤلاء أن عملية تجمع الجزيئات الكيميائية مع بعضها صدفة لتشكيل معلومات وراثية مشفرة أنتجت لنا كل هذا التعقيد.. يشابه قولنا أن نأتي إلى مصمم لعبة الفيفا، ثم نقول له نريد منك تصميم برنامج يقوم بخلط التعلميات البرمجية مع بعضها عشوائياً لتوليد لعبة الفيفا 2015 مع تصميات أشكال اللاعبين العالميين مثل رونالدو و ميسي .. إلخ، سيكون هذا المهندس قادرا على تصميم هذا البرنامج الذي يقوم بتوليد تعليمات برمجية تختلط مع بعضها عن طريق الصدفة، ولكن هذا البرنامج لو بقي يجرب إلى الأبد، فإنه لن ينتج لنا لعبة “فيفا 2015 ” لأنَّ عدد الاحتمالات لانهائي، فهو يحتاج إلى زمن اللانهاية لإنتاجه وقد لا يستطيع أن يجد التوليفة المناسبة، وكل هذا لو قام مبرمج بتصميم هذا البرنامج الذي يجمع التعليمات مع بعضها البعض.. أي من قام بهذه العملية هو إنسان ذكي وليس طبيعة صماء، فكيف لو قامت هذه التعليمات البرمجية بالاجتماع مع بعضها البعض دون مبرمج.. إن هؤلاء الجهلة يقولون باختصار أن هناك معلومات برمجية قد اصطفت لوحدها دون صانع، و بعد ذلك قامت بطريقة ما بكتابة شيفرة وراثية لبكتيريا، ثم قامت هذه التعليمات بتعديل نفسها عبر الزمن لتوليد إنسان غاية في التعقيد.
لو سألتم مهندس برمجيات.. هل من الممكن أن تتواجد معلومات برمجية تنتج لنا برنامج كمبيوتر معقدا.. كالبرنامج الذي يتعرف على بصمة إصبع الإنسان، و ذلك لوحدها بالصدفة دون صانع، فإنَّه سينفجر عليكم من الغضب، لأنَّ علم البرمجيات هو من أعقد و أصعب العلوم على الإطلاق، و لا يمكن أن يعمل في هذا المجال إلا أصحاب العقول الذكية الراجحة، فما بالكم ببرمجة جزيء الدنا الذي يحتوي على معلومات مشفرة قد أنتجت لنا كائناً معقداً كالإنسان.. الإنسان الذي يحتوي عقلاً جبارا و عيوناً و آذاناً و يدين و رجلين و خلايا و أعصاب و عضلات و مشاعر نفسية على تعقيدها المرعب
ثم إنه لدينا أسئلة كثيرة نوجهها لهؤلاء.. لماذا من بين أكثر من خمسة ملايين نوع من الكائنات الحية لا يوجد إلا مخلوقاً واحداً عاقلا؟ هل رأيتم خاروفا يطبخ المعكرونة أو زرافة تلبس الطقم الرسمي؟ الخاروف يأكل الحشيش منذ آلاف السنين و لم يتغير حتى الآن.. المخلوق الوحيد الذي يتغير هو الإنسان.. إن يسبح بشكل عجيب نحو التطور الخارق.. وما زالت القرود تلعب على الشَّجر، فلا هي تصنع سيارات و لا تبرمج لنا معلومات.
هم يلعبون بالألفاظ، وينسبون للطبيعة صفة العقل والإرادة والتدبير والحكمة والاختيار و الاصطفاء من حيث لا يدرون، وهي صفات لا تنطبق إلا على خالق، و ليس على طبيعة غبية صماء ليس لها عقل .. إنهم جهلة بكل ما للكلمة من معنى، و العلم الذي يتبجحون به.. حجة عليهم لا لهم.. في الأرض يوجد أكثر من خمسة ملايين نوع من أنواع الكائنات الحية بالإضافة إلى الملايين من الأحياء المنقرضة.. لماذا آلية التطور هذه لم تنتج لنا من بين أكثر من خمسة ملايين نوعاً إلا مخلوقاً واحداً يملك عقلاً جباراً و ذكيا.. ألا و هو الإنسان؟ طالما أنَّ الأمر صدفة بصدفة، على الأقل لا أقول آلاف المخلوقات العاقلة.. بل سأخفض الأمر إلى مخلوق واحد عاقل يتشارك مع الإنسان الفكر و الإبداع.. ما هذه المصادفة العجيبة التي اختارت مخلوقاً واحداً فقط و جعلت بقية المخلوقات دواباً غبية ؟ طالما أن مسيرة التطور تتم منذ مليارات السنين.. لماذا لم تخرج لي مخلوقاً آخراً عاقلا ؟ ألا يدل ذلك على اصطفاء واختيار يد قادرة تعرف ماذا تريد.

ما أروع هذه الصدفة التي تنتج لي هذا الكم الهائل من الحياة المبهرة بكل أنواعها.. إنَّها صدفة تمتلك صفة الذكاء و العبقرية و الحكمة البالغة و التنوع الهائل بحيث جعلت لي تنوعاً جميلاً في الحياة و مناسباً حتى لمزاج الإنسان.. و كأنَّ لهذه الصدفة عقلاً مفكراً حكيما، و مِن ثمَّ طالما أنَّ الصدفة قادرة على فعل كل هذا… لماذا لم تشكل لنا هذه الصدفة في طريقها و هي تبني هذا الكون المعقد.. طائراتٍ و سيارات و بيوتاً و منتزهات و مطاعما.. طالما أنَّها قد أنتجت أشياءً معقدة أكثر بمليارات المرات من هذه الأشياء ؟.. أم أنَّ هذه الصدفة بعقلها الحكيم المفكر قد أوكلت هذه المهمة إلى الإنسان الذي أوجدته بالصدفة.. أنا هنا لا أستهزئ و إنما أسأل سؤالاً حقيقيا .. لماذا لم تشكل الصدفة أو عملية تطور الكون طائرات وسيارات؟! .. الإنسان لم يأت بالطائرة من العدم بمعنى أن كل مواد الطائرة من حديد و الألمنيوم ..إلخ.. موجودة في الطبيعة منذ مليارات السنين.. لماذا لم تتجمع مع بعضها لا أقول دفعة واحدة، و إنما عبر مسيرة التطور الكونية، ففي المرة الأولى يجتمع الجناحان ثم الهيكل ثم الذيل ثم الوقود الموجود أيضا في الطبيعة.. ألا تعمل الشمس على وقود نووي منذ مليارات السنين، ثم في النهاية بعد ثلاثة مليارات سنة نحصل على طائرة كالتي صنعها الإنسان.. ألم يتشكل بزعمكم كل الكون من شمس و كواكب و نجوم ومجرات بهذه الطريقة عبر مسيرة تطور الكون .. ما الذي يمنع؟!! .. مواد الطائرات والسيارات والبيوت و المطاعم كلها موجودة في الطبيعة منذ أكثر من أربعة مليارات سنة.. كل ما هنالك عملية تجميع كما تجمعت العناصر الأخرى عبر مليارات السنين، ثمَّ شكلت النجوم والمجرات و الكواكب والجبال و الأنهار والوديان .. أنا أتكلم بكامل الجدية و لا أستهزئ.. لماذا لم تشكل الطبيعة عبر مليارات السنين طائرات وسيارات و كمبيوترات؟!.. ألم تشكل لنا أشياء أعقد من الطائرات بمليارات المرات.. علينا أن نتوقع كافة الاجابات لذلك سيأتيني رجل محترم و يقول أنت لم تفهم نظرية النشوء و الارتقاء، و لو فهمتها لما سألت لماذا لم تشكل الطبيعة طائرات و سيارات؟ .. نرد عليه أنَّ تشكيل الطائرات و السيارات ليس له علاقة بنظرية التطور .. لأن نظرية التطور تختص بتطور الكائنات الحية من مخلوقات بدائية إلى كائنات معقدة، والطائرات و السيارات ليست كائنات حية، و إنما ينطبق عليها مفهوم تطور الكون أي ضمن مستوى أعلى.. الكون الذي شكل نجوم و مجرات بإمكانه أن يرفع عضاضات المنازل و القصور ثم يقوم بصب السقف بالباطون، و بعدها تشكيل الغرف والمنافع و المطابخ ..ما الذي يمنع؟!! أيهم أعقد تشكيل غرفة مع منافعها أم تشكيل شمس تتسع لمليون كرة ارضية و تسبح في الفضاء بوقود نووي منذ أكثر من أربعة مليارات سنة.. الكون الذي شكل الشمس بالصدفة.. من السهل عليه أن يشكل غرف و مطابخ و تواليتات عربية و افرنجية تناسب عقول هؤلاء
يا لها من صدفة أنحني لها إجلالاً و إكباراً على ما تحتويه من ذكاء و فكر، فقد قامت بخلق كل شيء عبر مسيرة التطور، ثمَّ تركت الباقي للإنسان ليكمل عنها المسير.


” وَ كَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُون ” يوسف:105-106

أما اعتماد المنطق ” العقلي الصوري “في تفسير ما حدث قبل انبثاق العقل بمليارات السنين..كالبحث عن الماهية الإلهية بشكل مطلق، فهذا لوحده يحتاج إلى مقال مفصل و مطول، و لكن سأطرح بعض التساؤلات لكي أحفز القارئ على التفكر في هذه المسألة المهمة جداً.. إنَّ عمر البشرية على سطح هذه الكرة الأرضية هو عشرات من آلاف السنين، وسأضخم العدد و أعتبره مئتي ألف سنة .. كيف يمكن لعقل تكون من 200 ألف سنة أن يحيط بالحقيقة المطلقة قبل وجوده ليشمل رواية عمرها عمر الأزل؟!!
و من ثم إن الإنسان مصنوع من طينة هذه الأرض .. كيف لشيء طيني أن يصل لماهية خالق الطين ؟! الكرة الأرضية بكل ما تحتويه تشكل شيئاً غير مرئي ليس بالنسبة للكون بل بالنسبة للمجرة، فكيف بالجسد الإنساني؟!
نقطة مهمة جداً و هي تحتاج إلى تفكير عميق .. من المعلوم أن الروبوتات مبنية على معلومات برمجية .. وبناء على برمجيات الذكاء الصنعي يقوم الروبوت بأداء مهام معينة تتوافق مع ما بُرمج عليه، وأنت كإنسان عبارة عن روبوت رباني مبرمج بشكل عجيب و متطور بحيث أن الروبوت الصناعي الذي صنعه الإنسان عبارة عن آلة مسيرة لما برمجت عليه، و لكن برمجة الإنسان متطورة بحيث أنه كائن حر يملك حرية الاختيار والتفكير المجرد، و برمجة شريط الدنا تثبت ذلك، فمن معلومات مشفرة داخل هذا الشريط تمت صناعة الإنسان، و لكن مع ذلك هناك حدود لهذا الروبوت المسمى الإنسان.. و سأضرب مثالاً بسيطاً على مستوى ما يسمى بالبديهيات العقلية، فهناك بديهيات مغروزة بالعقل البشري نسلم بها دون الحاجة لكي نبرهنها ..هذه جاءت مبرمجة من المصنع الرباني .. متعلقة بمفاهيم مثل الأرقام .. أعلى .. أسفل .. أصغر .. أكبر .. إلخ
لا أحد يطلب منك البرهان.. لماذا الكل أكبر من الجزء؛ لأنها بديهيات موجودةٌ أساسًا في نسيج العقل، و نقوم بالتسليم على صحتها دون نقاش.. لو فرضنا جدلاً أن الإنسان قد جاءت معه بديهية عقلية من المصنع الرباني.. مغايرة بشكل تام للبديهية الأصلية التي نعرفها .. على مستوى الأرقام أو الأحجام مثلا.. أي أنه ضمن هذه البديهية تنقلب الحقيقة عما نعرف أو تصبح قاصرة عن الفهم الكلي، بالتالي لو جاء مخلوق -من عالم آخر- أكثر تطورا من الإنسان، و حاول لمئة سنة أن يبين قصر فهمك في هذه النقطة، فإنك لن تقتنع لأنها معلومة موجودة بشكل تلقائي في نسيج عقلك، هل يستطيع أي مخلوق على وجه الأرض أن يقنعك أن 5 أكبر من 22 ؟ هذه بديهية في عقلك و لكن ما يدرينا أنها تمثل الحقيقة المطلقة؟.. لو كانت تركيبة عينيك تسلكوبية لرأيت أن المسافة بينك و بينك النجم بضعة مترات، و لو كان لعدسة عينك تركيبة تكبير لرأيت النملة غولاً كبيرا، و لو رأيت من العدسة السحرية لباب المنزل لرأيت أنَّ مسافة المنزل المقابل لكم أبعد من الحقيقة، ولو كان لعقلك برمجة جديدة و بديهيات أخرى.. لا نقلبت المفاهيم رأساً على عقب، و أنت كذلك كإنسان بإمكانك بعد تطور العلم بعد أربعمئة عام مثلاً أن تطور روبوتاً متطورا جدا يملك نوعاً من التفكير .. هذا الروبوت سيبقى في حيرة من الصانع الذي صنعه، و لن يصل إلى استفسارات خارج البديهيات التي برمج عليها .. نعم هذه بديهيات، و لكن قد تكون معقدة بشكل لا يتصوره عقل بشر.. لذلك من المستحيل أن يحيط الإنسان بكل الرواية .. لا يمكنه أن يفهم معنى الأزلية و الأبدية .. هو عبارة عن مخلوق متطور و لكن ضمن المكان و الزمان و ضمن البديهيات التي انطلق على أساسها، و بالتأكيد سيكون هناك أشياء أعمق و أعظم من كل هذا ضمن العقل الرباني المطلق .. فكما أن عقل الروبوت لا يساوي شيئاً أمام عقل الإنسان، فإن عقل الإنسان لا يساوي شيئا أمام العقل الرباني صاحب العلم المطلق العظيم .. ” وَ تِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَ مَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُون ” العنكبوت: 43

كل ما توصلت إليه البشرية يبقى تصورات حسب تركيبة هذا العقل، و ليس بالضرورة أن تمثل الحقيقة المطلقة، فلو كنا نرى عن طريق أشعة اكس لرأينا بعضنا البعض كهياكل عظمية .

” وَ لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا.. أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَل .. أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُون ” الأعراف :179
صدق الله العظيم

و للمزيد بإمكانك الإطلاع على مقالتين كنت قد كتبتهما سابقاً

لماذا يشكل العقل البشري أداة قاصرة لفهم الغيب .. كالخلود و أزلية و أبدية الله؟.
http://maktaba-amma.com/?p=7373
مقال مبسط في فلسفة العلم .. هل يصلح العلم كأداة لإطلاق الأحكام الشاملة على المفاهيم الغيبية ؟
http://maktaba-amma.com/?p=11098

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك