لماذا كانت خلافة عمر لأبي بكر ؟!

لماذا كانت خلافة عمر لأبي بكر ؟! – سامح عبد الله

” فقال طلحة بن عبيد الله : ” ماذا أنت قائل لربك إذا سألك عن اسخلافك عمر علينا وقد رأيت ما يلقي الناس منه وأنت معه فكيف إذا خلا بهم بعد لقائك ربك؟! “

موت الخليفة..

جدال حول عمر..

( العشرون )

مازال الخليفة بمرقده يقاوم المرض.. مازال الجسد الهزيل ينبض.. مازال العقل متوقد مشغول بالأمة!..
لم تمض لحظات علي الخليفة أدق من هذه..ولم تمض لحظات عليه أشق من هذه..ولم يأخذه جهدٌ عند قرار كما أخذه هذا القرار!..
الأجل يقترب ولكل أجل كتاب!.. والخليفة يبدو أنه في مرضه الأخير!..كان في الستين من العمر وتذكر كيف أن الرسول أخبره بأن أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين!..
شريط مزدحم من الحوادث والنوازل يمر أمام عينيه منذ أن قابل محمد الصادق الأمين في ربوع مكة وقال له دون حُجة أشهد أنك رسول الله وحتى هذا اليوم الحزين الذي ترك تجهيز الرسول بعد أن أسلم الروح وذهب إلي سقيفة بني ساعدة لينقذ الأمة من شر فتنة كبري.
واليوم يقوم بعمل هو آخر عهده بالدنيا!.. فقد كان عليه أن يتخذ قراراً هو آخر قرار له كخليفة للمسلمين وقائد لهذه الأمة التى أرسى قواعدها رسول الله.
كان عليه أن يكفل إستمرار المسيرة وأن يحافظ علي كيان الأمة واستقرارها وربما توسعها..كان عليه أن يختار خليفته!..
والحقيقة كما عرضنا في الحلقة السابقة أن أبو بكر قد أملى علي عثمان بن عفان إسم من يخلفه وقال له علي وجه القطع.. ” إني استخلفت عليكم من بعدي عمر”
عبارة واضحة قاطعة لم يشأ أبو بكر أن يترك الأمر هكذا دون مسمي ولم يشأ أن يضع المسلمين أمام اختيار من قائمة يضعها هو كما فعل من بعده عمر
لقد قالها بوضوح “إني استخلفت عليكم من بعدي عمر “
فهل حدثت مشورة من أجل هذا القرار..؟
هل إستمع أبو بكر لرأي الصحابة والناس في هذا الإختيار..؟ وهل أملى عثمان بن عفان كتابه هذا بعد مشورة أم لا ؟
الواقع أنه ليس هناك دليلاً لدينا عما إذا كان كتاب أبي بكر إلى عثمان والذي إستخلف فيه عمر كان بناء على مشورة بالمعنى الدقيق أم لا !..لكن الواقع يقول أن أبو بكر أجرى بشأن هذا الإختيار ما يمكن أن نسميه فى عصرنا ” نقاش مجتمعي ” وأن من بين ما استمع إليهم في شأن هذا الأمر كان عثمان بن عفان نفسه بما يشير إلى أن أبو بكر لم يمل كتابه هذا على عثمان إلا بعد مشورة رغم ما كان بادياً عليه من عزم علي اختيار عمر .
هذا هو الواقع لدينا..أبو بكر الصديق يفتح نقاشاً حول اختيار عمر خليفة له.
فماذا دار في هذا النقاش..؟
ستلاحظون كيف كان إبداء الرأى وقتها.. وكيف كان قبوله وكيف كان رفضه وكيف كان التحفظ على القرار وكيف كانت مراجعة الرأي.. وكيف كانت حجة الرأى وأسبابه
تلاحظون باختصار.. كيف كان مناخ الحرية!..

الخليفة فوق مرقده يستقبل أصحاب الرأي بشأن عمر..
يستمع.. يناقش.. يحاور.. يبرر..
يدخل عليه ” عبد الرحمن بن عوف ” فيسأله عن عمر..
فيقول عبد الرحمن بن عوف.. ” هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل، ولكن فيه غلظة “
فيقول أبو بكر ” ذلك لأنه يراني رفيقاً، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه “
ويدخل عثمان بن عفان عليه فيسأله عن عمر..
فيجيب عثمان.. ” اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله “
ويدخل سعيد بن زين وأسد بن حضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار فيسألهم أبو بكر جميعاً عن عمر..
فيشهدون أنه ليس فيهم مثله لكن به غلظة !
فيرد أبو بكر ثانية..” لأنه يراني رفيقاً.. “

ثم يستقبل طلحة بن عبيد الله فيسأله أبو بكر عن عمر فيجيب طلحة وقد ارتسمت علي وجه ملامح الغضب ويقول لأبي بكر:
“ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه فكيف به إذا خلا بهم بعد لقائك ربك؟! “
وغضب أبو بكر ربما من حديث طلحة
لكن حزنه كان أشد فما أقسى ما يعانيه الخليفة من الوهن والمرض!..
حزن أبو بكر وربما شعر بأن كلمات طلحة تمزقه كسكين حاد ألّم بجسده دون شفقة منه!..
فى الحقيقة كانت كلمات طلحة مثل السهام في جسد خليفة هذا آخر عهده بالدنيا!.لكنه رغم ذلك يصيح فى بأهله ويقول:”أجلسونى”
وينتفض الجسد الهزيل وكأن قوة الحجة قد بثت به حياة جديدة وكأن عنفوان كلمة الحق قد سرى في جسده فاستحال معه إلي رجل شديد دو بأس كمان كان دائما!..
ورد علي طلحة قائلا بغضب ” أبا لله تُخوّفني؟!
خاب من تزود من أمركم بظلم! أقول: اللهم إستخلفت على أهلك خير أهلك! “
ثم اتجه إلي طلحة فقال له : ” أبلغ عني ما قلت لك من وراءك “

كانت هذه هي الغضبة الأخيرة التي يقدمها أبو بكر للأمة كانت هذه إنتفاضته الأخيرة من أجل الأمة!..
كانت هذه وقفته الأخيرة من أجل الأمة!..
لكن أبو بكر خشي ألا يكون قد استطاع أن يجمع الناس علي عمر..
خشى من الفتنة من بعده!..
الكل يجمع علي تقوى عمر.. لكنهم أيضاً أجمعوا علي غلظته!..
هذا بشأن الصفوة من الناس.. هذا بشأن الصحابة.. فماذا إذن عن أشخاص الأمة التي باتت علي مشارف أمبراطورية كبري..
ماذا يصنع الصديق أما هذا الجدل حول عمر..؟!
إن الرجل الراقد علي فراش الموت تدب فيه الحياة من جديد..
لقد نهض الرجل ودعى المسلمين إلي مسجد رسول الله..
أبو بكر يحتمي بالحياة حتي ولو مجرد ساعات معدودة
إنه يحتمي بالحياة ليس من أجل نفسه بل من أجل حياة الأمة..
ينهض أبو بكر إلي منبر رسول الله!..
هل تذكرون منذ سنتين وثلاثة أشهر عندما أخذ بيده عمر بن الخطاب دافعاً إياه إلي هذا المنبر ليلقي خطبته الأولي بعد وفاة رسول الله.. يومها تثاقلت قدما أبي بكر وخجلت عيناه أن تنظر إلي المنبر وقد غاب صاحبه عنه..
يومها لم يسمع إلا صوت عمر الجهور.. تقدم يا خليفة رسول الله.. تقدم يا صاحب رسول الله.. تقدم ياصاحب الإيمان الذي يزن إيمان أمة!..
وصعد أبو بكر وقتها ليلقي خطبته الأولى والتي وضع فيها دستور حكمه..
واليوم يصعد أبو بكر ذات المنبر لكنه يلقي خطبته الأخيرة..
صعد منتصراً علي الوهن بقوة الإيمان.. صعد منتصراً علي الفتنة بقوة الحق وإنكار الذات..
إن المعجزة أحيانا تطرق قلوب الرجال في أشد لحظات الوهن فيستحيلون معها إلى وهج من قوة وشعاع من حياة وروح من ضمير!.. وها هى قد صنعت المعجزة بقلب أبى بكر!..
صعد يقول للناس
” إن وَليت عليكم خيركم في نفسي.. أترضون بمن أستخلف عليكم فإني والله ما ألوت ( قصرت ) من جهد الرأى ولا وليت ذا قربى وإني وليت عمر بن الخطاب، اسمعوا له وأطيعوا “
فأجاب الناس.. ” سمعنا وأطعنا “
فرفع يده إلي السماء قائلا.. ” اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم ما أنت به أعلم، واجتهدت لهم رأياً فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم، وأحرصهم علي ما أرشدهم”

وسمع الناس دعائه ففاضت أعينهم بدموع ربما لم يشهدوها منذ خطبة الوداع!..
ثم دعا أبو بكر عقب ذلك عمر وأوصاه بمتابعة فتح الشام والعراق وذكره بما يجب علي من ولى أمر المسلمين وبأن الله ذكر آيه الرحمة مع آيه العذاب!..

وهكذا كان وداع أبى بكر للدنيا..
هكذا كان وداع الصاحب والصديق الذي صدق دون حجة
والذي لم يترك لأهله غير الله ورسوله!..
هكذا كان وداع الخليفة للأمة.. تركها علي الطريق الذي رسمه قائدها رسول الله..تركها دون فوضى أو فتنة!..
لم يتركها لأحد من أبنائه أو أهله أو عشيرته أو قبيلته
لقد تركها للفاروق عمر بن الخطاب..
وهدأ الجسد النحيل من وغز المرض..وسكت النبض القابع في قلب الرجل وسكن بريق العينين الذي ظل يشع بالصدق والإيمان وعادت النفس المطمئنة إلى بارئها..
لا تطلب شيئا سوى العفو والغفران والرحمة!..
كان الشيخ يدرك أنه مهما أُوتى من عمل فلا نجاة له إلا برحمة الله.
غيّب الموت أبى بكر لكن شمس جديدة ستصطع علي هذه الأمة..
إنها شمس عمر بن الخطاب.
وللحديث بقية…

سامح عبد الله.
#عمر_بن_الخطاب_رؤية_معاصرة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك