الانتقال من عالم المكان والزمان إلى اللامكان واللازمان

الانتقال من عالم المكان و الزمان إلى اللامكان و اللازمان- طاهر يونس حسين

قبل البدء بمقالي أريد أن أوضح نقطة مهمة، وهي أن هذا المقال عبارة عن وجهة نظر شخصية، و ذلك تجنباً للتعليقات الفارغة المتوقعة، فلا تطالبني بدليل علمي على ما أقول، فمن غير المهم أن يقدم كل مقال دليلاً علميا، و لا مانع للإنسان من أن يحلق بخياله عسى أن يلامس شيئا من الطلسم المخفي .. و لربما يصبح هذا الخيال حقيقة ساطعة بعد مئات السنين.. نقطة أخرى الأمثال تُضرب للتوضيح و للتقريب، و ليس من أجل أن يترك أحدهم جوهر المقال، ثمَّ يأتي و يناقشني في حرفية المثال المضروب، فليس من الضروري أن يعبر المثال عن الحقيقة بشكل مطلق بقدر ما يقربها.
فلنبدأ الآن.. لو أردت السفر من القاهرة إلى الاسكندرية، فإن الانتقال بين المدينتين سيكون مكانياً و زمانيا باستخدام السيارة أو القطار أو الطائرة خلال مدة زمنية معينة، و لكن هذا الكلام لا يصلح إلا ضمن الزمان و المكان.. أي ضمن هذا العالم المادي، و لكن لو أردت السفر بين العوالم المختلفة، فإن طريقة السفر المكانية و الزمانية ستصبح أداة فاشلة لا تصلح لذلك، فلو أردنا السفر من العالم المكاني و الزماني إلى اللامكان و اللازمان، فإن السفر سيكون عن طريق انتقال عوالم و ليس انتقال مكاني و لتوضيح هذه النقطة سأضرب مثالاً على ذلك .. عالم الأحلام اللامكاني و اللازماني .. و هو عالمٌ عَجيبٌ و غريب، فخلال لحظات سريعة تنتقل من عالَم إلى عالَم جديد.. بحيث أنَّك لا تعرف في هذا العالَمْ الجديد إلا الأشخاص الذين تراهم و تُعايشهم في المنام، و ما عداهُم من أحداث و شخصيات ليس لهم أي وجود عندك، فعلى سبيل المثال لو أنَّك رأيت في المنام أخوك و صديقك.. فقط هذان الشخصان هما محور حياتك في هذا العالَم، و كُل الأشخاص الذين تعرفهم في الحياة الحقيقية من أبيك و أمك و أصدقائك و جيرانك.. إلخ ليس لهم أي وجود عندك و كأنَّك لم تعرفْهُم طول عمرك.. فقط الذين تراهم في منامِك هم مُحور معرفتك، حتى القول أنَّ الرَّوح في المنام تسرح في الأماكن هو كلامٌ باطل، فعالَم الأحلام هو عالم اللامادة أي خارج المكان و الزمان، و لا ينطبق عليه مفهوم المكانية فالرُّوح أو النَّفس لا تسرح لا في الأرض و لا في المريخ؛ لأنَّها خارج المكان و الزَّمان، فأنتَ عندما ترى نفسَك في المنام و أنت تسير في شوارع دمشق أو القاهرة، فروحُك ليست في دمشق و لا تسرح فيها؛ لأنَّك عندما تمشي في المنام على شارع معين هو حقيقةً ليس بشارع، و عندما ترى نفسك أنَّك داخل منزل ما ..حقيقةً هو ليس بمنزل، و عندما تأكل في منامك تفاحة هي في الحقيقة ليست بتفاحة؛ لأنَّها أشياء ليس لها وجود مادي مع أنَّك تشعر فيها شعوراً حقيقياً و لكنَّها ليست حقيقية.. بمعنى ليس لها تركيباً ماديا .. أريد منك أن تركز على عملية الانتقال من الزمان و المكان إلى هذا العالم الجديد، لأن التأمل يعطيك صورة أفضل من الكتابة، فهناك مستوى من الحقائق يتم إدراكه روحيا بفهم تام، و عندما تريد أن تعبر عنه تخونك الكلمات، فلا وجود للحروف التي توضح هذا المعنى العميق .. كيف انتقلت إلى هذا العالم و ما هي الطريقة لذلك ؟! خلال لمح البصر أنا موجود.. لا أعلم أين و لا كيف.

سأضرب مثالاً آخر.. بفرض أنَّ لديك شريطاً مصوراً لحفلة عرس، و أردت أن تشاهد هذا الشريط على الكمبيوتر .. ستشاهد أناساً بصور حقيقة يأكلون ويشربون ويرقصون داخل الكمبيوتر .. ستشاهد نفسك و أخوك و صديقك داخل الكمبيوتر و هم يعيشون هذه اللحظات السعيدة، بفرض أنَّ هناك آلية معينة تجعل لك وجوداً حقيقياً داخل هذا الكمبيوتر.. بمعنى أنك..أنت.. نفسك .. قد صرت بإدراك كامل داخل هذا الكمبيوتر ضمن هذه الحفلة، عندها سيصبح لك وجود حقيقي في عالم جديد محصور داخل الكمبيوتر .. و لكن هذا الوجود هو وجود رقمي أي أنك أصبحت عبارة عن وجود رقمي كمعلومات مخزنة داخل الكمبيوتر، ولكن هذا الوجود الرقمي ممثل بصور حقيقية متحركة.. لو أردت أن تسافر ضمن هذا العالم أي من داخل هذا الكمبيوتر إلى كمبيوتر في دولة أخرى فإن انتقالك سيكون انتقالاً رقمياً كمعلومات من حاسوب الى حاسوب عبر شبكة الانترنت.. أو انتقال حفلة العرس هذه من قرص إلى قرص آخر داخل الكمبيوتر نفسه.. أما لو أردنا نقل هذا الوجود من داخل الكمبيوتر إلى العالم المادي الذي تعيش فيه أنت، فنحن بحاجة الى انتقال عوالم بآلية معينة، و حتى تستطيع نقل هذا الوجود الى عالمك يجب أن يكون لديك إمكانيات خالق تستطيع أن تجعل لشخصيتك هذه وجود من داخل الكمبيوتر إلى خارجه، و كذلك نعكس الأمر على الانتقال من عالمنا المادي الزماني و المكاني إلى العالم اللامكاني و اللازماني، هنا الأدوات التي نعرفها للسفر ضمن المكان تصبح غير صالحة، لأننا سنطير إلى عوالم أخرى.. قوانين السرعة و التنقل هذه صالحة فقط ضمن عالمك و لكن للانتقال إلى العالم الثاني .. كل قوانينك ستكون بلا معنى.. انتهى وجودها و نحن بحاجة الى مستوى آخر من العلم .. كأن تكون أنت ضمن العالم المادي تشاهد مسلسلاً على التلفاز و داخل هذا المسلسل هناك شخص يشاهد مسلسلاً آخر .. و قد نكون نحن عبارة عن مشهد في مسلسل بالنسبة لمخلوقات أخرى و كل واحد من هؤلاء له عالمه الخاص و وجوده الخاص ضمن قوانين تنطبق فقط على عالمه و لا تصلح خارجه .

إنَّ الفرق بين عالم اللازمان و اللامكان “عالم الأحلام ” و عالم الحقيقة اليومي.. هو وجود العقل.. بمعنى أنَّك في الحُلم تعيش حياةً من نوع خاص فيها مشاعر حزن و فرح و سعادة و غضب و خوف ..إلخ، و لكن عالم الأحلام يفتقد إلى وُجود العمليات العقلية من فَهِم و إدراك و وعي و ذاكرة.. إلخ، فلو فرضنا أنَّ الله قد سمحَ بوجود العقل في المنام.. عندها سيكون عالم الأحلام عالماً حقيقياً لا يفرق عن عالم الحقيقة بشيء.. عندها ستَستَطِيع في الحلم إدراك هذا العالم الجديد بكُل ما يحتويه، و عندها سيكون لقاءك مع شخص ميت أو مسافر لقاءً حقيقياً و ليس وهميا، و بإمكانك ضمن هذا العالم أن تقوم بدراسة الرياضيات و الفيزياء و ممارسة كافة النشاطات بكامل الإدراك العقلي و ليس كحلم فقط، و لكن الـمُثير هنا هو عملية الانتقال بين العالَمَين.. بمعنى أنَّك تضعُ رأسك على مخدتك و خلال زمن سريع جدًا في أقل من ثانية زمن فجأة تجد نفسك ترقص في عرس ما أو تكون مُلَاحَقاً و مُطَارَدا.. مع أنّك قبل نصف ثانية كنت على مخدَّتك تُفَكِّر في همومك و مشاكِلك، ثمَّ فجأة وجدْتَ نفسك ترقص ضمن عالم جديد عجيب، و كأنَّك دخلت في فتحة الزمن لتصبح في عالم جديد يفصِلُك عن الواقع و يُنَسِّيك عالمَ الدُّنيا القديم بكل ما يحتويه.
في الختام أريد أن أنوه إلى نقطة مهمة جدا، وهي قصور التفكير الإنساني في محاولة ربط الوجود فقط بعالم المادة الذي يحتوينا، ثمَّ محاولة عكس الخالق على الزمان و المكان وهي من مخلوقاته، كأن نقوم بطرح أسئلة تنطبق على الزَّمان والمكان ومحتوياتهما، ثم نريد من الخالق أن يكون محتوى ضمنهما و أن تنطبق عليه قوانينهما، أي أننا نريد أن يصبح الخالق محتوى في الزمان و المكان بعد أن خلقهما، معنى ذلك أن الله بعدما خلق الزمان ..صار الزمان سابقاً عليه.. كأن يصبح العدد 5 سابقاً للعدد واحد و منبثقاً عنه في نفس الوقت، وهذا اللغط نشأ من افتراض أن كل الوجود يشبه وجودنا المحصور بالزَّمان و المكان، فما يدرينا كم من العوالم الموجودة لهذا الخالق؟.. عوالم ليس لها علاقة بالزمان و المكان .. عوالم من نوع مختلف لا تحيط به عقول و لا تقربه أمثلة، و ما يدرينا ما هي ماهية الوجود الرباني؟!! .. قد يكون هناك مليار عالم كل عالم له قوانين و وجود من نوع عجيب و غريب، وهذا هو الجهل الذي يعبر عنه الملحدون دائما في محاولة ربط كل شيء بالمادة .. بالكهرباء و الالكترونات و الأمواج و الزمان و المكان و .. و.. و.. .
إن عملية تشريح الإنسان .. ما هي إلا عملية انتقال من رداء إلى رداء آخر لهذا الإنسان .. من الجلد الى اللحم و العظام.. مجرد عملية تشريحية لمكونات هذا الجسد و لكن الإنسان مختلف كل الاختلاف عن هذا التشريح .. هناك مستوى آخر من الحقائق لهذا الإنسان مختلف عن التركيبة المادية التي نعرفها.. و أيضاً عملية تفكيك المادة الى جزيئات ثم ذرات ثم الكترونات وبروتونات و كواركات أيضا هي عملية تفكيكية لمعرفة مكونات هذه المادة و لكن بالتأكيد هناك مستوى آخر من الحقائق لا يمكن الوصول اليه .. أدوات العلم المادية فاشلة في هذا المضمار..حلقوا بخيالكم يا أخوة و ستصلون إلى حقائق عجيبة وغريبة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك