لماذا يتأخر الغربيون فى الزواج؟ – بقلم: محمد عادل

نستطيع ان نطلق على هذا الفعل الشائع فى الغرب الان, ومنذ فترة طويلة نسبيا حتى, اسم “ظاهرة” اجتماعية, لعوميتها وشيوعها, بين المشاهير وغير المشاهير, كما نرى فى الافلام الامريكية مثلا, التى تصور حياة الانسان “العادى”, اى لماذا يرتبطان الشخصان “عاطفيا” فقط, او بشكل “غير رسمى”, وبالرغم من ذلك يعيشان معا كالازواج تماما بل قد ينجبان ايضا! وبالرغم من ذلك يظلان دون ارتباط او “زواج رسمى”, ولماذا اذن يتزوجان بعد كل تلك السنين, وربما الانجاب ايضا, اذا كانا قد قنعا بالارتباط “غير الرسمى”؟, سوف نحاول الاجابة عن هذه الاسئلة فى هذا المقال.

1-العامل الدينى:
كان الدين فى الغرب, كما فى اماكن عديدة, المصدر الاساسى والدافع الاول للزواج, عن طريق عدة طرق, منها السماح بممارسة الجنس عن طريق الزواج فقط, واضفاء “قداسة” على فكرة “الزواج الرسمى” الذى اصبح من شعائر الدين ولا يتم او يجوز الا بمباركته, وايضا اضفاء نوع من القداسة والواجب الدينى على فكرة الانجاب وتكوين الاسرة والامومة والابوة, ولكن, فى العصر الحديث, تغيرت الافكار والمفاهيم, ولم تعد لفكرة “الزواج الرسمى” نفس الالزام والتأثير على الافراد, وايضا ظهر “زواج رسمى” من نوع اخر, الا وهو “الزواج المدنى”, الذى يحفظ حقوق الزوجين المادية تجاه بعضهما, ولكن بغروب فكرة “الزواج الرسمى”, والواجب والقداسة اللاتان ابتدعهما الدين, اصبحت فكرة “الزواج الرسمى” لا تحظى بنفس التأثير كما اشرنا,
مما قلل التزام الافراد بفكرة “الزواج الرسمى” عموما, و “الزواج الرسمى الدينى” خصوصا.

2- العامل الاجتماعى:
يعد “تحرير”المراة من اهم العوامل الاجتماعية لتأخرالغربيين فى الزواج, فلم تعد النظرة للمراة على انها انثى فقط, لا تصلح الا للانجاب وتربية الاطفال, وانما اصبح ينظر للمراة على انها انسان كامل وواعى مثل الرجل تماما, وانما ما اخرها عنه هو عدم اعطائها الفرصة المناسبة.
لذلك, ولاعطائها الفرصة المناسبة, ولمساواتها بالرجل, فان التعليم والعمل وحتى “الخبرة فى الحياة” اخروا المراة الغربية عن الزواج فى سن مبكرة نسبيا.
وبالاضافة الى غياب الواجب الدينى من “العقل الجمعى” كما اشرنا, وغياب تأثيره والزامه, فان الغرب حين دخل فى العصر الحديث او الصناعى, فانه ايضا دخل فى عصر “الفرد”, حيث اصبح الفرد هو الوحيد المتحكم فى قراراته واختياراته, ولم تعد هناك سلطة او ضغط اجتماعى عليه او على قراراته او الزام بطريقة عيش او افعال معينة, مما ساهم ايضا فى هدم “الوجاهة الاجتماعية” القديمة لفكرة “تكوين الاسرة”, بل اصبح هناك ايضا نوع من التمرد على المجتمع وانظمته الاجتماعية القديمة عموما, وخاصة “الزواج”.

3-العامل الاقتصادى:
نستطيع ان نرى بوضوح ان العامل الاقتصادى كان من اسباب تأخر الزواج فى الغرب, حيث الارتفاع فى مستوى المعيشة, وخروج المراة الى العمل, ابطل الدافع الاقتصادى القديم للزواج, من حيث “الاستثمار” فى المراة “ببيعها” الى رجل غنى, او التخلص من الشاب او الصبى فى سن مبكرة بإرساله إلى العمل لكى لا يكون عبئا اقتصاديا وايضا لمساعدة الاسرة ماديا, فحينها يستقل اقتصاديا فى سن صغيرة نسبيا, وبالتالى تزيد احتمالات زواجه فى سن مبكرة نسبيا ايضا, ولان لم تعد الشابة او الشاب يشعران بانهما يشكلان عبئا اقتصاديا على اسرتهما, او ان فى الزواج وضع اقتصادى افضل كثيرا عن وضعهما الحالى, بل على العكس, فاحيانا يكون مستوى معيشتهما خصوصا فى بداية الزواج “اقل” مما كان عليه عند اهلهما, ولهذا, فان الارتفاع فى مستوى المعيشة والحالة الاقتصادية, ساهم فى تأخر سن الزواج ايضا.

4- العامل الجنسى:
يعد الجنس من اهم العوامل لتأخر سن الزواج فى الغرب, فبخروج الجنس من نطاق الزواج القديم, اصبح الجنس الذى هو من اكثر العوامل دفعا إلى الزواج, متاحا بغير زواج, وقد ساهم التقدم العلمى ايضا فى هذا الجانب, حيث تطورت وسائل منع الحمل, ولم تعد ممارسة الجنس تعنى بالضرورة إنجاب الاطفال وتكوين الاسرة, فلم تعد عليه الضغوطات القديمة التى كانت تعيقه, فلم ينفصل مفهموم الجنس عن الزواج فقط, بل وانفصل حتى إلى حد ما عن مفهوم “الحب” فيما بعد ايضا.

5-إنجاب الاطفال:
نستطيع ان نعد انجاب الاطفال وتكوين الاسرة من العوامل القديمة الدافعة الى الزواج, ولكن فى العصر الحديث فى الغرب, تغير الحال تماما, حيث لم يعد ينظر للاطفال نفس النظرة “النفعية” القديمة, من حيث هم عمالة رخيصة فى حقل ابيهم, او لانهم سوف يرعون ابويهما فى الكبر, او حتى انهم سوف يكونون بمثابة “امتداد” للشخص فى المستقبل, حيث ادرك الاباء والامهات فى الغرب ان اطفالهم هم افراد منفصلون عنهم ولهم حرية ارادة واختيار, للعمل الذى سوف يعملونه او الشخص الذى سوف يرتبطون به او حتى ميلهم الجنسى, هذا من جهة, ومن جهة اخرى لم يعد الزواج التقليدى بالضرورة ما يثبت انتساب الابن للابيه, فالتطور العلمى وتحليل ال”دى ان ايه” اصبح يغنى عن ذلك, واصبح الالزام القانونى فى حين ثبوت الانتساب بلانفاق على الابن يغنى عن الزام الزواج, ولهذا, فان انجاب الاطفال اصبح هدفه الاهم والوحيد هو المتعة والاستمتاع بلامومة و الابوة من خلال تربية الاطفال, اى العطاء بلا انتظار اى مقابل مادى كان ام معنوى من الاطفال عندما يصبحون راشديين, فلهذا, اصبح الفرد فى الغرب ينتظر الوقت المناسب الذى يكون فيه مستعدا ماديا ومعنويا لتحمل مسئولية تربية الاطفال والعطاء بلا مقابل, فيكون هذا سببا اخر فى تأخر الغربيين فى الانجاب خصوصا, وفى الزواج عموما.

ولكن بعد استعراض هذه العوامل, لا نرى اسبابا او عوامل تأخر الزواج فقط فى الغرب, ولكن تكاد تهدمه ولا تبقى له سببا ولا دافعا, فيمكن ان نعكس السؤال هنا ونتساءل, لماذا يتزوج الغربيون الان اصلا؟!

الانسان هو الدافع:
يمكن ان نجيب على السؤال السابق, اى لماذا يتزوج الغربيون من الاساس, بعد غياب تأثير الكثير من العوامل, فنستطيع ان نجيب بان العامل الاهم والرئيسى لدى الغربيين الان هو الانسان, اى ليس بسبب ضيق اقتصادى او واجب دينى او ضغط ووجاهة اجتماعية او رغبة جنسية او حتى رغبة فى إنجاب الاطفال, انما اصبح السبب الاهم والرئيسى للعلاقة بين الرجل والمراة هو الحب والسعادة والتفاهم التى يجدها كل شريك مع شريكه, حب انسان معين والرغبة فى قضاء باقى العمر والموت معه, فبهذا فصل الغربيون “الحب” عن “الزواج” وعن كل العوامل الاخرى التى كانت ملتصقة به و مدخلة عليه, ليكون “الحب الانسانى” بين الرجل والمراة خالصا نقيا لا تفسده او تعكره الشوائب و المدخلات.

اما الزواج الرسمى, مدنى كان او خاصة دينى, فانه فى رايى اصبح مجرد تحصيل حاصل و”شكليات” غير ضرورية, وتأتى لاحقة وتابعة “للحب”, اى الانسان, وبعد رحلة طويلة فى الحياة مع انسان معين للتأكد من حبه للانسان اخر وحب ذلك الانسان له, وتوافقهما وسعادتهما معا, وان الانسان لا يحتاج الى “عقد رسمى” لكى يثبت حبه او يلزمه العيش مع شخص ما, انما ينبع هذا من داخله بكامل حريته ولانه يجد مع ذلك الشخص سعادته, فبهذا الشكل نجح الغربيون فى وضع الحصان اخيرا امام العربة, او وضع “الحب” او “الانسان” قبل فكرة “الزواج”.

واخيرا:
وهكذا نكون قد حاولنا فى هذا المقال معرفة الاسباب الرئيسية التى تجعل الغربيين يتأخرون فى الزواج, والسبب الذى يجعلهم يتزوجون من الاساس, ولو كانت تجربة الغربيين التى مازالت تتطور وتتقدم وتتحسن, بها بعض السلبيات, فإنى اظن ان الايجابيات اكثر, واظن اننا يجب ان نتعلم من هذه التجربة وهذه المفاهيم الجديدة عن الحياة عموما, والزواج خصوصا, من الغربيين.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك