“اضحك الصورة تطلع أحزن”

“اضحك الصورة تطلع أحزن”

(1)

مدرس أربعيني آسيوي بالشكل المعتاد يرتدي قميصا أبيض وبنطلونا أسود ويقف منفعلا إذ يوبخ طالبا غير منضبط يقف في لا مبالاة ثم يبدأ هو الآخر بالرد عليه ردا بدا لي باردا أو مستفزا لا أعرف تحديدا لأن لغتهما أجنبية بالطبع لكن لا أذكر تحديدا إن كان المدرس قد صفع الطالب أولا أم أن الطالب فعل لكن ما حدث بعدها هو أن بقية الطلاب أصحابه قاموا من أماكنهم وبدأوا هم أيضا يضربون المدرس الذي يقف في قلة حيلة كاملة أمام الأحزمة والعدد. يقف قليل الحيلة حائرا بين أن يثأر لكرامته أم يكتفي بتلقي الضربات ممن هم أصغر من أبنائه فيصفع أحدهم بيد مترددة فينهالوا عليه ضربا مجددا فيعود فيضرب أحدهم وهكذا.

في مقطع من دقائق قليلة…رآه الملايين وضحكوا.

(2)

فتاة زائدة في الوزن، صغيرة في السن قررت أن تستغل خلو المكان وأن تجرب لعبة رأت أقرانها يلعبونها، وقالت لنفسها “لماذا لا أحاول أنا أيضا وأستمتع كما يستمتعون؟!”

أمسكت باللعبة ثم وضعت إحدى قدميها لكن قبل أن تضع الأخرى طوَّحتها اللعبة غير الثابتة والقائمة على عدم الثبات هذا بشدة بفعل وزنها وأوقعتها أرضا بقسوة.

في مقطع فيديو لم يستغرق دقيقة، رآه الملايين وضحكوا.

(3)

“لن أذهب إلى الجامعة مجدداً، فبالأمس ألصق أحدهم ورقة على ظهري بدون أن أشعر كان مكتوبا عليها شيئا خاصا بالفيديو الخاص بي الذي وضعه صديقي على صفحتي على الفيس بوك ليذكرني بأيام طفولتنا.

وظل الجميع يحيطون بي طوال اليوم وهم يضحكون ويعلقون تعليقات سخيفة جارحة…لا لن أذهب إلى الجامعة مجددا على الأقل حتى ينسوا.

وسأرسل إلى صديقي ليحذف الفيديو الآن، لكن ما هذا؟ لقد حذفه بالفعل لكن لماذا هو على تلك الصفحة التي أشار إليّ أحدهم في تعليق بها؟ ما كل هذه التعليقات الضاحكة؟ وكيف وصل إلى هذه الصفحة الأخرى؟ يا ربي…ألف مشاركة هنا وألفين هنا وخمسة آلاف هنا…عدد مرات المشاهدة صار بالملايين… هذا أنا في الفيديو…لكنه ليس شيئا خاطئاً ولا معيباً، إنه شيء خاص بي.

ماذا سيكون رد فعل أبي؟ سيمنع كل شيء وربما يستاء كثيرا ولعلهم سيلاحقونه وأمي في عمليهما بتعليقات عني…وإن كنت خائفا من الجامعة فالآن لن أجرؤ على النزول إلى الشارع حتى بل لن أفتح التلفاز نفسه فبالتأكيد سيذيعون أشهر المقاطع التي تضحك الناس وسأكون منها.

لماذا يشتمني ذلك الشخص؟ ماذا فعلت له؟ وهذا؟ وهذا وهذا…. أنا لم أؤذِ أحداً…

حياتي ضاعت أنا خائف أنا لا أود الاستمرار في ذلك العالم الذي يؤذيني دون سبب لا أود الاستمرار بين أناس لا يعرفون حدودا لما يفعلون أو يقولون ولا يكترثون إلا بما فيه أذيتي وفيه استمتاعهم…أنا لن أستطيع البقاء في عالم مظلم وملئ بالعقد والكراهية إلى ذلك الحد…”.

(4)

كل ثانية نفعلها…كل ثانية نقتل أحدهم إما بشكل حرفي أو قتلا معنويا. نشارك فيديو لرجل سمين يقع في حمام سباحة فتندفع مياهه خارجه ونضحك! نشارك صورا تقع تحت أيدينا أو نسرقها من الناس وللناس لنضحك! أعرف شخصا وضع صورة لبطاقة أحدهم وعلق ساخرا أنه يخشى البحث عن صاحبها الذي يظهر في الصورة بشارب كبير. وأعرف آخر اعتاد أن يضع “Posts” عن زوجته ليسخر منها فيضحك متابعيه من الرجال من نفس النوعية ويشاركون البوست…والوضع ذاته في حالة السيدات.

أتلاحظون ماذا نفعل؟ أتدركون أننا أصبحنا في مقابل الضحك مستعدون لفعل أي شيء؟ مستعدون لنؤذي ولنجرح بل ولنقتل؟

(5)

أخيراً: بمكان ما في هذه اللحظة، أناس يلفظون أنفاسهم الأخيرة بينما كل أمانيهم المتبقية هي مزيد من (الوقت). وباللحظة ذاتها آلاف وربما ملايين الصم، والبكم، والعميان، والعاجزين عن الحركة، يعانون لفقدانهم تلك المزايا. بينما أنت مكانك، لديك كل شيء، الوقت، والبصر، والقدرة على السمع والكلام والحركة، ولا تستخدم أياً منهم في شيء مفيد، بل على العكس تبددهم في إهانة أحدهم.

ترى كم عدد من نسيت أنك أهنتهم يوماً ثم سببتهم حين انتحروا ناعتاً إياهم بالجبناء بينما أنت في الواقع (قاتلهم)؟

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك