حروب الردة هل كانت حروباً عقائدية ؟

حروب الردة هل كانت حروباً عقائدية ؟ – سامح عبد الله

” عمر : “ماذا أنت صانع يا خليفة رسول الله ؟”
أبو بكر : ” القتال يا عمر “
عمر غاضبا : أتقاتل من شهد بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله !! “
أبو بكر أشد غضباً : ” والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة”

( الخامسة عشر )

لا أعلم خلافاً وقع بين قائد ووزير مثلما وقع بين أبي بكر وعمر بشأن حروب الردة.
كان الرسول الكريم قد أعد بنفسه قبل وفاته جيش أسامة بن زيد صاحب العشرين عاما لمقابلة أنصار الروم في بلاد الشام ولم يكن الجيش قد تحرك.
ومات الرسول وكان علي خليفته أبي بكر أن يواصل ما بدأه الرسول
سير جيش أسامة إلي أطراف الشام.
كان الأمر علي ما يبدو مستقراً حين وفاة الرسول وبصرف النظر عما تم بسقيفة بني ساعدة فلم يلحظ ثمة بادرة تمرد.
لكن الأمر لم يدم طويلاً وكانت البداية حينما أرادت قبائل عبس وذبيان وغيرها أن تمتنع عن أداء الزكاة.
وهنا وقع الخلاف بين الرجلين… بين القائد والوزير
بين أبي بكر وعمر..
رأي أبو بكر في حزم مقاتلة القبائل التي أرادت أن تمتنع عن أداء الزكاة وكانت حجته عندما ناقشه عمر في هذا الشأن هو مقولته ” والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم لقاتلتهم علي منعه”
لكن عمر الذي كان يستمع لم يهز رأسه بالموافقة مردداً ذلك القول الذي كثيرا ما أطاح بمصير رؤساء وزعماء في حروب خاضوها.. لم يقل له عمر نعم !
بل عارضه في هذا الرأي وقال له غاضباً “كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتي يقولوا لا إله الله وأن محمدا رسول الله، فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها حسابهم علي الله “
وهنا رد أبو بكر ” والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة الزكاة، فإن الزكاة حق المال، وقد قال : إلا بحقها “
حوار دار بين القائد والخلفية بموجب السلطات المخولة له من البيعة أو نظام الشوري الذي أنتخب علي أساسه وبين الوزير الأول الذي كان يقوم بنفس هذا الدور منذ عهد رسول الله..
حوار فريد بين رجلين كل منهما نظر إلي الأمر من زاويته
رجل رأي أن لا فارق بين الصلاة والزكاة وآخر قال أن دمائهم معصومة بالإيمان !
والحقيقة أن أبو بكر قد خاض نوعين من حروب الردة..
الأولي قبل هؤلاء الذين قالوا له كنا نؤدي الزكاة لرسول الله وقد مات لكنهم ظلوا علي إيمانهم بالرسالة.
والثانية قبل هؤلاء الذين خرجوا عن الدين وإرتدوا عنه.
وهنا لا بد من وقفة من أجل وضع هذه الحروب في قالبها الحقيقي ووصفها الصحيح..
ودعونا نسأل بكل صراحة..
.. هل كانت قتال من أجل الدين
أم كان إخماد لحركات تمرد وإنفصال عن الدولة ؟
فأما عن الأولي فلست أجيب عليها بأكثر بما جاء بكتاب الله عز وجل بنصوص قطعية الثبوت و الدلالة إذ يقول الله تعالي في سورة البقرة الآية 256 ” لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ” صدق الله العظيم.
ويقول أيضا عز وجل مخاطبا رسوله في سورة يونس الآية 99 ” ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين.. ” صدق الله العظيم.
ثم يقول تعالي في شأن من يرتد عن دينه في سورة البقرة الآيه 217 ” ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.. ” صدق الله العظيم.
ويقول أيضا عز من قائل في سورة المائدة الآية 54 ” يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة علي المؤمنين أعزة علي الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولايخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم “
صدق الله العظيم.
هذه عن الأولي وواضح من الآيات وغيرها بدلالة قطعية أن لا إكراه في الدين..
وواضح أيضا أن عقوبة المرتد هي الخزي في الآخرة والخلود في النار وأن الله عز وجل يأتي بقوم يحبهم ويحبونه !
فالإيمان هنا مصدره ومنبعه الحب وليس غيره كما جاء في الآيه الكريمة.. ” يحبهم ويحبونه “
ومن ثم فلا أري أن تلك الحروب كانت من أجل الإكراه علي الدين وإلا وقعنا أمام مخالفة صريحة وواضحة وقطيعة لنص قطعي !
وإنما أري في حروب الردة أنها كانت إخماد لحركات إنفصالية عن الدولة التي بدت ملامحها جلية عند وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم.
لم يكره أحد علي الإيمان.. ولم يعتد علي مسالم مهما كانت عقيدته والآيات والأحاديث الكثيرة تؤكد علي ذلك
و ما آتاه أبو بكر كان إخماد لفتنة هى من أولويات أى قائد أضحي مسئولاُ عن أمن أمة والحفاظ علي حدودها من أى انفصال وأظن أن التاريخ قد عرف حروباً كثيرة قامت من أجل القضاء على حركات انقصالية تفتت أرجاء الدولة.
فقد بدا أبو بكر كما يقول الدكتور محمد حسين هيكل في مؤلفه الفاروق عمر كرجل نظام مسئول عن شئون الدولة.
لقد أخذ الرجل القرار الذي كان سيتحتم أن يتخذه كل رجل دولة منذ عصر أبي بكر وحتي وقتنا الحاضر..
كانت حرباً في رأينا لإخماد فتنة وانفصال وتمرد
كانت حرباً من أجل أمن قومي بمفردات العصر الحديث..
لم تكن حرب من أجل الإكراه علي الدين ولكن من أجل الإبقاء علي الكيان متواصل ومتماسك..
حرب تخوضها دولة مدنية ضد إنفصاليين إتخذوا من الدين حجة وشعار !
لقد أدرك عمر تلك الحقيقة رغم معارضته القوية لهذه الحرب فرأي أن من واجبه أن يبقي كوزير أمين عليه أن يقدم المشورة و كجندي مخلص عليه أن يقدم الفداء..
وصارت الحرب.. وأخذت الدولة منحي آخر
وكانت بداية لظهور نجم جديد فيها إسمه خالد بن الوليد
وللحديث بقية..

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك