تعرّف على كيف جُمع القرآن

تعرّف على كيف جُمع القرآن – بقلم: سامح عبد الله

وفي غزوة اليمامة استشهد ألف ومائتان من المسلمين كان من بينهم زيد بن الخطاب…
فحزن عمر عليهم حزناً شديداً وفي غمرة حزنه توجه إلي أبي بكر وعرض عليه لأول مرة فكرة أزهلته !

جمع القرآن..

الثامنة عشر…

توجه خالد بن الوليد إلي اليمامة علي غير رغبة عمر الذي أراد عزله عن الجيش بعد واقعة قتل مالك بن نويرة وزواجه بإمرأته التى أشرنا إليها سابقاً!..
وتحقق النصر لجيش خالد وكان إيذانا للقضاء علي الردة التي اجتاحت بعض القبائل العربية والتي قلنا أنها كانت حركات انفصالية عن الدولة المركزية أكثر من أنها ردة دينية.
لكن هذا النصر الذي تحقق خلف ورائه أحزاناً لا حدود لها
لقد استشهد ألف و مائتان من المسلمين كان من بينهم عدد كبير من حفظة القرآن وكان زيد بن الخطاب واحد منهم.
وقد حزن عليه حزناً شديداً إلي الدرجة التى جعلت عمر عند استقباله لمن عاد من المسلمين وكان من بينهم ابنه عبد الله يقول له ” ما جاء بك وقد هلك زيد.. ألا واريت وجهك عني ! “
فيجيب عبد الله وقد كان يعلم مدي حب أبيه لأخيه “سأل الله الشهادة فأعطاها وجهدت أن تساق إلىَّ فلم أعطاها “
لكن حزن عمر علي من استشهد من المسلمين وحزنه علي شقيقه لم يمنعاه من أن يفكر كرجل دولة مسئول
كان يعتريه القلق عندما يعلم بموت حافظ للقرآن فما بالك اليوم وقد مات عدد كبير منهم!..
لم يكن القرآن قد جمع بعد!.. كان محفوظاً بصدور الناس عن ظهر قلب وكان مكتوباً علي جريد النخل وغيرها لكنه أبداً لم يكن قد جُمع حتي اليوم.
وهنا تفتق ذهن الرجل علي فكرة كانت وقتها مذهلة بمعنى الكلمة..لقد فكر عمر فى جمع القرآن!.. توجه إلي أبي بكر حيث كان جالساً بمسجد رسول الله ودار هذا الحوار..
عمر: السلام عليكم يا خليفة المسلمين . (كان يبدو علي وجهه حزنا مثقلا بقلق بالغ)!..
ثم تابع.. إن القتل قد إستحر بقراء القرآن وحفظته يوم اليمامة وإني أخشى أن يستحر بالقراء في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن “
أبو بكر واجما من الفكره.. يصمت برهة مزهولا مشدودا بها ثم
يقول : كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله؟
عمر : إنه عمل يرضي الله ورسوله يا خليفة المسلمين !
(قالها عمر في هدوء فانسابت إلي قلب أبي بكر)
عمل يرضي الله ورسوله!..
(أبو بكر يردد عبارة عمر برفق وتدبر)
وهل كان هناك أحب إلي أبي بكر من شيئ يرضي الله ورسوله !
إنه الصديق المتبع لكل ما أتي به الرسول.. كان يصدقه من دون حجة والآن عمر يلقي عليه الحجة فتأخذ موضعاً في قلبه وتوافقاً في نفسه ورضاءاً بسريرته!..

وافق أبو بكر علي طلب عمر بهذا الحوار السهل اليسير الذي دار بن رجلين قلما يجود الزمان بمثلهما.
تعالوا نتأمل ماذا يعني هذا الحوار ونستخلص منه بعض نقاط تكشف لنا كيف كانت تدار هذه الدولة!..

لم تكن هل المرة الأولي التي يتوجه فيها عمر إلي أبي بكر لمحادثته في أمر هام..
لقد توجه إليه بموقعه هذا من قبل..
يوم أن عزم أبو بكر علي محاربة من امتنعوا عن أداء الزكاة وكان رأي عمر بخلاف ذلك لكن طلب عمر رُفض!..
ويوم أن توجه طالباً منه إستبدال قائد آخر بأسامه بن زيد هذا القائد الشاب يكون أكثر منه خبرة وسناً لكن طلب عمر رفض..
ويوم أن توجه إليه طالباً منه عزل خالد بن الوليد بعد حادثة مقتل مالك بن نويرة لكن طلبه أيضاً رُفض!..
واليوم يتوجه عمر إلي أبي بكر بطلب جمع القرآن فيجيبه أبو بكر!..
لم يغضب عمر ولم يأخذ موقفاً مناوءاً ولم يتردد في أن يتجه إلى القائد لعرض عليه أمر مثل هذا.
إنها القيادة والمسئولية وإنكار الذات في أوج صورها.
رغم حزن عمر البالغ تجده يفكر في الدولة ومستقبل الدولة.. تجده يفكر بقلب خالص وعقل متجرد عن أى هوي.
أنظروا كيف خاطب أبي بكر.. ” أري أن تأمر بجمع القرآن”
الوزير يشير علي الرئيس.. والأخير يجيب!..
إنه تدرج القيادة الذي عَلمه عمر وأدب الحوار الذي أتقنه عمر واحترام مُصدر القرار .
رغم عنفوانه وقوة شخصيته وبريق تأثيره فإنه لا يتجاوز
ولو قال له أبو بكر لا كان سيمتثل كسابقتها.
إن هذا الحوار البسيط يلقي الضوء علي كيف أن دولة كانت لا تمتلك أكثر من قوة عقيدتها كانت تدار بإدارة سبقت زمنها بأربعة عشر قرنا.
واستجاب أبو بكر ودعا إليه زيد بن ثابت وقال له ” إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك. كنت تكتب الوحي لرسول الله صلي الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه “
وقبل زيد بعد تردد..
أنظروا شاب آخر يصنع عملا جلل !
وجُمع القرآن من الرفاع والأكتاف وجريد النخل وصدور الرجال وظل باقياً محفوظاً إلي يوم الدين!..
يقول المستشرق الإنجليزي ” وليم ميور”
” والأرجح أن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن ظل اثني عشر قرنا كاملاً بنص هذا مبلغ صفائه ودقته “
رضي الله عن أبي بكر..
ورضي الله عن عمر..
لقد أقاما دولة علي الحق والعدل والمشورة والحرية
والصدق… والضمير..
وللحديث بقية.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك